قصة عرس الجن | رجل يدخل عالم الجن ويقع في حب جنية ويكتشف سر الراديو المسكون

الفصل الأول: الراديو القديم وبداية الطريق إلى عرس الجن في القاهرة 1990

في القاهرة عام 1990، كانت المدينة تعيش حالة خاصة لا تتكرر كثيرًا في تاريخها. شوارع مزدحمة بالسيارات القديمة، أصوات الباعة الجائلين تمتزج مع أذان المغرب، وأحياء شعبية تحمل في طياتها قصصًا لا تُقال بسهولة. في هذا الزمن، لم تكن التكنولوجيا قد غيّرت كل شيء بعد، وكانت الحكايات الشعبية عن الجن والعوالم الخفية ما زالت حاضرة في جلسات الليل، خصوصًا في مناطق مثل السيدة زينب والحسين والمناطق القديمة من القاهرة الفاطمية.

في هذا السياق عاش “محمود عبد العال”، شاب في أواخر العشرينات، يعمل في تصليح الأجهزة الكهربائية القديمة، خصوصًا الراديوهات والتلفزيونات ذات الأنابيب. كان محمود معروفًا بين أهل الحي بأنه رجل هادئ، قليل الكلام، لكنه شديد الملاحظة. ورغم بساطة حياته، كان لديه فضول غريب تجاه كل ما هو غير مفسر، خاصة القصص التي تتحدث عن الجن في القاهرة القديمة.

كان يسمع كثيرًا من الزبائن قصصًا عن بيوت مسكونة، وأصوات تأتي من أماكن مغلقة، وأشياء تتحرك دون سبب. لكنه لم يكن يؤمن بها بشكل كامل… إلى أن جاء ذلك اليوم الذي غيّر حياته تمامًا.

في مساء يوم خريفي من عام 1990، بينما كان محمود يغلق ورشته الصغيرة في أحد أزقة السيدة زينب، جاءه رجل غريب الملامح. كان يرتدي بدلة قديمة الطراز، ونظرة عينيه غير مريحة، كأنها لا تستقر على شيء. وقف أمام الباب بصمت لبضع ثوانٍ ثم قال بصوت منخفض:

“أنت محمود اللي بيصلّح الأجهزة القديمة؟”

أجاب محمود بحذر: “أيوه… خير؟”

أخرج الرجل من حقيبة جلدية صغيرة راديو قديم جدًا، يبدو أنه من الأربعينات أو الخمسينات، مغطى بالغبار ومكسور من الجوانب. وضعه على الطاولة وقال:

“عايزه يتصلّح… ضروري. وهتاخد ضعف أجرك المعتاد.”

كانت الجملة مغرية، لكن ما أثار القلق في قلب محمود هو طريقة كلام الرجل. لم يسأل عن السعر، لم يناقش، فقط عرض المال وكأنه يعرف النتيجة مسبقًا.

سأله محمود: “الراديو ده مالوش قطع غيار دلوقتي… وممكن ما يشتغلش خالص.”

ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة وقال: “مش مهم يشتغل زي أي راديو… المهم يشتغل الليلة دي بس.”

ثم أضاف بسرعة قبل أن يخرج: “هتيجي العنوان ده يوم الجمعة الجاية، بعد منتصف الليل. وما تسألش أسئلة كتير.”

وضع ورقة صغيرة على الطاولة وخرج دون أن ينتظر ردًا.

ظل محمود واقفًا مكانه ينظر إلى الباب المغلق. في العادة، كان يرفض مثل هذه الطلبات الغريبة، لكنه هذه المرة شعر بشيء مختلف. ليس خوفًا فقط، بل فضولًا ثقيلًا، كأن هناك جزءًا في عقله يريد أن يعرف ما وراء هذا الأمر.

فتح الورقة. كان مكتوبًا عنوان في أطراف القاهرة القديمة، منطقة لا يزورها كثير من الناس، مع ملاحظة قصيرة: “البيت لا يظهر إلا في الوقت المحدد.”

ضحك محمود في نفسه وقال: “بيت إيه اللي ما بيظهرش إلا في معاده؟”

لكن رغم سخريته، لم يستطع تجاهل شعور غريب بدأ يتسلل إليه.

مرّت الأيام التالية ببطء. حاول محمود أن ينسى الموضوع، وانشغل بالعمل وإصلاح أجهزة أخرى، لكن الراديو القديم بقي في ذهنه. كان يتخيله أحيانًا وكأنه ليس جهازًا عاديًا، بل شيء ينتظر لحظة تشغيل معينة فقط.

وفي ليلة الخميس، قبل الموعد بيوم واحد، بدأ المطر يهطل على القاهرة. كانت الشوارع شبه فارغة، والهواء مشبع برائحة الطين والرطوبة. جلس محمود في ورشته متأخرًا، يحاول إصلاح جهاز تلفزيون قديم، لكن فجأة انقطعت الكهرباء.

الظلام كان شبه كامل، لا يقطعه إلا ضوء خافت قادم من الشارع. وفجأة، سمع صوتًا خافتًا جدًا… يشبه التشويش الخارج من راديو قديم.

التفت حوله بسرعة. لم يكن هناك أي جهاز يعمل.

لكن الصوت استمر.

اقترب من الطاولة حيث وضع الراديو الغريب الذي جاء به الرجل. كان مغلقًا تمامًا، ومع ذلك… كان يصدر صوتًا خافتًا، كأن هناك بثًا بعيدًا يحاول أن يصل.

اقترب محمود ببطء، ويده ترتجف قليلًا، ثم لمس الجهاز.

في اللحظة نفسها، انقطع الصوت فجأة.

عاد الصمت، لكن الصمت هذه المرة كان مختلفًا… ثقيلًا بشكل غير طبيعي.

شعر محمود أن الهواء في الورشة أصبح أكثر برودة، وكأن المكان تغيّر دون أن يتحرك.

أغلق الورشة بسرعة وغادر إلى بيته، لكنه طوال الطريق كان يشعر أن هناك من يراقبه من بين الأزقة. ليس شخصًا واحدًا… بل أكثر من ظل يتحرك في أطراف نظره ثم يختفي.

في تلك الليلة، لم يستطع النوم.

كان يسمع بين الحين والآخر صوت تشويش خفيف جدًا، كأنه قادم من داخل رأسه.

وعندما اقتربت الساعة من الثالثة فجرًا، حدث ما لم يكن يتوقعه.

الراديو الذي لم يكن موصولًا بأي مصدر طاقة… أضاء فجأة.

ضوء خافت أزرق خرج من داخله، وصوت واضح قال لأول مرة:

“الليلة… لا تعود كما كنت.”

في تلك اللحظة، فهم محمود أن الأمر لم يكن مجرد تصليح جهاز قديم، بل بداية طريق لا يشبه أي شيء يعرفه.

وقبل أن يشرق الصباح، كان القرار قد اتخذ.

سيذهب إلى العنوان يوم الجمعة… مهما كان الثمن.

وهكذا بدأت أول خطوة نحو عرس الجن في القاهرة عام 1990، دون أن يعرف أن ما ينتظره هناك لن يغير ليلته فقط… بل سيغير حياته بالكامل.

الفصل الثاني: البيت الذي لا يُرى وعبور بوابة عرس الجن

حلّ يوم الجمعة في القاهرة عام 1990 ببطء غير معتاد. كان الجو في الصباح خانقًا رغم أنه ليس صيفًا، وكأن المدينة كلها تستعد لشيء لا يعرفه أحد. محمود عبد العال لم ينم جيدًا، بل بالكاد أغلق عينيه من كثرة التفكير في الراديو الذي أضاء وحده في منتصف الليل، والجملة التي خرجت منه: “الليلة… لا تعود كما كنت.”

كان يحاول إقناع نفسه أن الأمر مجرد توهم، ربما عطل كهربائي غريب أو خيال مرهق. لكن في داخله، كان هناك شعور أقوى من المنطق يقول إن ما سيحدث الليلة ليس عاديًا.

قبل الغروب، فتح محمود الورشة كالمعتاد، لكنه لم يكن مركزًا في عمله. يده كانت تصلح الأجهزة، لكن عقله في مكان آخر تمامًا. أكثر من مرة وجد نفسه ينظر إلى الراديو القديم الموضوع في زاوية الورشة، وكأنه ينتظره أن يتكلم مرة أخرى.

مع اقتراب الساعة من العاشرة مساءً، بدأ القرار يتضح في ذهنه. سيذهب.

أخذ الورقة التي تركها الرجل الغريب. العنوان كان في أطراف القاهرة، مكان قريب من مناطق المقابر القديمة والطرق التي تقل فيها الحركة ليلًا. لا أسماء واضحة للشوارع، فقط علامات غامضة: “عند آخر طريق النخيل، حيث لا تكتمل الإضاءة.”

خرج محمود بعد منتصف الليل بقليل. الشوارع كانت شبه فارغة، وأصوات المدينة بدأت تخفت تدريجيًا كلما اقترب من الأطراف. كان الهواء أبرد من المعتاد، رغم أن التاريخ لا يشير إلى موجة برد.

كلما تقدم في الطريق، لاحظ شيئًا غريبًا: بعض الشوارع التي يعرفها جيدًا كانت تبدو مختلفة، كأنها أطول من المعتاد أو تنتهي في أماكن غير منطقية. عمارات يعرفها اختفت خلف ضباب خفيف لم يكن موجودًا في باقي المدينة.

قال في نفسه: “يمكن ضباب طبيعي… القاهرة ساعات بتفاجئ الواحد.”

لكن الحقيقة كانت أبعد من ذلك بكثير.

بعد ساعة تقريبًا من المشي أو ربما أقل (فقد فقد الإحساس بالوقت)، وصل إلى المكان المكتوب في الورقة. كانت منطقة شبه مهجورة، فيها سور طويل قديم مائل، وبوابة حديدية نصف مفتوحة.

لكن الغريب… أنه لم يكن هناك أي بيت ظاهر خلف البوابة.

توقف محمود مكانه. نظر يمينًا ويسارًا. لا شيء. فقط فراغ وظلال وأرض غير مكتملة الملامح.

قال بصوت منخفض: “ده هزار؟ أنا جيت غلط؟”

في تلك اللحظة، سمع صوتًا خلفه.

“إنت متأخر.”

التفت بسرعة. كان نفس الرجل الغريب الذي جاء إلى الورشة. لكن هذه المرة، كان يقف بثبات أكبر، وكأن المكان لا يؤثر فيه.

قال محمود بحدة: “فين البيت؟ مفيش حاجة هنا.”

ابتسم الرجل وقال: “البيت مش بيت زي ما إنت فاهم… البيت بيظهر لما يسمح لك بالدخول.”

ثم أخرج من جيبه قطعة معدنية صغيرة تشبه المفتاح، لكنها ليست لأي قفل معروف. وضعها في الهواء أمام البوابة الحديدية، وكأن هناك قفلًا غير مرئي.

وفجأة… حدث شيء لا يمكن تفسيره بسهولة.

الفراغ أمام البوابة بدأ يتكثف، كأن الهواء نفسه يتحول إلى جدار شفاف. ثم بدأت ملامح بيت قديم تظهر تدريجيًا، كأنه كان مختبئًا خلف طبقة من عدم الوجود. بيت ضخم، بطراز قديم جدًا، مزيج بين العمارة العثمانية والبيوت المصرية القديمة، لكنه لا يشبه أي شيء في القاهرة الحديثة.

أبوابه خشبية ضخمة، ونوافذه عالية، ومن داخله يخرج ضوء دافئ غريب… ليس كهرباء، بل كأنه ضوء حي.

محمود تراجع خطوة إلى الخلف وقال: “إيه المكان ده؟!”

رد الرجل بهدوء: “لو رجعت دلوقتي، هتنسى إنك شُفت أي حاجة. لو دخلت… مش هتعرف ترجع زي الأول.”

كانت جملة كافية لتجميد أي قرار عاقل.

لكن قبل أن يجيب، سمع صوت موسيقى خافتة تأتي من داخل البيت. ليست موسيقى بشرية، بل إيقاع غريب يتغير مع كل ثانية، كأنه ينبض.

وفجأة، انفتحت البوابة وحدها.

لم يكن هناك دفع أو حركة. فقط انفتاح بطيء كأن المكان يدعوه للدخول.

في تلك اللحظة، شعر محمود بشيء يسحبه للأمام، ليس جسده فقط، بل فكره أيضًا. كأنه فقد القدرة على اتخاذ القرار.

خطا خطوة.

ثم خطوة أخرى.

وبمجرد أن تجاوز العتبة…

اختفى صوت المدينة تمامًا.

لم يعد هناك قاهرة، لا سيارات، لا أضواء بعيدة، لا هواء مألوف.

كان في عالم آخر داخل نفس اللحظة.

القاعة التي دخلها كانت ضخمة بشكل غير منطقي، سقفها مرتفع لدرجة لا يمكن قياسها، والجدران مزينة بنقوش تتحرك ببطء كأنها تتنفس. هناك عشرات… بل مئات الأشخاص، لكن ملامحهم ليست بشرية بالكامل.

عيون تلمع في الظلام، حركات غير طبيعية، وصمت ثقيل رغم وجود احتفال واضح.

ثم رأى العروس.

كانت تقف في منتصف القاعة، ترتدي ثوبًا أبيض طويلًا، لكن ملامحها مختلفة عن الآخرين. هادئة بشكل لافت، وكأنها لا تنتمي لهذا المكان.

وفي تلك اللحظة، التقت عيناها بعيني محمود.

وتوقف كل شيء لثانية.

كأن الزمن نفسه توقف ليسمح لهذا اللقاء أن يحدث.

كانت تلك هي المرة الأولى التي يرى فيها “ليان”… التي ستغير مسار كل ما بعد تلك الليلة.

الفصل الثالث: ليان… وشرط النجاة داخل عرس الجن في القاهرة

في اللحظة التي دخل فيها محمود عبد العال إلى قاعة عرس الجن، لم يكن يدرك أن ما يراه ليس مجرد احتفال غريب، بل نظام كامل قائم على قوانين قديمة أشد صرامة من أي قانون بشري عرفته القاهرة عام 1990. كل شيء هناك كان يبدو حيًا بطريقة غير مفهومة: الجدران تتحرك ببطء، الضوء يتنفس، والصمت نفسه له وزن ثقيل على الأذن.

لكن أكثر ما شدّ انتباهه لم يكن المكان… بل تلك الفتاة التي كانت تقف في منتصف القاعة بثوب أبيض.

كانت “ليان”.

عيناها لم تكونا مثل الآخرين. لم يكن فيهما ذلك اللمعان الحاد أو البرود المخيف الذي رآه في بقية الحضور. كانت نظرتها أقرب إلى الإنسان، مليئة بشيء يشبه الحزن… أو الانتظار الطويل.

اقتربت منه خطوة واحدة فقط، لكن هذه الخطوة كانت كافية لتغيير كل شيء.

قالت بصوت منخفض لا يسمعه إلا هو:
“ليه دخلت هنا؟ ده مش مكانك.”

أجاب محمود وهو يحاول أن يبدو ثابتًا رغم الارتباك:
“ماكنتش أعرف إن فيه حاجة زي دي أصلاً… كل اللي كنت عايزه أفهم إيه اللي بيحصل.”

نظرت حولها بسرعة، وكأنها تخاف أن يُسمع الحوار، ثم قالت:
“مافيش وقت للفهم دلوقتي… لو عرفوا إنك غريب، مش هتخرج من هنا.”

في تلك اللحظة، مرّ بجانبهما كائن طويل القامة، ملامحه شبه بشرية لكن عينيه سوداء تمامًا بلا بياض. كان يرتدي زيًا يشبه زي النبلاء في العصور القديمة، لكن حضوره كان مخيفًا بشكل لا يمكن وصفه.

همست ليان بسرعة:
“ده واحد من الحرس… متبصّش في عينه.”

خفض محمود نظره فورًا، لكنه شعر بأن الكائن توقف للحظة، وكأنه شمّ شيئًا غير مألوف في المكان.

ثم ابتعد.

أخذت ليان نفسًا خفيفًا وقالت:
“إنت هنا لأن الراديو اللي عندك اتفتح في الوقت الغلط. الأجهزة دي مش مجرد أدوات… دي بوابات صغيرة بين العالمين.”

تذكر محمود الراديو على الفور، والضوء الأزرق الذي خرج منه في تلك الليلة. بدأ جزء من الصورة يتضح، لكنه كان أكثر رعبًا مما توقع.

قال: “يعني أنا دخلت بالصدفة؟”

أجابت:
“ولا صدفة ولا حاجة. في حد فتح لك الطريق.”

قبل أن يسأل أكثر، ارتفع صوت عميق في القاعة. لم يكن صوتًا بشريًا، بل كأنه يأتي من كل الجهات في نفس الوقت.

“الاحتفال يبدأ.”

تجمدت الحركة للحظة، ثم بدأ الجميع يتحركون في انسجام غريب، كأنهم جزء من طقس محفوظ منذ قرون لا تنتهي. الموسيقى الغريبة عادت من جديد، لكن هذه المرة كانت أقوى، كأنها تُجبر المكان كله على الرقص.

اقتربت ليان أكثر وقالت بسرعة:
“اسمعني كويس… النهارده مش مجرد عرس. ده عقد سلطة. أنا هتجوز الأمير عشان يتحكموا في العائلات الكبيرة.”

سأل محمود بصدمة:
“وأنتِ موافقة؟”

ضحكت ضحكة قصيرة خالية من أي فرح:
“في عالمنا، الموافقة ساعات بتكون شكل من أشكال الإجبار.”

في تلك اللحظة، انفتح باب كبير في نهاية القاعة.

دخل “الأمير”.

كان حضوره مختلفًا عن الجميع. لم يكن يتحرك بسرعة، لكنه كان يملأ المكان بالكامل. ملامحه جميلة بشكل غير طبيعي، لكن جماله كان يحمل قسوة خفية، كأنها جزء من تكوينه.

توقفت الموسيقى تدريجيًا، وانحنى الجميع له.

همست ليان:
“ده اللي هيتجوزني… اسمه ما يتقالش بصوت عالي هنا.”

نظر الأمير في اتجاه ليان، ثم لاحظ محمود.

توقف.

لم تكن تلك النظرة عابرة. كانت نظرة اكتشاف شيء لا ينبغي أن يكون موجودًا.

قال بصوت هادئ لكنه مخيف:
“فيه إنسان داخل القاعة؟”

ساد صمت مفاجئ.

تحرك الحرس بسرعة نحو محمود، لكن ليان وقفت فجأة بينه وبينهم.

“هو معايا.”

كانت جملة صادمة للجميع.

نظر الأمير إليها ببطء وقال:
“معكِ؟ أم خطأ دخل صدفة؟”

ليان ترددت للحظة، ثم قالت:
“اختياري.”

في تلك اللحظة، تغير الجو في القاعة بالكامل. لم يعد مجرد احتفال، بل تحول إلى توتر ثقيل. كان واضحًا أن هذا الرد لم يكن متوقعًا.

اقترب الأمير خطوة وقال:
“أنتِ تعلمين أن القانون يمنع ارتباطك بعالم البشر.”

ردت ليان:
“وأنت تعلم أنني لا أريد هذا الزواج.”

ارتفعت همهمة بين الحضور، وكأن كلمة “رفض” ليست جزءًا من لغتهم أصلاً.

هنا، شعر محمود أن الوضع خرج عن السيطرة. لكنه لم يكن قادرًا على الهرب، ولا حتى على الحركة بشكل طبيعي. المكان نفسه كان يضغط عليه كأنه يمنعه من التفكير في الخروج.

اقتربت ليان من أذنه وقالت بسرعة:
“لو عايز تخرج… لازم يحصل كسر في العقد.”

سأل بصوت منخفض:
“إزاي؟”

أجابت:
“لازم أنا أرفض قدام الجميع في لحظة الإعلان… بس ده خطر جدًا. ممكن ينهار المكان علينا.”

نظر إليها وقال:
“ولو ما عملتيش كده؟”

صمتت للحظة، ثم قالت:
“هكون ملكة لحد ما أموت… أو أنسى نفسي.”

في تلك اللحظة، بدأ الطقس يتصاعد. الدائرة في منتصف القاعة بدأت تضيء، وكل الحضور وقفوا في تشكيل منتظم.

الصوت العميق عاد من جديد:
“يُعلن الرباط بين ليان… والأمير.”

ضغط الزمن أصبح أثقل.

اقترب الأمير منها ببطء.

وفي لحظة حاسمة، أمسكت ليان يد محمود دون أن تنظر إليه وقالت بصوت واضح لأول مرة:
“أنا أرفض.”

توقف كل شيء.

الصمت كان مفاجئًا لدرجة أن محمود شعر أنه فقد السمع.

ثم… بدأ المكان يهتز.

ليست اهتزازات عادية، بل كأن الواقع نفسه بدأ يتشقق. الجدران تومض، الضوء ينكسر، والأصوات تختلط ببعضها.

صرخ أحد الحراس:
“تم كسر العقد!”

تحول وجه الأمير لأول مرة من الهدوء إلى الغضب.

وقال بصوت منخفض مرعب:
“من لمس القرار دون إذن؟”

في تلك اللحظة، أمسكت ليان يد محمود بقوة وقالت:
“الوقت خلص… لازم نخرج دلوقتي.”

لكن الباب لم يعد موجودًا.

وكان واضحًا أن الخروج من عرس الجن لن يكون بنفس السهولة التي دخلوا بها… بل بثمن لم يُعلن بعد.

الفصل الرابع: انهيار الميثاق وبداية المطاردة داخل عالم الجن

مع لحظة رفض ليان العلني للزواج، لم يكن ما حدث مجرد اعتراض على طقس زفاف، بل كان كسرًا مباشرًا لـ”الميثاق” الذي يقوم عليه عرس الجن كله. في عالمهم، بعض العقود ليست كلمات تُقال… بل قوانين تُبنى عليها طبقات كاملة من الواقع. وعندما تُكسر، لا ينكسر الزواج فقط، بل تتصدع البنية التي تحفظ توازن المكان.

القاعة التي كان يقف فيها محمود عبد العال بدأت تتصرف كشيء فقد توازنه. الجدران التي كانت تبدو ثابتة أصبحت كأنها موجات من دخان مضغوط، تتقدم وتتراجع بلا نظام. النقوش القديمة على السقف بدأت تتحرك بسرعة غير طبيعية، وكأنها تحاول الهروب من شيء لا يُرى.

الصمت الذي أعقب كلمة ليان لم يدم طويلًا.

انفجر المكان بصوت عميق، ليس كصوت انفجار، بل كأن العالم نفسه يئن. الإضاءة تحولت من دفء ذهبي إلى وميض أزرق متقطع، والأرض تحت أقدامهم بدأت تفقد ثباتها.

محمود أمسك يد ليان بقوة دون أن يفكر. لم يعد الأمر متعلقًا بالفضول أو الفهم… بل بالبقاء على قيد الوجود.

قالت ليان بصوت سريع، لكنه هذه المرة فقد هدوءه تمامًا:
“أنا كسرت العقد… دلوقتي هما هيحاولوا يعيدوا كتابته بالقوة.”

سأل محمود وهو يحاول الحفاظ على توازنه:
“يعني إيه؟!”

لم تجب مباشرة، لأن الصوت العميق عاد مرة أخرى، لكن هذه المرة كان أقرب، كأنه يأتي من داخل رؤوسهم:

“من كسر الميثاق… يُعاد ضبطه.”

في نفس اللحظة، بدأ الحرس يتحركون.

لكنهم لم يعودوا يتحركون كأفراد. كانوا يتحركون كجزء واحد، كأنهم كيان واحد متعدد الأجساد. خطواتهم لم تكن على الأرض فقط، بل على الجدران أيضًا، وفي الهواء أحيانًا. لم يكن هناك اتجاه واضح للهجوم… بل إحاطة كاملة.

الأمير كان يقف في الخلف، ينظر بصمت، لكن عينيه كانتا تحملان قرارًا نهائيًا.

قال بصوت منخفض:
“أعيدوا الفتاة… واحذفوا ما رآه الإنسان.”

كلمة “احذفوا” لم تكن مجرد تهديد. كانت تعني شيئًا أسوأ من الموت في عالمهم: محو الذاكرة، الهوية، والصلابة التي تجعل الكائن واعيًا بنفسه.

ليان أمسكت بيد محمود بقوة أكبر وقالت:
“مافيش رجوع دلوقتي. لو انفصلنا… كل حاجة هتنتهي.”

سألها وهو يحاول فهم ما يحدث وسط الفوضى:
“نروح فين؟ مفيش باب!”

نظرت حولها بسرعة، وكأنها تبحث عن شيء لا يراه أحد غيرها، ثم قالت:
“في باب بيظهر بس لما الميثاق بيتكسر… بس بيكون غير مستقر.”

قبل أن يكمل السؤال، بدأت الأرض نفسها تنفتح على شكل شق طويل في منتصف القاعة. لم يكن حفرة، بل فراغ يشبه جرحًا في الواقع، يبتلع الضوء ولا يعكسه.

لكن في نفس الوقت، بدأ الحرس يقتربون بسرعة أكبر.

أحدهم أمسك بذراع محمود، لكن ليان صرخت بصوت حاد لأول مرة:
“لا تلمسه!”

انطلقت موجة خفيفة من الضوء من يدها، دفعت الكائن للخلف، لكن ذلك كشف موقعهم بالكامل.

صرخ أحد الحراس:
“تم تحديد موقع البشري!”

في تلك اللحظة، بدأ الشق في الأرض يتوسع أكثر.

قالت ليان بسرعة:
“ده الباب الوحيد… لو دخلناه هنخرج من هنا، بس مش مضمون نطلع في نفس المكان في القاهرة!”

نظر محمود إلى الفتحة. كانت كأنها لا تؤدي إلى مكان، بل إلى احتمال مجهول.

ثم نظر إلى ليان وقال:
“وأنتِ؟”

ترددت للحظة قصيرة جدًا، ثم قالت:
“لو خرجت لوحدي، هيرجعوا يقبضوا عليّ تاني… ولو خرجت معاك، ممكن ما أعرفش أرجع لعالمي أبدًا.”

لم يرد محمود. لم يكن هناك وقت للشرح أو الجدال.

بدأ الحرس يقتربون من مسافة خطيرة، والأمير رفع يده ببطء، كأنه يعطي أمر النهاية.

قال بصوت هادئ لكنه قاطع:
“انتهى التمرد.”

في نفس اللحظة، انفجر الضوء في القاعة بالكامل.

المكان كله بدأ ينهار، ليس بشكل مادي فقط، بل كأن القوانين التي تحكمه بدأت تتفكك.

ليان أمسكت يد محمود وقالت بسرعة:
“دلوقتي!”

قفز الاثنان نحو الشق في الأرض.

قبل أن يبتلعهما الفراغ، لمح محمود آخر صورة للقاعة: الأمير واقف بلا حركة، ينظر إليهم وكأنه لا يخسر فقط زواجًا… بل شيئًا أكبر بكثير.

ثم ابتلعهم الباب.

وانطفأ كل شيء.

لكن في اللحظة التي خرجوا فيها من عالم الجن… لم يكن واضحًا أنهم عادوا إلى القاهرة.

بل إلى مكان يشبهها، لكنه ليس هو.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top