الرحلة إلى الصعيد

قصص ما وراء الطبيعة : عالم الجن والسحر الجزء الاؤل
جلست في العتمة، لا أجرؤ على الحركة، وصوت الأنفاس البطيئة يتردد في أذني من زاوية الغرفة الخالية. مرت ثوانٍ طويلة كالساعات، ثم توقف الصوت فجأة، كأن شيئًا ما قرر أنه أوصل رسالته وانصرف. مددت يدي المرتجفة نحو مفتاح الإضاءة، وحين عاد النور، لم أجد شيئًا. لا أثر، لا رائحة غريبة، فقط الهواء البارد المعتاد الذي بدأت أربطه بكل ما يحدث حولي منذ زيارتي لمنصور.
في صباح اليوم التالي، اتصلت بي زميلة في الجريدة، اسمها هدى، محررة قسم المجتمع، تعرف طبيعة تحقيقاتي وتتابعها بحماس. قالت لي بصوت متحمس: “مصطفى، وجدت شيئًا قد يهمك. أحد أقدم عمال مصانع الجوهري كان يتحدث في مقهى بالصعيد، وذكر اسم منصور بشكل غريب، وكأنه يعرف قصته من قبل أن يصبح مليونيرًا.”
سألتها من أين حصلت على هذه المعلومة، فأخبرتني أنها كانت تجري تحقيقًا آخر عن أوضاع العمال في مصانع كبار رجال الأعمال، وسمعت هذا الحديث بالصدفة. عرضت عليّ أن تشاركني الرحلة إلى قرية منصور الأصلية في محافظة سوهاج، وقبلت الفكرة فورًا، مدركًا أن وجود شخص آخر معي قد يكون ضروريًا، خصوصًا بعد ما حدث الليلة الماضية.
استقلينا القطار صباح اليوم التالي، وخلال الرحلة الطويلة، حدثتني هدى عن شكوكها الخاصة، قائلة: “أعرف أنك تحقق في قضية فساد تجاري، لكن كلامك عن ظلال وأصوات يجعلني أشك أن الأمر أكبر من ذلك.”
ابتسمت بمرارة وقلت: “بصراحة، حتى أنا لا أعرف حجم ما دخلت فيه. لكن كل دليل يقودني إلى نفس النتيجة: منصور ليس مجرد رجل أعمال فاسد، بل شخص عقد صفقة مع شيء لا أفهمه.”
وصلنا إلى القرية الصغيرة عند غروب الشمس، وسألنا عن العجوز الذي كان يعمل نجارًا مع منصور قبل عشرين عامًا. أرشدنا أحد الأطفال إلى بيت طيني متواضع على أطراف القرية، حيث وجدنا الحاج راغب، رجلاً في الثمانينيات، عيناه ضعيفتان لكن ذهنه حاضر تمامًا.
حين ذكرت اسم منصور، صمت الحاج راغب طويلاً، ثم قال بصوت متعب: “كان منصور شابًا طيب القلب، فقيرًا، يعمل معي في ورشة النجارة. لكنه كان يحلم دائمًا بالثراء السريع، وكان هذا حلمه المدمر.”
سألته عن السفر الذي غيّر منصور، فحكى لنا: “ذهب إلى الواحات، إلى منطقة معزولة يقال إنها مكان لقاء السحرة القدامى، بعد أن سمع عن رجل يُدعى ‘الشيخ برهوم’، يستطيع تحقيق أي طلب مقابل ثمن. غاب منصور سنة كاملة، وعاد رجلاً آخر، ثريًا، لكن عينيه لم تعودا كما كانتا. كان هناك برود فيهما، كأن شيئًا سُلب منه واستُبدل بشيء آخر.”
سألته هدى: “هل تعرف طبيعة هذا الثمن الذي دفعه؟”
هز الحاج راغب رأسه بحزن وقال: “يُقال إن الشيخ برهوم يطلب من كل من يأتيه أن يقدم ‘قربانًا’ مستمرًا، ليس لمرة واحدة. القوة التي يمنحها ليست هبة، بل عقد مستمر، والتابع الذي يحصل عليه الساحر يحتاج إلى تغذية دائمة من الألم والخوف الذي يسببه لضحاياه. كل من يعارض منصور ويتألم بسببه، هو في الحقيقة وجبة لذلك الكائن.”
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي بالكامل. هذا يعني أن دافع منصور لم يكن فقط جمع الثروة أو الانتقام، بل ضرورة مستمرة لإرضاء الكائن الذي يخدمه، وإلا فقد الثمن نفسه سيُطلب منه شخصيًا.
سألت الحاج راغب سؤالي الأخير: “هل تعرف أين يمكن أن أجد هذا الشيخ برهوم؟”
نظر إليّ بعينين حزينتين وقال: “الشيخ برهوم مات منذ سنوات، يا ابني. لكن هذا لا يعني أن الكائن الذي يخدم منصور قد مات معه. تلك الكائنات لا تموت بموت من استدعاها، بل تبحث عن سيد جديد، أو تستمر في خدمة من ارتبطت به إن كان العقد قد اكتمل.”
في طريق عودتنا إلى القطار، كانت هدى صامتة تمامًا، غارقة في التفكير. قالت أخيرًا: “مصطفى، أنا لست خبيرة في هذه الأمور، لكن ما سمعناه اليوم يجعلني أفهم شيئًا: منصور ليس الشرير الحقيقي في هذه القصة بقدر ما هو ضحية اختار طريقه بنفسه. الشرير الحقيقي هو ذلك الكائن الذي لا اسم واضح له.”
وافقتها الرأي، لكن جزءًا مني كان يفكر في شيء آخر: إن كان منصور ضحية اختار طريقه، فهل يمكن أن يُقنع بالتراجع؟ أم أن العقد الذي وقعه لا رجعة فيه؟
في القطار العائد، وأنا أنظر من النافذة إلى الظلام الذي يلف الحقول الممتدة، رن هاتفي برسالة نصية من رقم مجهول، لا اسم ولا صورة، فقط جملة واحدة:
“توقف عن البحث، أو ستدفع هدى الثمن الذي دفعه الحاج كمال.”
نظرت إلى هدى الجالسة أمامي، غارقة في نومها بعد يوم طويل، ولم أستطع أن أخبرها بما وصلني للتو. شعرت في تلك اللحظة أن اللعبة تغيرت تمامًا: لم يعد الأمر يتعلق بي وحدي، بل بكل من يقترب مني في هذا التحقيق.
قررت في تلك اللحظة أنني لن أتراجع، لكنني أيضًا لن أسمح لهدى بالبقاء قريبة من هذا الخطر أكثر من اللازم. كان عليّ أن أجد طريقة لحماية من حولي، وفي الوقت نفسه أن أكمل الطريق نحو مواجهة لا مفر منها مع منصور الجوهري، والكائن الذي يقف خلفه في الظلام.
المواجهة
لم أنم في القطار، ولم أنم بعد وصولنا إلى القاهرة. جلست في شقتي أحدق في الرسالة التهديدية على شاشة هاتفي، أقرأها مرارًا وتكرارًا: “توقف عن البحث، أو ستدفع هدى الثمن الذي دفعه الحاج كمال.” كل خيار كان يبدو خاطئًا: إن أخبرت هدى، قد تتوقف عن مساعدتي، لكنها ستبقى في خطر لأنها الآن معروفة لمنصور. وإن لم أخبرها، فأنا أعرضها لخطر لا تعرف طبيعته.
في النهاية، قررت أن أواجه المصدر الحقيقي للتهديد مباشرة: منصور نفسه. لم يكن قرارًا حكيمًا بالمعايير العادية، لكنني شعرت أن الانتظار سيزيد الأمر سوءًا فقط. اتصلت بمكتبه صباح اليوم التالي، وطلبت موعدًا عاجلًا، وبشكل مثير للاستغراب، وافق مساعده فورًا، كأن منصور كان يتوقع اتصالي، أو ربما كان يريده.
هذه المرة، لم أُستقبل في الصالة الفخمة، بل أُرشدت إلى مكتبه الخاص في الطابق العلوي من القصر، غرفة أصغر، مظلمة، تنبعث منها رائحة بخور غريبة تشبه رائحة العنبر المحترق. كان منصور يجلس خلف مكتب خشبي قديم، ووجهه هذه المرة يحمل تعبيرًا مختلفًا عن ثقته السابقة: كان متعبًا، بل خائفًا، رغم محاولته إخفاء ذلك.
قلت له مباشرة، دون مجاملات: “أنت من أرسل التهديد لهدى، أم أن الأمر خارج عن سيطرتك تمامًا الآن؟”
نظر إليّ لحظة طويلة، ثم قال بصوت منخفض: “لم أُرسل شيئًا يا مصطفى. لكنني أعرف من فعل ذلك، وأخشى أنك تفهم الآن مدى خطورة ما تلاحقه.”
سألته: “هل تعني أن الكائن الذي يخدمك بدأ يتحرك بمفرده؟”
صمت منصور طويلاً، ثم فاجأني بشيء لم أتوقعه: نهض من مقعده وأغلق الباب، ثم جلس أمامي مباشرة، وقال بصوت يكاد يكون توسلًا: “اسمع يا مصطفى. أنا لست الشرير الذي تتخيله. عندما ذهبت للشيخ برهوم منذ عشرين عامًا، كنت شابًا يائسًا، أريد الهروب من فقر يخنقني. أعطاني القوة، لكنه لم يخبرني بالثمن الحقيقي: أن الكائن الذي أرسله معي، ويُدعى ‘زوبار’، لا يخدمني لأنني سيده، بل لأنني وسيلته لجمع ما يحتاجه: الألم والخوف.”
سألته: “ولماذا لا تتوقف الآن؟ لماذا تستمر في إيذاء الناس؟”
ضحك ضحكة مريرة وقال: “توقفت مرة، منذ خمس سنوات. حاولت أن أعيش حياة عادية، أن أكون رجل أعمال شريفًا فقط. في ذلك الشهر، مرضت ابنتي الصغيرة مرضًا لا يفسره الطب، ولم تُشفَ حتى عدت لإطعام زوبار بضحية جديدة. فهمت الرسالة: العقد لا ينتهي، والامتناع عن دفع الثمن يعني أن يأخذه زوبار من أقرب الناس إليّ.”
شعرت بصدمة حقيقية. لم يكن منصور الشرير المطلق الذي تخيلته، بل رجل محاصر في عقد لا يستطيع فسخه، يدفع ثمنًا مستمرًا حفاظًا على من يحب.
قلت له: “لكن هذا لا يبرر إيذاء الآخرين لحماية عائلتك.”
رد بحدة مفاجئة: “وهل تظن أنني لا أعرف ذلك؟ كل ليلة أرى وجوه من تأذوا بسببي. لكن أخبرني يا مصطفى، ماذا كنت ستفعل لو كان الخيار بين ابنتك وبين غرباء لا تعرفهم؟”
لم أجد جوابًا فوريًا، لأن السؤال كان أصعب من أن يُجاب بسهولة الأخلاق النظرية. لكنني قلت بعد صمت: “كنت سأبحث عن طريقة ثالثة، حتى لو استغرقت الأمر سنوات.”
نظر إليّ منصور بتعبير غريب، بين الأمل واليأس، وقال: “هل تظن أن هناك طريقة ثالثة؟ لقد بحثت عن كل شيخ وعالم دين وخبير في هذا المجال طوال العشرين عامًا الماضية، ولم أجد أحدًا يستطيع فسخ عقد زوبار دون ثمن مساوٍ أو أكبر.”
في تلك اللحظة، شعرت بالغرفة تبرد بشكل حاد، وسمعت صوتًا عميقًا، لا يشبه صوت إنسان، يتردد من الجدران نفسها: “الحديث كثيرًا، يا سيدي.”
انتفض منصور واقفًا، وجهه ابيض كالورقة، وقال بصوت مذعور: “لم أستدعك، زوبار.”
ظهر أمامنا شكل من الدخان الكثيف، يتلوى ويتشكل ببطء إلى هيئة إنسانية طويلة، بلا وجه واضح، فقط عينان جمريتان تتوهجان في العتمة. قال الكائن بصوته العميق المرعب: “الصحفي يعرف الكثير الآن. هذا خطر على العقد.”
تجمدت في مكاني، كل عضلة في جسدي تصرخ بالهروب، لكن قدميّ رفضتا الحركة. قال زوبار موجهًا كلامه لي مباشرة: “أنت شجاع يا إنسان، أشجع من أن تعرف مصلحتك. لكن الشجاعة لا تحميك مني.”
بصوت متهدج، سألته: “ما الذي تريده حقًا؟”
اقترب الكائن خطوة، والبرودة تزداد حدة حولي، وقال: “أريد ما أريده دائمًا: الخوف. والألم. وأنت الآن مصدر ممتاز لكليهما.”
في تلك اللحظة، وبينما كنت أستعد لمواجهة مصير لا أعرف طبيعته، سمعت صوت الحاج راغب في ذهني، كلماته الأخيرة قبل أن نفترق في سوهاج: “احتفظ بهذا يا ابني، قد تحتاجه.” وتذكرت أنه أعطاني تعويذة قديمة، ورقة صفراء مكتوب عليها آيات، وضعتها في جيبي دون أن أفكر فيها كثيرًا.
بيد مرتجفة، أخرجت الورقة وأمسكتها أمامي، غير متأكد إن كانت ستفعل شيئًا أو لا. تراجع زوبار خطوة، وصرخ صرخة غاضبة اهتزت لها جدران الغرفة، لكنه لم يتراجع بالكامل.
كانت هذه فقط بداية المواجهة الحقيقية.
الثمن الأخير
بعد أن تراجع زوبار في تلك الليلة، خرجت من قصر منصور وأنا أعرف شيئًا واحدًا بكل يقين: لن أهرب من هذه القصة، لكنني أيضًا لن أستطيع مواجهتها بمفردي. التعويذة التي أعطاني الحاج راغب أخّرت الكائن، لم تهزمه، وهذا يعني أنني بحاجة لشيء أقوى: طريقة حقيقية لفسخ العقد الذي يربط منصور بزوبار، طريقة لم يجدها منصور نفسه في عشرين عامًا من البحث.
اتصلت بالشيخ عبد الغفور في نفس الليلة، وحكيت له كل ما حدث دون حذف أي تفصيل، بما في ذلك ظهور زوبار وتراجعه أمام التعويذة. استمع بصمت طويل، ثم قال بصوت جاد: “ما أخّر الكائن ليس التعويذة نفسها يا مصطفى، بل نيتك الصادقة وقت استخدامها. هذا نوع من الكائنات يتغذى على الخوف، لكنه يضعف أمام الإيمان الحقيقي غير المشوب بالطمع أو الأنانية. هذا يعني أن هناك طريقة، لكنها ليست سهلة.”
سألته: “ما هي؟”
أجاب: “العقد الذي وقعه منصور مع الشيخ برهوم قائم على مقايضة: قوة مقابل ثمن مستمر. لفسخ هذا النوع من العقود، يجب أن يقدّم صاحب العقد نفسه تضحية توازي ما استفاد منه، لكن هذه المرة تكون تضحية طوعية خالصة، لا يجبره عليها أحد، ونابعة من ندم حقيقي، لا من خوف على مصلحة شخصية.”
فهمت المعنى فورًا: منصور يحتاج أن يتخلى عن كل ما بناه، لا لينقذ ابنته هذه المرة، بل توبة صادقة عن كل من تأذى بسببه، دون انتظار مقابل.
في صباح اليوم التالي، عدت إلى منصور، ووجدته في حالة أسوأ من المرة السابقة، عيناه محمرتان من قلة النوم، ويداه ترتجفان بشكل واضح. أخبرته بما قاله الشيخ عبد الغفور، وتوقعت أن يرفض الفكرة فورًا، لكنه فاجأني بصمت طويل، ثم قال: “منذ سنوات، وأنا أبحث عن سبب لأتوقف. ربما كنت أبحث عن العذر لأخاف، لا الشجاعة لأفعل الصواب.”
سألته: “وماذا عن ابنتك؟ ألا تخشى أن يعاقبها زوبار إن تخليت عن العقد؟”
أجاب بحزن عميق: “هذا هو الخطر الذي يجب أن أقبله. لا يمكنني أن أستمر في حماية ابنة واحدة بثمن أرواح كثيرة. إن كانت هناك عدالة حقيقية في هذا الكون، فلن يعاقبها الله على خطئي إن تبت بصدق.”
قرر منصور أن يواجه زوبار في نفس تلك الليلة، وطلب مني أن أكون شاهدًا، رغم خطورة الأمر. اتصلت بالشيخ عبد الغفور وطلبت منه الحضور أيضًا، فوافق دون تردد، حاملًا معه كتبه القديمة وبعض الأدوات التي رفض أن يشرح طبيعتها، قائلاً فقط: “بعض الأمور من الأفضل ألا تُسأل عنها، فقط تُستخدم وقت الحاجة.”
في منتصف الليل، في نفس المكتب المظلم، جلس منصور في دائرة رسمها الشيخ عبد الغفور بطبشور أبيض، بينما وقفت أنا وهدى (التي رفضت البقاء بعيدًا بعد أن أخبرتها بكل شيء) عند الحافة، نراقب بقلق.
بدأ منصور يتحدث بصوت مرتفع، يستدعي زوبار مباشرة، معلنًا نيته فسخ العقد. لم يمر وقت طويل قبل أن تتشكل سحابة الدخان المألوفة، وظهر زوبار بحجم أكبر من المرة السابقة، وصوته أكثر غضبًا: “تظن أنك تستطيع الهروب من عقد وقعته بإرادتك؟”
قال منصور بصوت لم أسمعه به من قبل، هادئ وحازم: “لم أوقّع عقدًا لأهرب منه، بل لأنني كنت خائفًا وجاهلًا. الآن أعرف ثمن ما فعلته، وأنا مستعد لدفعه، لكن بشروطي هذه المرة: أتنازل عن كل قوة أعطيتني، عن كل ثروة بنيتها بمساعدتك، وأقبل أي عقاب يقع عليّ وحدي، بشرط أن تتركني وتتركهم جميعًا، بمن فيهم ابنتي.”
هز زوبار هيئته الدخانية بعنف، وصرخ صرخة اهتزت لها النوافذ، وقال: “العقد لا يُفسخ بالكلام يا إنسان!”
هنا تدخل الشيخ عبد الغفور، يقرأ آيات بصوت هادئ لكن ثابت، والهواء حول الدائرة بدأ يتوهج بضوء خافت. صرخ زوبار مجددًا، هذه المرة بصوت يحمل ألمًا واضحًا، وبدأت هيئته تتلاشى تدريجيًا، كدخان يتبدد أمام ريح قوية.
في اللحظة الأخيرة، قبل أن يتلاشى تمامًا، قال زوبار بصوت أصبح أضعف: “ستدفع ثمنًا آخر يا منصور، ليس مني، بل من نفسك. الذكريات التي بنيتها بهذه القوة، ستُمحى معي.”
اختفى زوبار تمامًا، والغرفة عادت إلى حرارتها الطبيعية. سقط منصور على الأرض، منهكًا، لكنه كان يبتسم ابتسامة لم أرها عليه من قبل، ابتسامة رجل تخلص من عبء ثقيل. سألته إن كان بخير، فأجاب بصوت متعب: “لا أتذكر… لماذا أنا هنا؟ من أنتم؟”
فهمت في تلك اللحظة معنى تحذير زوبار الأخير: الثمن كان ذاكرة منصور نفسها، كل ما يتعلق بالسنوات العشرين الماضية، بما فيها معرفته بي، وبالسحر، وبالثروة التي بناها.
في الأسابيع التالية، تابعت قصة منصور من بعيد. استعاد حياته البسيطة كنجار، بعد أن تنازل قانونيًا عن أغلب أمواله لصالح جمعيات خيرية بناءً على وصية كتبها قبل تلك الليلة (والتي لم يتذكر كتابتها). عادت ابنته لتعيش معه في بيت متواضع، وبدا الطفلة سعيدة، دون أن تعرف أبدًا حجم ما ضحى به والدها من أجلها.
أما أنا، فكتبت التحقيق، لكن بطريقة مختلفة عما تخيلت في البداية: لم أكتب عن “رجل أعمال فاسد يستخدم السحر”، بل عن “رجل ضل طريقه بحثًا عن الأمان لعائلته، ودفع ثمنًا باهظًا، وفي النهاية اختار التكفير رغم الخسارة الكاملة.” نشرت الجريدة القصة كتحقيق إنساني، متجاهلة الجوانب الخارقة التي لا يمكن إثباتها، تاركة تفاصيل زوبار والتعويذة والعقد بيني وبين هدى والشيخ عبد الغفور فقط.
في الليلة التي أنهيت فيها كتابة المقال، جلست في شقتي أراجع كل ما مررت به، وسألت هدى وهي تشاركني فنجان قهوة: “هل تظنين أن القصة انتهت فعلًا؟”
ابتسمت وقالت: “كائنات مثل زوبار لا تموت، مصطفى. هي فقط تنتقل لمن يستدعيها. وبما أنك أصبحت معروفًا الآن في هذا العالم الخفي، لا أظن أنها آخر مرة تسمع فيها عن الجن والسحرة.”
نظرت من نافذة شقتي إلى ظلام القاهرة الممتد، وشعرت بقشعريرة مألوفة، ليست من خوف هذه المرة، بل من إدراك أن هذه القصة، رغم انتهائها، كانت مجرد الباب الأول لعالم أوسع وأخطر بكثير مما تخيلت.
تمت الرواية
اقراء الجزء السابق
