الجزء الأول
الفصل الأول: الشقة رقم 12
لم أكن أؤمن يومًا بأن المكان يمكن أن يحمل “شخصية”، أو أن الجدران قد تخفي شيئًا يتجاوز الخرسانة والدهان. كنت أعتبر ذلك مبالغة من محبي قصص الرعب، حتى انتقلت إلى ذلك المبنى القديم في طرف المدينة.
المبنى لم يكن فخمًا، لكنه كان هادئًا بشكل مريب. أربعة طوابق فقط، وممرات ضيقة، وإضاءة صفراء ضعيفة تجعل كل شيء يبدو كأنه عالق بين الحقيقة والخيال.
شقتي كانت رقم 11.
أما الشقة المقابلة مباشرة… فكانت رقم 12.
ومنذ الليلة الأولى، بدأت ألاحظ شيئًا غريبًا:
ضوء الشقة 12 لا ينطفئ أبدًا.
في البداية لم أهتم. ربما شخص يحب السهر، أو يعمل ليلًا، أو يعاني من الأرق. لكن مع مرور الأيام، أصبح الأمر غير منطقي.
الضوء لم يتغير.
نفس الشدة… نفس اللون… نفس الثبات.
حتى في الفجر، عندما تكون المدينة شبه نائمة، كان الضوء هناك مستيقظًا.
وفي كل مرة أنظر فيها، كنت أرى ظلًا واقفًا خلف النافذة.
لا يتحرك.
لا يقترب.
ولا يختفي.
كأنه جزء من الجدار نفسه.
الفصل الثاني : أول خطأ
في الليلة السابعة، قررت أن أقترب.
طرقت باب الشقة 12.
لم يجب أحد.
طرقت مرة أخرى… أقوى.
ثم، فجأة، فتح الباب.
لم يفتح بالكامل… بل انفتح ببطء، كأن الهواء نفسه يدفعه.
وقف أمامي رجل.
متوسط العمر، شاحب الوجه، وعيونه مرهقة بشكل غير طبيعي، كأن النوم بالنسبة له فكرة من عالم آخر.
قلت:
“مساء الخير، أنا جاركم الجديد.”
نظر إليّ بصمت طويل… طويل جدًا لدرجة أنني بدأت أشعر بعدم الارتياح.
ثم قال بصوت منخفض:
“أعرف.”
حاولت كسر التوتر:
“لاحظت أن الضوء عندك دائمًا شغال… هل كل شيء بخير؟”
تغيرت ملامحه فورًا.
ليس خوفًا… بل شيء أقرب إلى الذعر المكبوت.
اقترب خطوة من الباب وقال:
“لا تطفئه.”
سألته:
“لماذا؟”
لم يجب.
ثم قال جملة واحدة فقط:
“لأنه سيأتي.”
وأغلق الباب.
لم أستطع النوم تلك الليلة.
كان هناك شيء في الجدار الفاصل بين الشقتين.
صوت خفيف… خربشة بطيئة، كأن أظافر طويلة تمر فوق الخرسانة من الداخل.
اقتربت من الجدار، وضعت أذني عليه.
توقف الصوت.
ثم… همس خافت جدًا:
“لا تطفئ الضوء…”
تراجعت بسرعة.
قناع المنطق الذي كنت أختبئ خلفه بدأ يتشقق.
الفصل الثالث: الانقطاع
في الليلة العاشرة، حدث ما لم أكن أريده.
انقطع التيار الكهربائي عن المبنى بالكامل.
ظلام.
صمت.
حتى صوت الشارع اختفى كأنه لم يكن موجودًا أصلًا.
لكن الشقة 12…
كانت مضاءة.
لم أفهم كيف.
وفي نفس اللحظة، سمعت طرقًا عنيفًا على بابي.
ثم صوت الجار:
“افتح… لا تطفئ أي شيء!”
فتح الباب كان خطأ، لكنني فعلته.
كان يقف أمامي وهو يلهث، وعيناه مليئتان بشيء يشبه الانهيار.
قال بسرعة:
“لقد بدأ الأمر… لا وقت للتفسير.”
سألته:
“ما الذي بدأ؟”
أشار إلى الجدار.
وهناك رأيت الخدوش.
لكنها لم تكن من الخارج…
بل كأن شيئًا يحاول الخروج من داخل الشقة 12 إلى شقتي.
الفصل الرابع: الاعتراف
جلس على الأرض وكأنه استسلم.
وقال بصوت منخفض:
“منذ سنوات، كنت أعيش هنا وحدي… ثم بدأت ألاحظ أن الظلام ليس فارغًا.”
“كلما أطفأت الضوء، كنت أشعر أن هناك شيئًا يتحرك… يقترب… يتنفس.”
توقف قليلًا.
ثم أكمل:
“ثم جاء أول ظهور له.”
سألته:
“من هو؟”
نظر إليّ وقال:
“لا أعرف اسمه… لكنه يعيش في الظلام بين الجدران.”
في تلك اللحظة، بدأ الضوء يخفت.
ليس في الشقة فقط… بل في كل المبنى.
كأن شيئًا يسحب النور ببطء.
ثم سمعنا الصوت مرة أخرى.
خربشة… أقرب… أسرع… أكثر غضبًا.
الجار وقف فجأة:
“لا تطفئ أي شيء مهما حدث!”
لكن الأضواء بدأت تنطفئ واحدًا تلو الآخر.
ثم جاء الظلام.
ليس مجرد انطفاء كهرباء.
بل شيء أعمق… كأن العالم نفسه أغلق عينيه.
في تلك اللحظة، سمعت صوتًا خلفي مباشرة:
“أخيرًا… انطفأ الضوء.”
لم أستطع الحركة.
لم أستطع الصراخ.
كل شيء كان ينهار بصمت.
ثم عاد الضوء فجأة.
لكن الجار لم يكن موجودًا.
الفصل الخامس: الشقة الفارغة
الشقة 12 كانت مضاءة من جديد.
دخلت بحذر.
فارغة.
لا أثاث… لا حياة… لا أثر لأي شخص.
لكن على الجدار… كانت هناك خدوش جديدة.
وكتابة غير واضحة:
“لا تطفئه أبدًا.”
في اليوم التالي، سألت إدارة المبنى.
نظروا إليّ باستغراب.
ثم قالوا:
“الشقة 12؟ تلك الشقة مغلقة منذ سنوات… بعد حادث قديم.”
سألتهم:
“وأين الجار؟”
صمتوا.
ثم قال أحدهم:
“أي جار؟ لم يكن هناك أحد يسكن هناك منذ البداية.”
الخاتمة
الآن، أعيش وحدي في الشقة 11.
لكنني لم أعد أطفئ الضوء ليلًا.
لأنني أحيانًا… أرى ظلًا خلف النافذة المقابلة.
واقفًا… ينتظر.

Pingback: الجن الذي يحرس المنزل | قصة رعب عربية عن بيت مسكون بالجن -