حارس المقابر المجهول – الجزء الثاني: ما لا يجب أن يُدفن

بداية التغير… بعد المقبرة
لم أستطع إقناع نفسي أن ما حدث كان مجرد وهم.
منذ تلك الليلة، لم يعد الليل طبيعيًا.
كان هناك دائمًا شعور ثابت يرافقني… أن شيئًا ما لم ينتهِ عند المقبرة، بل بدأ هناك فقط.
أصوات خافتة في منتصف الليل.
خطوات في ممرات فارغة.
وذلك الإحساس المزعج… أنني لست وحدي حتى وأنا في غرفتي.
لكن الأسوأ لم يكن هذا.
بل الصوت.
صوت الرجل العجوز.
كان يعود أحيانًا بشكل غير مفهوم، كأنه ليس قادمًا من مكان… بل من داخل رأسي.
العودة التي لم يكن يجب أن تحدث
بعد أيام من الصمت، اتخذت قرارًا لم أكن واثقًا منه.
سأعود إلى المقبرة.
لم يكن قرارًا منطقيًا، لكنه كان أقوى مني.
كأن شيئًا يدفعني نحو هناك، رغم أن كل جزء في داخلي كان يرفض ذلك.
عند وصولي، كان المكان مختلفًا.
ليس كما تركته.
الهواء أثقل.
الصمت أعمق.
والضباب أكثر كثافة بين القبور.
كأن المقبرة لم تعد مكانًا… بل حالة.
القبر الذي تغير
توجهت مباشرة إلى قبر عمي.
لكنني توقفت فجأة.
التراب فوق القبر لم يكن كما تركته.
كان مضطربًا… وكأن شيئًا تحرك تحته منذ وقت قريب جدًا.
اقتربت ببطء.
وفي تلك اللحظة…
سمعت صوتًا خلفي.
“كنت أعلم أنك ستعود.”
تجمدت في مكاني.
الرجل العجوز… مرة أخرى
التفتّ بسرعة.
كان هو.
الرجل العجوز نفسه.
لكن هذه المرة… لم يكن وحده.
خلفه، بين القبور، كانت هناك ظلال واقفة بصمت.
لا تتحرك كثيرًا… لكنها موجودة.
وجودها وحده كان كافيًا ليجعل الهواء أثقل.
قلت بصوت مرتجف:
“ما الذي يحدث هنا؟ من أنت؟”
نظر إليّ طويلاً، ثم قال:
“أنا لست من بدأ هذا… لكنني آخر من يحاول إيقافه.”
الحقيقة الأولى
اقترب ببطء من القبر وقال:
“هذا المكان ليس طبيعيًا.”
ثم أضاف:
“منذ سنوات طويلة، حدث خطأ هنا… خطأ لم ينتبه له أحد.”
سكت لحظة.
ثم قال الجملة التي غيرت كل شيء:
“بعض القبور لم يكن يجب أن تُفتح… وبعض الأشياء لم يكن يجب أن تخرج.”
شيء تحت الأرض
فجأة، شعرت بأن الأرض تحت قدمي لم تعد ثابتة.
كأن هناك حركة خفيفة… تحت التراب.
تراجعت خطوة إلى الخلف.
لكن الرجل العجوز قال بسرعة:
“لا تقترب أكثر.”
نظرت إليه:
“ماذا يوجد هناك؟”
صمت للحظات… ثم قال بصوت منخفض جدًا:
“ليس شيئًا… بل من كان شيئًا في السابق.”
بداية الانهيار
الضباب بدأ يزداد.
والظلال خلفه بدأت تقترب خطوة خطوة.
لم تعد تقف في أماكنها فقط.
ثم قال العجوز بسرعة:
“لقد لاحظك الآن.”
“من؟” سألت.
لم يجب.
بل نظر فقط نحو القبور.
وفي تلك اللحظة…
سمعنا صوتًا خفيفًا جدًا.
كأن شيئًا يتحرك تحت الأرض.
ثم صوت آخر.
أقرب.
الهروب الصامت
قال الرجل العجوز بصوت حاد:
“لا تنظر خلفك… وابتعد الآن.”
لكن قبل أن أتحرك، سمعت همسًا واضحًا جدًا خلفي:
“أخيرًا… خرجت من مكانك.”
تجمدت.
العجوز صرخ:
“اركض!”
ركضت بين القبور دون أن ألتفت.
لكنني كنت أشعر به.
ليس خلفي فقط…
بل في كل مكان.
وكأن المقبرة كلها بدأت تتحرك معي.
وآخر شيء سمعته قبل أن أصل إلى البوابة كان صوت الرجل العجوز يقول:
“لقد بدأ الاختيار الآن… وليس هناك عودة.”
الوصول إلى الحدّ الأخير
لم أتوقف عن الركض حتى خرجت من المقبرة تمامًا.
لكنني كنت أعلم شيئًا واحدًا…
أنني لم أخرج فعليًا.
لأن الإحساس الذي كان يلاحقني لم يتوقف عند البوابة.
كان ما زال هناك.
داخل رأسي… خلف ظهري… وفي كل نفس أتنفسه.
وقفت بعيدًا، أحاول التقاط أنفاسي، لكنني كنت أسمع شيئًا غريبًا.
صوت خافت جدًا…
كأنه يأتي من تحت الأرض.
الصمت الذي يسبق الكارثة
في تلك اللحظة، كل شيء سكن فجأة.
حتى الهواء نفسه بدا وكأنه توقف.
ثم جاء الصوت.
صوت الرجل العجوز… لكن هذه المرة لم يكن قريبًا ولا بعيدًا.
كان في كل مكان.
“لقد خرجت منه… وهو الآن يعرفك بالكامل.”
الحقيقة التي لم أكن مستعدًا لها
ظهر الرجل العجوز أمامي فجأة.
لا خطوات. لا حركة. فقط ظهر.
لكن هذه المرة… كان شكله مختلفًا.
أكثر ضعفًا… كأنه يتآكل من الداخل.
قال بصوت متعب:
“لم أكن أحمي المقبرة… كنت أحمي ما تحتها من أن يصل إليكم.”
توقفت أنفاسي.
“ماذا تقصد؟”
نظر إليّ مباشرة وقال:
“هناك شيء لم يمت… فقط نام طويلًا جدًا.”
ما تحت المقبرة
اقترب خطوة واحدة فقط وقال:
“قبل سنوات طويلة، حدث دفن خاطئ… لم يُدفن فيه جسد واحد فقط… بل شيء آخر معه.”
ثم أضاف بصوت أخفض:
“شيء لا يجب أن يكون له اسم.”
شعرت أن رأسي يثقل.
الأرض تحتنا بدأت تهتز بشكل خفيف.
كأن شيئًا يستيقظ بالفعل.
الانكسار
فجأة، بدأ العجوز يصرخ:
“لقد تأخرنا!”
ثم نظر إليّ وقال بسرعة:
“أنت الآن جزء من الرابط… هو لا يبحث عن القبور بعد الآن… بل عنك أنت.”
تراجعت خطوة إلى الخلف.
لكنني شعرت بشيء خلفي.
ليس ظلًا هذه المرة…
بل وجود كامل.
بارد. ثقيل. قريب جدًا.
الظهور الأخير
سمعت صوتًا واحدًا فقط خلفي:
“أخيرًا… أحدهم فتح الطريق.”
التفتّ ببطء.
لكن لم أرَ شيئًا واضحًا.
فقط فراغ… يتشكل فيه شيء لا يمكن وصفه.
وكأن الظلام نفسه بدأ يأخذ شكلًا.
الرجل العجوز صرخ:
“لا تنظر إليه!”
لكنني كنت قد رأيته بالفعل.
النهاية… أو البداية
كل شيء بدأ ينهار في اللحظة نفسها.
الأصوات اختفت.
الضوء اختفى.
حتى الأرض تحتنا شعرت أنها لم تعد ثابتة.
آخر ما سمعته كان صوت الرجل العجوز يقول:
“لم يكن يجب أن تعود… الآن انتهى كل شيء.”
ثم صمت.
خاتمة مفتوحة
استيقظت لاحقًا… أو هكذا ظننت.
لكنني لم أعد في نفس المكان.
ولا نفس الزمن.
وكان أول شيء رأيته…
قبرًا جديدًا.
مكتوب عليه اسمي.
النهاية
لكن الغريب…
أنني ما زلت أسمع أحيانًا…
صوت طرق خفيف جدًا…
من مكان لا أعرفه.
