الفرشاة التي غيّرت قدري

اسمي آدم…
ولو أخبرني أحد قبل أسبوع أن حياتي ستنقلب رأسًا على عقب بسبب فرشاة رسم قديمة وزجاجات حبر مغبرة، لسخرت منه حتى تدمع عيناي.
لكنني الآن أنظر من نافذة قصر يطل على البحر، وأتساءل سؤالًا واحدًا…
هل أنا من امتلك القوة… أم أن القوة هي التي امتلكتني؟
قبل كل هذا كنت مجرد رسام فاشل.
هكذا كان الجميع يصفني، وربما كانوا على حق.
كنت أعيش في شقة صغيرة بالكاد تتسع لسرير ومكتب خشبي مكسور وحامل لوحات فقد أحد أرجله. عندما تهطل الأمطار تتسرب المياه من السقف، وعندما تشتد حرارة الصيف يتحول المكان إلى فرن لا يطاق.
كل صباح أستيقظ على صوت صاحب البناية وهو يطرق الباب مطالبًا بإيجار متأخر، ثم أهرب من مواجهته متظاهرًا بعدم وجودي.
كنت أرسم منذ طفولتي.
لم أطمح يومًا لأن أصبح مشهورًا، كنت أريد فقط أن أعيش من فني.
لكن العالم لا يكافئ الموهبة دائمًا.
عرضت لوحاتي في معارض صغيرة، ونشرت رسوماتي على الإنترنت، وطرقت أبواب شركات التصميم، لكن الرد كان دائمًا واحدًا…
“عمل جميل… لكنه لا يناسبنا.”
كلمات مهذبة تعني ببساطة: أنت لست جيدًا بما يكفي.
في ذلك اليوم لم يكن في ثلاجتي سوى زجاجة ماء باردة ونصف رغيف يابس.
بعت آخر لوحة رسمتها مقابل مبلغ لا يكفي حتى لشراء مستلزمات الرسم الجديدة.
وقفت أمام نافذة شقتي أراقب المدينة.
ناطحات سحاب تلمع تحت الشمس.
سيارات فاخرة.
مطاعم مزدحمة.
أناس يضحكون.
أما أنا فكنت أفكر كيف سأدفع إيجار الشهر القادم.
عندما شعرت بالاختناق خرجت أسير بلا هدف.
كانت الأزقة القديمة مزدحمة بالباعة، وروائح القهوة تمتزج برائحة المطر الذي سقط قبل ساعات.
لا أعرف لماذا دخلت ذلك الزقاق الضيق.
ربما لأنني كنت أبحث عن أي شيء يغير يومي.
أو ربما لأن القدر كان ينتظرني هناك.
في نهاية الزقاق وجدت متجرًا صغيرًا لم أره من قبل.
لا توجد لافتة واضحة.
ولا زبائن.
ولا حتى إضاءة جيدة.
فقط باب خشبي قديم فوقه لوحة باهتة كتب عليها:
“مقتنيات نادرة.”
دفعت الباب فصدر صرير طويل.
كان المكان مليئًا بالتحف القديمة والساعات والكتب والغبار.
وراء الطاولة جلس رجل عجوز ذو لحية بيضاء طويلة.
رفع رأسه ونظر إلي وكأنه كان ينتظر قدومي.
قال بابتسامة غامضة:
“تأخرت.”
تجمدت في مكاني.
قلت مستغربًا:
“هل تعرفني؟”
هز رأسه.
“لا… لكنني أعرف من سيحملها.”
“سيحمل ماذا؟”
لم يجب.
اختفى بين الرفوف، ثم عاد يحمل صندوقًا خشبيًا أسود.
وضعه أمامي بحذر شديد.
فتح الغطاء ببطء.
في الداخل كانت هناك خمس فرش رسم مختلفة الأحجام، وثلاث زجاجات حبر بألوان الأسود والأحمر والأزرق، بالإضافة إلى دفتر رسم جلدي يبدو أقدم من المتجر نفسه.
لم أستطع منع نفسي من لمس الفرشاة.
كانت دافئة…
كأن أحدًا كان يستخدمها قبل لحظات.
سألت العجوز:
“كم سعرها؟”
ذكر رقمًا منخفضًا بشكل لا يصدق.
ظننته يمزح.
قلت:
“هذه تبدو قديمة جدًا… ويمكن بيعها بأضعاف هذا السعر.”
ابتسم.
“قيمتها لا يحددها المال.”
أخرجت آخر ما أملكه من نقود.
دفعت المبلغ.
وقبل أن أغادر قال جملة ما زالت تتردد في رأسي حتى هذه اللحظة:
“إياك أن ترسم شيئًا لا تستطيع تحمل وجوده.”
توقفت.
استدرت نحوه.
لكنه كان ينظر إلى كتاب قديم وكأنه لم يتحدث أصلًا.
خرجت وأنا أضحك.
يا له من رجل غريب.
عدت إلى شقتي مع حلول المساء.
وضعت الأدوات فوق الطاولة.
كانت الفرش ناعمة على نحو غير طبيعي، أما الحبر فكان كثيفًا ولامعًا بطريقة لم أرها من قبل.
فتحت الدفتر.
أوراقه بيضاء تمامًا.
لم تكن هناك أي تعليمات أو كتابات.
قلت في نفسي:
“لنجرّب.”
غمرت الفرشاة في الحبر الأسود.
ورسمت تفاحة.
لم أستغرق أكثر من دقيقة.
رسم بسيط.
بعيد عن الإتقان.
لكن الغريب أن التفاحة بدت واقعية للغاية.
ابتسمت ساخرًا.
ثم أغلقت الدفتر.
وفجأة…
اختفت الرسمة.
نظرت إلى الصفحة.
كانت بيضاء.
قبل أن أفهم ما حدث سمعت صوتًا خفيفًا على الطاولة.
التفت ببطء.
كانت هناك تفاحة حمراء حقيقية تستقر أمامي.
حدقت فيها طويلًا.
لم أصدق.
التقطتها.
شممت رائحتها.
كانت طازجة.
قضمت منها بحذر.
الطعم…
كان حقيقيًا.
ألقيت التفاحة من يدي وقفزت للخلف.
ظللت أحدق فيها دقائق كاملة.
هل أجن؟
هل أحلم؟
قررت أن أجرب مرة أخرى.
هذه المرة رسمت كوب ماء.
اختفت الرسمة.
وبعد ثوانٍ ظهر كوب زجاجي ممتلئ بالماء فوق الطاولة.
بدأت دقات قلبي تتسارع.
رسمت قطعة خبز.
ثم طبقًا من الأرز.
ثم دجاجة مشوية.
وفي كل مرة…
كانت الرسومات تختفي من الورق، وتظهر أمامي كأشياء حقيقية.
ضحكت للمرة الأولى منذ شهور.
ضحكة عالية، مجنونة، مليئة بعدم التصديق.
قضيت الليل كله أرسم الطعام.
أكلت حتى شبعت.
ولم أدفع فلسًا واحدًا.
مع شروق الشمس جلست أحدق في الفرشاة.
لو استطاعت صنع الطعام…
فهل تستطيع صنع أي شيء؟
أحضرت ورقة جديدة.
ترددت.
ثم رسمت رزمة من النقود.
كانت يدي ترتجف.
عندما انتهيت…
اختفت الرسمة كالعادة.
ساد الصمت.
ثم…
سقط شيء ثقيل على المكتب.
رفعت رأسي ببطء.
كانت أمامي رزمة أوراق نقدية حقيقية.
التقطتها وأنا لا أكاد أتنفس.
رائحة الورق.
ملمسه.
الأرقام التسلسلية.
كل شيء كان حقيقيًا.
في تلك اللحظة فقط أدركت أن حياتي القديمة انتهت.
لم أعد الرسام الفقير الذي يطارده الإيجار والجوع.
كنت أقف على أعتاب عالم جديد، عالم يستطيع فيه خط واحد من الفرشاة أن يغير الواقع.
لكنني لم أكن أعلم أن لكل هدية ثمنًا…
لم يمضِ سوى أسبوع على اكتشافي قوة الفرشاة حتى أصبحت حياتي أشبه بحلم.
تحولت شقتي القديمة إلى ذكرى بعيدة، وانتقلت إلى قصر فاخر على أطراف المدينة. السيارات الفاخرة تقف أمام الباب، والحسابات البنكية امتلأت بالأموال التي رسمتها بيدي.
لكنني ارتكبت خطأً قاتلًا…
ظننت أن الثروة يمكن أن تبقى سرًا.
بدأ الأمر برسالة مجهولة.
“نعرف من أنت… ونعرف سر أموالك.”
مزقتها وضحكت.
في اليوم التالي وصلت رسالة أخرى.
“سنراك الليلة.”
عند منتصف الليل انطفأت أنوار القصر بالكامل.
ثم سمعت صوت تحطم الزجاج.
دخل رجال يرتدون ملابس سوداء ويتحركون باحتراف واضح.
لم يسرقوا شيئًا.
بل جلس زعيمهم على مقعدي وكأنه صاحب المنزل.
قال بابتسامة باردة:
“لا نريد أموالك… نريد الشخص الذي يصنعها.”
شعرت ببرودة تسري في جسدي.
لقد عرفوا.
أخبرني أنهم يراقبونني منذ أيام، وأنهم يعلمون أن ثروتي ظهرت فجأة بلا شركات ولا استثمارات.
ثم وضع أمامي حقيبة مليئة بالأوراق.
كانت تحتوي على صور لي وأنا أدخل متجر العجوز، وصور للقصر، وحتى صور لدفتر الرسم.
قال:
“من اليوم ستعمل معنا.”
سألته:
“وإن رفضت؟”
ابتسم.
“ستخسر كل شيء.”
بعد مغادرتهم جلست أمام دفتر الرسم.
لم أكن أفكر في المال.
كنت أفكر في النجاة.
تذكرت كلام العجوز.
“إياك أن ترسم شيئًا لا تستطيع تحمل وجوده.”
ربما لم يكن يقصد الأشياء فقط…
بل القدرات أيضًا.
فتحت صفحة جديدة.
ورسمت رجلًا يجري كالبرق.
اختفت الرسمة.
وفجأة شعرت بحرارة تسري في ساقي.
خرجت إلى الحديقة.
قفزت.
وجدت نفسي أقطع عشرات الأمتار في لحظة.
كنت أسرع من أي إنسان.
لكن بعد ساعة تمامًا…
اختفى كل شيء.
عدت طبيعيًا.
ابتسمت.
إذن القوة لها مدة.
بدأت التجارب.
رسمت عضلات من الضوء.
اكتسبت قوة جسدية هائلة لمدة ساعة.
رسمت عينًا ذهبية.
أصبحت ألاحظ التفاصيل الدقيقة والمسافات البعيدة.
رسمت ظلًا أسود.
صار جسدي يندمج مع الظلال فلا يراني أحد ما دمت ساكنًا.
كل قدرة تدوم ستين دقيقة فقط.
لكن كان يمكنني رسم قدرة جديدة بعد انتهاء السابقة.
بدأت أفهم قواعد اللعبة.
الفرشاة لا تصنع الأشياء فقط…
بل تستطيع إعادة كتابة حدود الجسد نفسه.
بعد ثلاثة أيام عاد رجال العصابة.
لكن هذه المرة لم أكن الرجل نفسه.
قبل وصولهم بعشر دقائق رسمت رمز السرعة.
ثم رسمت درعًا من الطاقة يحيط بجسدي.
وأخيرًا رسمت قدرة الاختباء.
عندما اقتحموا القصر لم يجدوا أحدًا.
بدأوا بتفتيش الغرف.
كنت أقف بينهم دون أن يلاحظني أحد.
استمعت إلى حديثهم.
اكتشفت أن زعيمهم ينوي اختطافي وإجباري على رسم الأموال والأسلحة والذهب حتى نهاية حياتي.
ابتعدت بصمت.
انتظرت اللحظة المناسبة.
عندما انتهت قدرة الاختباء بدأت مرحلة أخرى.
رسمت قبضة عملاقة.
شعرت بقوة هائلة في ذراعي.
لكنني لم أحتج إلى استخدامها كثيرًا.
استخدمت السرعة لإرباكهم، والقوة لتحطيم أسلحتهم، ثم رسمت جدرانًا حجرية ظهرت فجأة داخل القصر، فقسمت أفراد العصابة إلى مجموعات صغيرة.
فقدوا قدرتهم على التنسيق.
حاول زعيمهم الهرب.
لكنني كنت أسرع.
وقفت أمامه قبل أن يصل إلى الباب.
نظر إلي بخوف لأول مرة.
قال:
“ما أنت؟”
ابتسمت.
“رسام.”
بعد ساعات انتهى كل شيء.
اختفت القدرات مع انتهاء الساعة.
لكن العصابة كانت قد انهارت، وفقدت كل ما كانت تعتمد عليه من نفوذ داخل المدينة بعد أن وصلت الأدلة إلى السلطات.
عدت إلى مكتبي.
وضعت الفرشاة فوق الطاولة.
أصبحت أعلم الآن أن حدودها أكبر بكثير مما تخيلت.
يمكنها خلق الأشياء.
ومنح القدرات.
وربما…
تغيير قوانين الواقع نفسها.
لكن سؤالًا واحدًا ظل يطاردني.
إذا كانت هذه الأدوات تمنح كل هذه القوة…
فمن الذي صنعها؟
ولماذا اختارني أنا؟
فتحت الدفتر لأرسم شيئًا جديدًا.
لكنني توقفت.
كانت هناك صفحة لم أرها من قبل.
صفحة سوداء بالكامل.
وفي وسطها ظهرت كلمات لم أكتبها أنا:
“لقد اجتزت الاختبار الأول…”
ثم بدأت الصفحة التالية تفتح من تلقاء نفسها.
وعرفت في تلك اللحظة أن كل ما مررت به لم يكن سوى بداية الطريق.
نهاية الجزء الأول.
اقرء ايضا ……
