الساحر الهارب:روايات ما وراء الطبيعة

الفصل الأول: الهروب من الظلام

مستشفى المجانين في قلب الصعيد

في شتاء عام 2005، كانت الرياح الباردة تعبر سهول وقرى صعيد مصر بصوت يشبه الهمس القادم من عالم آخر. على أطراف إحدى القرى النائية بمحافظة أسيوط، وقف مبنى قديم تحيط به الأسوار العالية وأشجار السنط اليابسة. كان المبنى معروفًا بين الأهالي باسم “المستشفى القديم”، رغم أن اسمه الرسمي كان مستشفى الأمراض النفسية والعصبية.

لكن أهل المنطقة لم يكونوا يطلقون عليه هذا الاسم.

كانوا يسمونه: بيت الأشباح.

منذ سنوات طويلة انتشرت حوله قصص غريبة. بعض المرضى كانوا يصرخون ليلًا بأسماء لا يعرفها أحد، وآخرون كانوا يتحدثون عن رجال من نار يقفون عند النوافذ. أما العاملون فيه فكانوا يرفضون البقاء بعد منتصف الليل مهما كان السبب.

وفي أحد الأجنحة المعزولة داخل المبنى، كان يقيم رجل اسمه “منصور العريان”.

كان عمره يقترب من الخمسين، طويل القامة، نحيف الوجه، وله عينان سوداوان حادتان تثيران القلق لدى كل من ينظر إليهما.

لكن منصور لم يكن مريضًا عاديًا.

بل كان ساحرًا.

سر الساحر الذي أخاف الجميع

قبل دخوله المستشفى بثماني سنوات، كان اسم منصور يتردد في قرى كثيرة من الصعيد. البعض كان يصفه بالشيخ المعالج، والبعض الآخر كان يؤكد أنه يتعامل مع الجن والسحر الأسود.

لم يكن أحد يعرف الحقيقة كاملة.

لكن المؤكد أن عشرات الناس كانوا يزورونه طلبًا للعلاج أو لفك الأعمال أو حتى لتحقيق رغباتهم.

ومع مرور السنوات، بدأت الحكايات تتكاثر حوله.

رجل يقول إنه رأى ظلًا أسود يخرج من غرفة منصور.

وامرأة تؤكد أنها سمعت أصواتًا غريبة تتحدث بلغات غير مفهومة أثناء إحدى الجلسات.

وشاب أقسم أنه شاهد نارًا زرقاء تشتعل في الهواء دون أي سبب.

في البداية اعتبر الجميع هذه القصص مجرد خرافات.

إلى أن وقعت الحادثة التي غيّرت كل شيء.

في إحدى الليالي اختفى ثلاثة أشخاص كانوا يعملون مع منصور.

اختفوا دون أثر.

لم تعثر الشرطة على دليل واضح، لكن الشبهات كلها اتجهت نحوه.

وعندما داهموا منزله، وجدوه جالسًا وسط دائرة مرسومة على الأرض بالفحم والرماد.

كان يضحك وحده.

ومنذ ذلك اليوم أُدخل إلى المستشفى النفسي باعتباره شخصًا فاقدًا للاتزان العقلي.

لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.

الزائر الذي لا يراه أحد

في جناحه المنعزل كان منصور يقضي أغلب وقته صامتًا.

الأطباء اعتقدوا أنه استسلم.

لكنهم لم يكونوا يعلمون أنه لم يتوقف يومًا عن ممارسة السحر.

كل ليلة، بعد أن ينام الجميع، كان يجلس في زاوية الغرفة ويهمس بكلمات قديمة لا تنتمي لأي لغة معروفة.

ثم ينتظر.

وفي كل مرة تقريبًا، كانت درجة حرارة الغرفة تنخفض بشكل مفاجئ.

ثم يظهر الزائر.

لم يكن إنسانًا.

ولم يكن شبحًا.

بل كان أحد الجن الذين ارتبطوا به منذ سنوات طويلة.

كان يظهر ككتلة سوداء تتشكل تدريجيًا حتى تأخذ هيئة رجل طويل بوجه غير واضح.

في تلك الليلة من شهر يناير 2005، جلس منصور على سريره الحديدي وهو ينظر نحو الظلام.

وبعد دقائق بدأ الهواء يتحرك وحده.

ثم ظهر الظل.

قال الكيان بصوت عميق:

“اقترب الموعد.”

ابتسم منصور لأول مرة منذ أيام.

وقال:

“هل أصبح الطريق مفتوحًا؟”

أجاب الظل:

“الحراس ضعفوا… والبوابة بدأت تستجيب.”

أغلق منصور عينيه للحظات.

كان ينتظر هذه اللحظة منذ سنوات.

خطة الهروب المستحيلة

كانت المستشفى محاطة بحراسة مشددة.

أبواب حديدية.

كاميرات مراقبة.

وحراس ينتشرون في الممرات طوال الليل.

الهروب منها بدا مستحيلًا.

لكن منصور لم يكن يعتمد على الطرق العادية.

كان يعتمد على شيء آخر.

شيء لا يستطيع الحراس رؤيته.

خلال الأشهر السابقة، كان يكرر طقوسًا سرية صغيرة كل ليلة.

علامات على الجدران.

كلمات همس بها في أوقات محددة.

وقطع صغيرة من الفحم أخفاها تحت سريره.

كل ذلك لم يكن عشوائيًا.

بل كان جزءًا من عمل سحري ضخم استغرق سنوات لإعداده.

قال الكيان الأسود:

“عند منتصف الليل بالضبط ستنطفئ الأنوار.”

سأل منصور:

“والبوابة؟”

رد الظل:

“ستفتح لدقيقة واحدة فقط.”

ابتسم الساحر.

كان يعرف أن دقيقة واحدة تكفي.

بداية الفوضى

عندما اقتربت الساعة من الثانية عشرة ليلًا، كانت المستشفى هادئة بشكل غير معتاد.

الأطباء في مكاتبهم.

الحراس يتابعون الشاشات.

والمرضى نائمون.

لكن فجأة انقطعت الكهرباء بالكامل.

غرقت الممرات في الظلام.

تعالت أصوات الصراخ من بعض الغرف.

وركض الحراس في كل اتجاه.

في غرفة منصور، كان الظلام أكثر كثافة من أي مكان آخر.

وقف الساحر في منتصف الغرفة.

رفع يديه ببطء.

ثم نطق بكلمات غامضة.

في اللحظة التالية اهتز الباب الحديدي.

مرة.

ثم مرتين.

ثم انفتح وحده.

في الخارج كان الممر فارغًا.

لكن شيئًا آخر كان يتحرك في الظلال.

أشكال سوداء سريعة لا يراها إلا من يعرف حقيقتها.

كانت الجن التي استدعاها منصور لتنفيذ الهروب.

الطريق نحو الحرية

خرج منصور من الغرفة لأول مرة منذ سنوات.

خطواته كانت هادئة وثابتة.

وكأنه يعرف كل تفصيلة ستحدث قبل وقوعها.

في نهاية الممر ظهر أحد الحراس.

رفع المصباح اليدوي نحو الساحر.

تجمد في مكانه.

ليس خوفًا فقط.

بل لأن جسده فقد القدرة على الحركة.

كان ينظر إلى شيء يقف خلف منصور.

شيء لم يستطع عقله استيعابه.

ثم سقط مغشيًا عليه.

واصل منصور السير دون أن يلتفت.

وصل إلى الباب الرئيسي.

وكان مغلقًا كالمعتاد.

لكن الكيان الأسود ظهر بجانبه من جديد.

مد يده نحو القفل.

فبدأ الحديد يصدأ ويتآكل بسرعة غير طبيعية.

وبعد ثوانٍ انفتح الباب.

لأول مرة منذ ثماني سنوات، أصبح منصور خارج أسوار المستشفى.

السر المدفون في الجبل

وقف الساحر أمام الصحراء الممتدة تحت ضوء القمر.

استنشق الهواء البارد ببطء.

ثم ابتسم.

لم يكن هروبه هو الهدف الحقيقي.

بل كان مجرد البداية.

في أعماق أحد جبال الصعيد، كان هناك سر قديم دفنه قبل سنوات طويلة.

سر مرتبط بعهد أبرمه مع عالم الجن.

وسر أخطر من كل أعمال السحر التي مارسها في حياته.

قال الكيان الأسود:

“هل ستعود إلى الجبل؟”

رفع منصور رأسه نحو الأفق.

ثم قال بصوت منخفض:

“حان وقت استعادة ما يخصني.”

لكن ما لم يكن يعرفه هو أن هناك شخصًا آخر بدأ يبحث عنه في نفس اللحظة.

شخص سيقلب كل خططه رأسًا على عقب.

وشخص يحمل سرًا أخطر من السحر نفسه.

الفصل الثاني: الطريق إلى جبل الأرواح

خبر الهروب الذي أرعب الصعيد

مع شروق شمس اليوم التالي، انتشر خبر هروب منصور العريان من المستشفى النفسي بسرعة في قرى ومراكز الصعيد. في البداية ظن الناس أنها إشاعة مثل عشرات الإشاعات التي تتناقلها المجالس الشعبية، لكن عندما وصلت سيارات الشرطة إلى المستشفى وبدأت التحقيقات، أدرك الجميع أن الأمر حقيقي.

في المقاهي الصغيرة، وتحت ظلال الأشجار، وعلى أبواب المنازل الطينية القديمة، لم يكن هناك حديث سوى عن الساحر الهارب.

بعض كبار السن تذكروا اسمه فورًا.

قال أحدهم:

“أنا فاكر الراجل ده… كان الناس تيجي له من محافظات تانية.”

ورد آخر بصوت منخفض:

“ربنا يستر… لما الراجل ده كان حر، حصلت مصايب كتير.”

أما الشباب الأصغر سنًا فلم يكونوا يعرفون عنه الكثير، لكن القصص بدأت تنتشر بسرعة. حكايات عن جن يخدمه، وأبواب تُفتح في منتصف الليل، وأشخاص اختفوا دون أثر.

في هذه الأثناء، كان منصور قد ابتعد عشرات الكيلومترات عن المستشفى.

لم يكن يسير على الطرق الرئيسية.

بل اختار مسارات قديمة يعرفها جيدًا بين الحقول والصحراء والجبال.

وكان وجهته واضحة منذ البداية:

جبل يعرفه أهل المنطقة باسم جبل الأرواح.

الرجل الذي بدأ المطاردة

في مركز شرطة قريب من إحدى قرى أسيوط، جلس ضابط شاب يدعى “عمر الشاذلي” يقرأ ملفًا قديمًا وصل إليه صباحًا.

كان عمر في الخامسة والثلاثين من عمره، معروفًا بين زملائه بأنه شخص لا يؤمن بالخرافات بسهولة.

فتح الملف.

وفي الصفحة الأولى ظهر اسم:

منصور العريان

بدأ يقرأ تفاصيل القضايا القديمة المرتبطة به.

اختفاءات غامضة.

بلاغات عن أعمال سحر.

شهادات متضاربة.

وأحداث لم تجد لها الشرطة تفسيرًا منطقيًا.

أغلق الملف للحظة وقال:

“أكيد فيه تفسير طبيعي لكل ده.”

لكن أحد الضباط الأكبر سنًا نظر إليه وقال:

“أتمنى يكون كلامك صح.”

رفع عمر حاجبه مستغربًا.

فأضاف الرجل:

“أنا كنت موجود وقت القبض عليه سنة سبعة وتسعين.”

سأله عمر:

“وشفت إيه؟”

ساد الصمت لثوانٍ.

ثم قال الضابط القديم:

“شفت حاجات لحد النهارده مش قادر أفسرها.”

ابتسم عمر باستهزاء خفيف.

لكنه في أعماقه شعر بعدم الارتياح.

رحلة الساحر عبر الصحراء

في الوقت نفسه، كان منصور يواصل رحلته.

الشمس بدأت تميل نحو الغروب عندما وصل إلى منطقة صحراوية قاحلة تحيط بها تلال صخرية سوداء.

كان المكان مهجورًا تمامًا.

حتى الطيور لم تكن تحلق فوقه.

وقف الساحر للحظات.

ثم رسم دائرة صغيرة على الرمال بعصاه الخشبية.

وهمس بكلمات قديمة.

فجأة هبت ريح قوية.

وتحركت الرمال داخل الدائرة وكأن شيئًا يخرج من باطن الأرض.

بعد ثوانٍ ظهر الكيان الأسود من جديد.

قال بصوته العميق:

“اقتربنا.”

سأل منصور:

“هل ما زالت الحراسة موجودة؟”

أجاب الكيان:

“منذ ثماني سنوات لم يقترب أحد من المكان.”

ابتسم الساحر.

لكنه لم يكن يعرف أن هذا الكلام لم يعد صحيحًا.

أسطورة جبل الأرواح

كان جبل الأرواح واحدًا من أكثر الأماكن غموضًا في المنطقة.

لم يظهر اسمه على الخرائط الرسمية.

لكن أهل القرى يعرفونه جيدًا.

وكانوا يتجنبون الاقتراب منه بعد غروب الشمس.

تقول الحكايات القديمة إن الجبل يحتوي على كهوف عميقة تعود إلى مئات السنين.

ويقال إن بعض السحرة استخدموها لإخفاء أسرارهم.

بينما تزعم روايات أخرى أن الجبل يحتوي على بوابة تربط عالم البشر بعالم الجن.

ومع مرور الزمن تحولت القصص إلى أساطير.

لكن بالنسبة لمنصور، لم تكن أساطير.

بل كانت حقائق.

لأنه بنفسه أخفى هناك شيئًا لا يقدر بثمن.

شيئًا انتظر ثماني سنوات ليعود إليه.

الكهف المخفي

مع حلول الليل، وصل منصور إلى سفح الجبل.

القمر كان مكتملًا تقريبًا، مما جعل الصخور تبدو كأنها أشباح واقفة في الظلام.

بدأ يتسلق ببطء.

وكان يعرف الطريق جيدًا رغم مرور السنوات.

بعد ساعة تقريبًا وصل إلى فجوة ضيقة بين صخرتين عملاقتين.

أي شخص عادي سيمر بجوارها دون أن يلاحظها.

لكنها كانت المدخل.

توقف الساحر أمام الفتحة.

ثم وضع يده على الصخر.

وهمس باسم غريب.

في البداية لم يحدث شيء.

ثم بدأ الجدار الصخري يهتز ببطء.

وانفتح ممر مظلم في قلب الجبل.

ابتسم منصور.

وقال:

“أخيرًا.”

المفاجأة داخل الكهف

دخل الكهف بحذر.

كان يتوقع أن يجده كما تركه قبل سنوات.

لكن بعد خطوات قليلة توقف فجأة.

هناك شيء غير طبيعي.

أحد المشاعل القديمة كان مشتعلًا.

تجمد في مكانه.

هذا مستحيل.

فهو الوحيد الذي يعرف هذا المكان.

تقدم أكثر.

ثم رأى آثار أقدام حديثة على الأرض.

لم تكن موجودة عندما أخفى سره.

شعر لأول مرة منذ سنوات بقلق حقيقي.

قال الكيان الأسود:

“لسنا وحدنا هنا.”

ارتفعت ملامح الغضب على وجه منصور.

أخرج من جيبه قطعة معدنية قديمة تشبه المفتاح.

ثم أسرع داخل الممر.

كل خطوة كانت تقوده أعمق في قلب الجبل.

حتى وصل إلى قاعة حجرية ضخمة.

وهناك…

توقف فجأة.

الصندوق الحجري الذي أخفى فيه سره قبل ثماني سنوات كان مفتوحًا.

وفارغًا.

ظهور العدو المجهول

نظر منصور إلى الصندوق غير مصدق.

ثم انحنى ليتأكد بنفسه.

لا شيء.

الشيء الذي خاطر بحياته من أجله اختفى.

ارتجفت أصابعه من شدة الغضب.

وسأل الكيان الأسود:

“من أخذها؟”

لكن هذه المرة لم يملك الجن الإجابة.

وفجأة سمع صوت تصفيق بطيء يتردد داخل القاعة.

استدار بسرعة.

وفي نهاية الظلام ظهر رجل مجهول.

كان يرتدي جلبابًا أسود طويلًا.

ووجهه مخفي تحت غطاء كثيف.

قال الرجل بصوت هادئ:

“تأخرت كثيرًا يا منصور.”

اشتعلت عينا الساحر بالغضب.

وسأل:

“من أنت؟”

ضحك الغريب.

ثم قال:

“أنا الشخص الذي انتظر غيابك ثماني سنوات كاملة.”

وسحب من تحت عباءته شيئًا جعل وجه منصور يتغير لأول مرة.

كان يحمل السر الذي جاء من أجله.

لكن ما كان يحمله أخطر بكثير مما توقع.

الفصل الثالث: كتاب العهد الأسود

السر الذي خرج من الظلام

وقف منصور العريان في منتصف القاعة الحجرية داخل جبل الأرواح، وعيناه مثبتتان على الشيء الذي يحمله الرجل الغامض.

لم يكن صندوقًا من الذهب.

ولم يكن كنزًا أثريًا كما قد يتخيل أي شخص.

بل كان كتابًا قديمًا ضخمًا، مغلفًا بجلد أسود متشقق، ومزينًا برموز غريبة محفورة بلون يشبه الدم اليابس.

في اللحظة التي وقع فيها نظر منصور على الكتاب، شعر بشيء يشبه الصدمة.

هذا هو ما أخفاه قبل ثماني سنوات.

هذا هو السبب الحقيقي وراء كل ما حدث.

وهذا هو السر الذي خاطر بحياته من أجله.

قال بصوت منخفض مليء بالغضب:

“أعده إليّ.”

ضحك الرجل الغامض بهدوء.

ثم مرر يده على غلاف الكتاب وقال:

“إذن ما سمعته كان صحيحًا… هذا الكتاب مهم جدًا بالنسبة لك.”

أجاب منصور:

“أنت لا تعرف ما الذي تحمله.”

رفع الرجل رأسه قليلًا.

وقال:

“بل أعرف أكثر مما تظن.”

كتاب العهد الأسود

قبل أكثر من عشرين عامًا، عندما كان منصور لا يزال شابًا يتعلم السحر على يد أحد المشعوذين المعروفين في الصعيد، سمع لأول مرة عن أسطورة تسمى:

العهد الأسود.

كانت الأسطورة تتحدث عن كتاب قديم يحتوي على طقوس محرمة وتعويذات منسية، يُقال إنها تسمح لصاحبها بعقد اتفاقات مع جن أقوياء جدًا.

لكن الثمن كان دائمًا باهظًا.

كل من استخدم الكتاب خسر شيئًا من حياته.

بعضهم فقد عقله.

وبعضهم فقد عائلته.

وآخرون اختفوا دون أثر.

ورغم ذلك، ظل الكتاب مطمعًا لكل ساحر يبحث عن القوة.

وبعد سنوات طويلة من البحث، تمكن منصور من العثور عليه.

لكن بدلاً من استخدامه بالكامل، أخفاه داخل الجبل.

لأنه اكتشف حقيقة أخطر مما توقع.

الحقيقة التي أخفاها الجميع

نظر الرجل الغامض إلى منصور وقال:

“أنت لم تخف الكتاب خوفًا عليه… بل خوفًا منه.”

ساد الصمت.

حتى الكيان الأسود الذي يرافق منصور لم يتحرك.

ثم قال الساحر:

“من أخبرك بذلك؟”

رد الغريب:

“الكتاب نفسه.”

تجمد منصور في مكانه.

لأول مرة منذ سنوات، شعر بالخوف الحقيقي.

لم يكن الكتاب مجرد مجموعة أوراق قديمة.

كان يحمل شيئًا آخر.

شيئًا حيًا.

شيئًا يسكن بين صفحاته.

قال الرجل:

“كنت أظن أن الأساطير مبالغ فيها… لكن بعد أن فتحته فهمت السبب.”

ثم أضاف:

“هناك شيء محبوس داخله.”

ظهور أول علامة

فجأة بدأت صفحات الكتاب تتحرك وحدها.

هبّت ريح باردة داخل القاعة رغم عدم وجود أي منفذ للهواء.

وتحولت الظلال على الجدران إلى أشكال متعرجة غريبة.

تراجع الرجل الغامض خطوة للخلف.

حتى هو بدا منزعجًا.

أما منصور فقد عرف ما يحدث.

قال بصوت مرتجف:

“أغلقه فورًا.”

لكن الأوان كان قد فات.

انفتح الكتاب على صفحة في منتصفه.

وبدأت الكلمات القديمة تضيء بلون أحمر قاتم.

ثم ظهر صوت.

لم يكن صوت رجل.

ولا امرأة.

بل شيء آخر.

شيء أقدم بكثير.

قال الصوت:

“من أيقظ العهد؟”

في اللحظة نفسها انخفضت درجة الحرارة بشكل حاد.

وتجمد الهواء داخل القاعة.

المطارد يقترب

في الخارج، كان الضابط عمر الشاذلي يقترب من الجبل.

بعد ساعات من جمع المعلومات وتتبع الآثار، وصل إلى المنطقة التي اختفى فيها منصور.

لم يكن وحده.

كان معه ثلاثة من رجال الشرطة.

لكن كلما اقتربوا من الجبل، بدأ الشعور بالقلق يزداد.

قال أحد الجنود:

“يا باشا… المكان ده مش مريح.”

نظر عمر إلى الصخور السوداء المنتشرة حولهم.

وقال:

“المجرمين بيحبوا الأماكن اللي تخوف الناس.”

لكن الحقيقة أنه هو نفسه بدأ يشعر بأن هناك شيئًا غير طبيعي.

كل شيء كان هادئًا أكثر من اللازم.

لا طيور.

لا حيوانات.

حتى الرياح كانت صامتة.

ثم لمح آثار أقدام تقود إلى أعلى الجبل.

فقال:

“هو هنا.”

الكيان داخل الكتاب

في القاعة الحجرية، كانت الأمور تزداد سوءًا.

بدأت الصفحات تتقلب بسرعة كبيرة.

والضوء الأحمر يزداد قوة.

أما الكيان الأسود المرافق لمنصور فقد بدا مضطربًا.

قال بصوت خافت:

“يجب أن نغادر.”

نظر إليه منصور بصدمة.

لم يحدث من قبل أن سمع أحد الجن يقول ذلك.

سأل:

“لماذا؟”

أجاب الكيان:

“الذي في الكتاب ليس من عالمنا.”

ساد صمت ثقيل.

ثم عاد الصوت الغامض يتردد داخل القاعة:

“من يحمل العهد… يفتح الباب.”

فجأة ظهرت شقوق حمراء في أرضية الكهف.

وامتدت مثل جذور متوهجة في كل الاتجاهات.

بدأ الجبل كله يهتز.

وتساقطت الحجارة من السقف.

صرخ الرجل الغامض:

“ماذا يحدث؟!”

لكن منصور كان يعرف الإجابة.

لقد اقترب شيء كان محبوسًا لعقود طويلة.

مواجهة بين الساحرين

رفع منصور يده نحو الرجل المقنع.

وقال بغضب:

“أعطني الكتاب.”

أجابه الغريب:

“لن أسلمه لك.”

ثم أخرج من تحت عباءته خنجرًا نحاسيًا محفورًا برموز قديمة.

تراجع الكيان الأسود فور رؤيته.

وهنا فهم منصور أن خصمه ليس رجلًا عاديًا.

بل شخص يعرف الكثير عن السحر أيضًا.

قال منصور:

“من أنت؟”

أزال الرجل غطاء وجهه أخيرًا.

فانكشف وجه في الأربعينيات من عمره، وعليه آثار حروق قديمة.

ثم قال:

“اسمي فؤاد.”

توقف منصور فجأة.

كان يعرف الاسم.

بل ظن أن صاحبه مات منذ سنوات.

الصدمة الكبرى

فؤاد كان أحد تلاميذ المعلم الذي تعلم منه منصور السحر في شبابه.

وكان الجميع يعتقد أنه قُتل أثناء تجربة سحرية فاشلة.

لكن ها هو يقف أمامه حيًا.

قال فؤاد:

“تركتني للموت وهربت.”

رد منصور:

“كنت أظنك انتهيت.”

ضحك فؤاد.

وقال:

“لكنني عدت… وعدت لأخذ ما كنت تخفيه.”

وقبل أن يتمكن أي منهما من فعل شيء، دوى صوت هائل داخل الجبل.

ثم انشقت أرضية القاعة بالكامل.

وخرج من الشق نور أحمر كثيف.

نور لم يكن يشبه أي شيء بشري.

عندها أدرك الجميع أن المشكلة لم تعد الكتاب.

ولا الانتقام.

ولا حتى السحر.

بل الكيان الذي بدأ يستيقظ خلف بوابة العهد الأسود.

نهاية الجزء الاول

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top