الليلة التي اختفى فيها كل شيء

اسمي ياسر.
لو أخبرني أحد قبل أشهر قليلة أنني سأقف يومًا أمام محكمة يديرها الجن، لكنت ضحكت في وجهه وغادرت.
كنت أعيش حياة عادية جدًا.
أعمل محاسبًا في شركة صغيرة، وأقضي معظم وقتي بين العمل والمنزل.
لم أكن ثريًا.
ولم أكن مشهورًا.
بل كنت واحدًا من ملايين الأشخاص الذين يحاولون فقط تجاوز أيامهم بأقل قدر من المشاكل.
لكن كل شيء تغير في ليلة واحدة.
ليلة بدأت كأي ليلة عادية وانتهت بدخولي إلى عالم لم أكن أؤمن بوجوده أصلًا.
طريق العودة الغريب
في تلك الليلة خرجت متأخرًا من العمل.
كانت الساعة تقترب من منتصف الليل.
الشوارع شبه فارغة.
والمدينة تبدو أكثر هدوءًا من المعتاد.
كنت أسير نحو منزلي عندما لاحظت شيئًا غريبًا.
في نهاية الشارع ظهرت دوامة سوداء ضخمة.
بدت وكأنها تمزق الهواء نفسه.
توقفت في مكاني.
حدقت فيها غير مصدّق.
ثم بدأت الدوامة تكبر.
في البداية ظننت أنني أتخيل.
لكن عندما رأيت السيارات القريبة تتوقف فجأة أدركت أن الأمر حقيقي.
استدرت محاولًا الهرب.
لكن قوة هائلة جذبتني نحوها.
صرخت.
حاولت التمسك بأي شيء.
لكن الأرض اختفت من تحت قدمي.
ثم ابتلعني الظلام.
قاعة المحكمة المستحيلة
عندما فتحت عيني وجدت نفسي راكعًا فوق أرضية من الرخام الأسود.
رفعت رأسي ببطء.
وتجمدت في مكاني.
كنت داخل قاعة ضخمة أكبر من أي مبنى رأيته في حياتي.
أعمدة هائلة تمتد إلى سقف لا أستطيع رؤيته.
مشاعل زرقاء تحترق دون وقود.
ومئات المخلوقات الجالسة على مقاعد مرتفعة.
بعضهم يشبه البشر.
وبعضهم يمتلك عيونًا متوهجة.
أو قرونًا صغيرة.
أو أجنحة شفافة.
شعرت بالخوف يتسلل إلى داخلي.
ثم سمعت صوتًا قويًا يهز القاعة:
“أحضروا المتهم.”
وفجأة أدركت أنهم يقصدونني.
اتهام لم أفهمه
اقترب مني حارسان ضخمان.
كانا أطول من أي إنسان.
وعيناهما تلمعان بلون فضي.
أوقفاني أمام منصة مرتفعة.
فوقها جلس ثلاثة قضاة.
في المنتصف كان يجلس رجل مهيب يرتدي عباءة بيضاء.
نظر إليّ بعينين ذهبيتين.
ثم قال:
“ياسر بن خالد.”
أجبته بصوت مرتجف:
“نعم.”
قال:
“أنت متهم بانتهاك العهد السابع بين عالمي الإنس والجن.”
شعرت بالذهول.
قلت:
“ماذا؟”
“أنا لا أعرف حتى ما هو هذا العهد.”
بدأت الهمسات تنتشر داخل القاعة.
أما القاضي فظل ينظر إليّ بصمت.
المحامية الغامضة
قبل أن أتكلم مجددًا وقفت امرأة من الصفوف الأمامية.
كانت مختلفة عن الجميع.
ملامحها أقرب إلى البشر.
لكن عينيها كانتا بلون أزرق متوهج.
قالت بثقة:
“أطلب مراجعة الأدلة.”
نظر إليها القضاة.
ثم وافقوا.
بعد دقائق من المداولات بدأت ألاحظ شيئًا غريبًا.
الارتباك ظهر على وجوه الجميع.
حتى الحراس.
ثم وقف أحد القضاة فجأة.
وقال:
“هناك خطأ.”
ساد الصمت.
أما أنا فلم أفهم شيئًا.
الحقيقة الصادمة
بعد مراجعة السجلات لعدة مرات أعلن القاضي الرئيسي:
“لقد تم استدعاء الشخص الخطأ.”
لم أصدق ما سمعته.
سألته:
“ماذا تقصد؟”
أجاب:
“المطلوب شخص آخر يحمل الاسم نفسه.”
“حدث خطأ أثناء عملية الاستدعاء.”
شعرت أن رأسي يكاد ينفجر.
تم اختطافي من عالمي.
وسحبي إلى هنا.
ثم اكتشفوا أنهم أخطأوا؟
بدأ الغضب يتغلب على خوفي.
قلت:
“وهل هذا كل شيء؟”
“تعتذرون ثم تعيدونني؟”
نظر القضاة إلى بعضهم.
ثم تغيرت ملامحهم.
وكأن السؤال أكثر أهمية مما توقعت.
قانون التعويض
وقف القاضي الأكبر.
وقال:
“قوانين المحكمة تمنع إيذاء الأبرياء.”
“وأنت تعرضت لضرر نتيجة خطأ رسمي.”
ثم أضاف:
“لذلك تستحق تعويضًا.”
بدأت القاعة تضج بالنقاشات.
سمعت اقتراحات غريبة.
أحدهم اقترح كنزًا من الذهب.
آخر اقترح قصرًا.
وثالث اقترح إزالة ذكرياتي بالكامل.
لكن القاضي الأكبر رفع يده.
فساد الصمت.
ثم قال:
“سيحصل على تعويض استثنائي.”
لم أكن أعلم أن حياتي ستتغير بعد تلك الكلمات.
الهدية التي لا تُقدر بثمن
تم استدعائي إلى غرفة خاصة داخل المحكمة.
كانت الغرفة دائرية.
وفي وسطها صندوق قديم مصنوع من معدن أسود.
فتح القاضي الصندوق ببطء.
وفي داخله كانت كرة صغيرة من الضوء الذهبي.
قال:
“هذه قوة نادرة تسمى عين الميزان.”
سألته:
“ماذا تفعل؟”
أجاب:
“تكشف الحقيقة.”
“وترى ما لا يراه الآخرون.”
لم أفهم تمامًا.
لكن قبل أن أسأل أكثر تحركت الكرة الذهبية.
وانطلقت نحوي.
ثم اخترقت صدري.
بداية التغيير
شعرت بحرارة هائلة.
ثم بألم قصير.
ثم اختفى كل شيء.
عندما فتحت عيني كنت في منزلي.
ظننت للحظة أن كل ما حدث كان حلمًا.
لكن عندما نظرت إلى المرآة رأيت شيئًا غريبًا.
داخل عيني اليمنى ظهر وميض ذهبي.
واختفى بسرعة.
في اليوم التالي ذهبت إلى العمل.
وهناك بدأت أكتشف معنى القوة الجديدة.
اكتشاف عين الميزان
أثناء حديثي مع أحد زملائي رأيت فوق رأسه كلمة غريبة.
“يكذب.”
اختفت الكلمة بسرعة.
ظننت أنني أتخيل.
لكن عندما تحققت لاحقًا اكتشفت أنه كان يكذب فعلًا.
تكرر الأمر مع أشخاص آخرين.
ثم بدأت أرى أشياء أكثر غرابة.
فرص عمل مميزة تظهر حول أصحابها هالة خضراء.
صفقات خاسرة يحيط بها ضباب أحمر.
وأشخاص خطرون تلمع حولهم ظلال سوداء.
أدركت أن القوة لا تكشف الأكاذيب فقط.
بل تكشف الاحتمالات أيضًا.
أول استغلال للقوة
في البداية حاولت تجاهل الأمر.
لكنني كنت أعاني ماديًا.
ولدي التزامات كثيرة.
لذلك بدأت أستخدم القدرة بحذر.
استطعت اختيار أفضل الاستثمارات الصغيرة.
وتجنب عمليات الاحتيال.
واتخاذ قرارات أكثر ذكاءً.
وخلال أسابيع قليلة تحسن وضعي المالي بشكل ملحوظ.
لأول مرة منذ سنوات شعرت أن الحياة تبتسم لي.
لكنني لم أكن أعلم أن عالم الجن لم يغادر حياتي بعد.
الشخص الذي لم يكن بشريًا
في أحد الأيام كنت أجلس داخل مقهى.
أراجع بعض الأوراق.
عندما دخل رجل يرتدي بدلة سوداء.
في اللحظة التي رأيته فيها اشتعلت عيني اليمنى.
ظهرت حوله رموز غريبة.
ثم ظهرت كلمة واحدة:
“جني.”
تجمدت في مكاني.
الرجل التفت نحوي مباشرة.
وكأنه شعر بما رأيته.
ثم ابتسم.
ابتسامة باردة جعلت الدم يتجمد في عروقي.
وغادر المقهى دون كلمة واحدة.
زيارة غير متوقعة
في تلك الليلة سمعت طرقًا على باب منزلي.
فتحت الباب بحذر.
فوجدت المرأة ذات العينين الزرقاوين.
المحامية التي دافعت عني في المحكمة.
كانت تقف بهدوء.
وكأنها تعلم أنني سأفتح الباب.
قلت بدهشة:
“أنتِ؟”
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
وقالت:
“اسمي سلمى.”
ثم نظرت إلى عيني مباشرة.
وأضافت:
“لدينا مشكلة كبيرة يا ياسر.”
شعرت بانقباض في صدري.
وسألت:
“أي مشكلة؟”
أجابت بصوت منخفض:
“الشخص الذي رأيته اليوم ليس مجرد جني.”
“إنه هارب من محكمة الجن.”
الحقيقة المرعبة
دعوتها إلى الداخل.
وجلست أمامي.
ثم أخبرتني بأمر لم أتوقعه.
الرجل الذي رأيته متهم بجرائم خطيرة داخل عالم الجن.
وقد اختفى منذ سنوات.
لكن الأخطر من ذلك أنه يبحث عن شيء معين.
سألتها:
“ماذا يبحث عنه؟”
نظرت إليّ بجدية.
ثم قالت:
“عنك.”
ساد الصمت.
شعرت بأن قلبي توقف للحظة.
وأضافت:
“منذ أن حصلت على عين الميزان أصبحت جزءًا من لعبة أكبر بكثير مما تتخيل.”
بداية المطاردة
في تلك اللحظة تحديدًا انطفأت جميع أضواء المنزل.
غرق المكان في الظلام.
ثم سمعنا صوتًا قادمًا من الخارج.
صوتًا عميقًا ومخيفًا.
قال:
“وجدتك أخيرًا يا ياسر.”
نظرت إلى النافذة.
ورأيت الرجل نفسه واقفًا في الشارع.
ينظر مباشرة نحوي.
لكن هذه المرة لم يكن وحده.
خلفه عشرات الظلال السوداء تتحرك ببطء.
ابتسم.
ثم رفع يده.
وفي اللحظة التالية انفجر زجاج النوافذ.
وأدركت أن حياتي الطبيعية انتهت إلى الأبد.
الهارب من محكمة الجن
تحطم زجاج النوافذ في لحظة واحدة.
تناثرت الشظايا في أرجاء الغرفة.
قفزت للخلف غريزيًا بينما كانت ضربات قلبي تتسارع بشكل جنوني.
في الخارج وقف الرجل ذو البدلة السوداء.
وخلفه عشرات الظلال المتحركة.
لم يكونوا بشرًا.
ولم يكونوا جنًا عاديين.
كانوا أشبه بأشباح مصنوعة من الدخان الأسود.
التفتُ إلى سلمى.
كانت تنظر من النافذة بوجه شاحب.
سألتها:
“من هذا بالضبط؟”
أجابت بصوت منخفض:
“اسمه مالك.”
“كان واحدًا من أقوى محققي محكمة الجن.”
شعرت بالصدمة.
قلت:
“كان؟”
هزت رأسها.
ثم قالت:
“حتى خان المحكمة.”
الهروب الأول
لم تمنحنا سلمى فرصة لمزيد من الأسئلة.
أمسكت بذراعي بقوة.
ثم رسمت رمزًا أزرق في الهواء.
فُتح أمامنا باب من الضوء.
تراجعت خطوة للخلف.
لكنها صرخت:
“ادخل الآن!”
في اللحظة نفسها اندفعت إحدى الظلال عبر النافذة.
كان شكلها مرعبًا.
عينان حمراوان.
وفم ممتلئ بأسنان حادة.
قفزت نحو الباب المضيء.
وسقطت على أرضية حجرية باردة.
بعد ثوانٍ لحقت بي سلمى.
ثم أغلق الباب خلفنا.
اختفى منزلنا.
واختفى العالم البشري.
مدينة ما بين العالمين
عندما رفعت رأسي وجدت نفسي في مكان لم أتخيل وجوده.
مدينة ضخمة معلقة وسط فراغ لا نهاية له.
الجسور تمتد بين أبراج شفافة.
أنهار من الضوء تتدفق بين المباني.
ومخلوقات غريبة تسير في الشوارع.
بعضهم يشبه البشر.
والبعض الآخر لا يشبه أي شيء رأيته في حياتي.
سألت بدهشة:
“أين نحن؟”
أجابت سلمى:
“مدينة الميزان.”
“أكبر مدينة تابعة لمحكمة الجن.”
لماذا يطاردني مالك؟
جلسنا داخل مبنى مرتفع يطل على المدينة.
كنت أحاول استيعاب كل ما أراه.
لكن سؤالًا واحدًا كان يطاردني.
نظرت إلى سلمى.
وقلت:
“لماذا يريدني؟”
صمتت للحظات.
ثم قالت:
“الأمر يتعلق بعين الميزان.”
شعرت بالقلق.
تابعت كلامها:
“القوة التي حصلت عليها ليست مجرد تعويض.”
“إنها واحدة من أندر القوى الموجودة.”
“ولم تُمنح لبشري منذ مئات السنين.”
حقيقة عين الميزان
أخرجت سلمى مخطوطة قديمة.
ثم فتحتها أمامي.
كانت تحتوي على رسوم وأسماء كثيرة.
وأشخاص يحملون علامة تشبه الوميض الذهبي الذي يظهر في عيني.
قالت:
“عين الميزان لا ترى الحقيقة فقط.”
“بل تستطيع رؤية خيوط القدر.”
تجمدت في مكاني.
سألتها:
“ماذا يعني هذا؟”
أجابت:
“يمكنك رؤية الاحتمالات.”
“والفرص.”
“والأخطار قبل وقوعها.”
بدأت أفهم كيف استطعت اتخاذ قرارات ناجحة خلال الأسابيع الماضية.
لكن يبدو أنني لم أكتشف سوى جزء صغير من القوة.
أول تدريب
في صباح اليوم التالي بدأت سلمى تدريبي.
وقفت أمامي داخل ساحة دائرية ضخمة.
وقالت:
“أغلق عينيك.”
نفذت طلبها.
ثم أضافت:
“حاول أن تشعر بالطاقة داخل عين الميزان.”
في البداية لم يحدث شيء.
لكن بعد دقائق بدأت أرى أضواء غريبة.
خيوط ذهبية تطفو في الظلام.
بعضها مشرق.
وبعضها باهت.
قالت سلمى:
“هذه احتمالات المستقبل.”
فتحت عيني بسرعة.
شعرت بالدهشة.
كانت القوة أكبر مما تخيلت.
النجاح الذي لم أتوقعه
بعد عودتي إلى العالم البشري بدأت أختبر قدرتي الجديدة.
في أحد الأيام كنت أفكر في استثمار جزء من مدخراتي.
وعندما فتحت عين الميزان رأيت مسارات مختلفة أمامي.
بعضها ينتهي بالخسارة.
وبعضها يحقق نجاحًا محدودًا.
لكن أحد المسارات كان يلمع بقوة.
اتبعت ذلك المسار.
وخلال أسابيع حققت أرباحًا لم أحلم بها من قبل.
لأول مرة في حياتي بدأت أشعر بالاستقرار المالي.
اشتريت سيارة جديدة.
وسددت ديونًا قديمة.
وبدأت أخطط لمستقبل أفضل.
لكن النجاح جذب الانتباه.
مراقبة مستمرة
أصبحت أشعر أن أحدًا يراقبني.
في الشارع.
في العمل.
حتى أثناء وجودي في المنزل.
وفي كل مرة أستخدم عين الميزان كنت أرى ظلًا أسود بعيدًا يختفي بسرعة.
أخبرت سلمى بالأمر.
فتغيرت ملامحها.
وقالت:
“مالك لا يطاردك وحده.”
“هناك آخرون.”
سألتها:
“من هم؟”
أجابت:
“أتباعه.”
سرقة المستقبل
في إحدى الليالي أخذتني سلمى إلى أرشيف سري داخل مدينة الميزان.
هناك اكتشفت أمرًا خطيرًا.
كان مالك يبحث عن قطعة أثرية قديمة تسمى:
“مرآة المصائر.”
سألتها:
“وما أهميتها؟”
أجابت:
“إذا اجتمعت مرآة المصائر مع عين الميزان…”
ثم توقفت.
قلت:
“ماذا سيحدث؟”
نظرت إلي مباشرة.
وقالت:
“سيصبح حاملها قادرًا على تغيير مصائر الآخرين.”
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
اللقاء الثاني مع مالك
بعد أيام قليلة ظهر مجددًا.
كنت أسير في موقف سيارات شبه فارغ.
وفجأة انطفأت الأنوار.
ظهر من بين الظلال كما لو خرج من العدم.
ابتسم.
وقال:
“لقد أصبحت أقوى.”
حاولت التراجع.
لكنه رفع يده.
فتجمد الهواء حولي.
شعرت أنني عاجز عن الحركة.
اقترب أكثر.
وقال:
“أنت لا تفهم ما تملكه.”
ثم نظر مباشرة إلى عيني.
وأضاف:
“لكنني سأعلمك.”
القوة الجديدة
في تلك اللحظة اشتعلت عين الميزان تلقائيًا.
ظهر حول مالك عدد لا يحصى من الخيوط الذهبية والسوداء.
ورأيت شيئًا غريبًا.
إحدى الخيوط السوداء كانت نقطة ضعفه.
لم أفكر.
مددت يدي نحو ذلك الخيط.
وبمجرد لمسه انفجرت طاقة ذهبية هائلة.
تراجع مالك عدة خطوات.
والدهشة تملأ وجهه.
قال بصوت منخفض:
“مستحيل.”
أدركت أنني اكتشفت قدرة جديدة.
قدرة تسمح لي برؤية نقاط الضعف.
الاعتراف الصادم
قبل أن يختفي مالك قال شيئًا غير كل شيء.
نظر إليّ.
ثم قال:
“هل ما زلت تصدق أنك وصلت إلى المحكمة بالخطأ؟”
تجمدت في مكاني.
تابع كلامه:
“لم يكن هناك أي خطأ.”
شعرت أن الأرض تميد تحت قدمي.
سألته:
“ماذا تقصد؟”
لكن ابتسامة غامضة ظهرت على وجهه.
ثم تحول إلى دخان أسود واختفى.
أسرار المحكمة
عندما أخبرت سلمى بما حدث صمتت طويلًا.
طويلًا جدًا.
حتى بدأت أشك أنها تعرف شيئًا.
ثم قالت:
“هناك أمور لم تخبرك بها المحكمة.”
شعرت بالغضب.
قلت:
“مثل ماذا؟”
تنهدت.
ثم أجابت:
“قبل مئات السنين تحدثت نبوءة عن إنسان سيحصل على عين الميزان.”
“وأن هذا الإنسان سيحدد مصير عالمي الجن والبشر.”
حدقت فيها غير مصدق.
ثم سألت:
“هل تعنين أنني…”
قاطعتني قائلة:
“لا أعرف.”
“لكن بعض القضاة يعتقدون ذلك.”
الكارثة القادمة
في تلك الليلة عدنا إلى مدينة الميزان.
لكن شيئًا كان مختلفًا.
صفارات الإنذار السحرية كانت تدوي في كل مكان.
والجنود ينتشرون في الشوارع.
والسماء فوق المدينة تحولت إلى اللون الأحمر.
ركضت أنا وسلمى نحو مقر المحكمة.
وهناك وجدنا القضاة مجتمعين.
كانت وجوههم مليئة بالتوتر.
وقف القاضي الأكبر.
وقال جملة واحدة جعلت الصمت يسيطر على القاعة:
“لقد سُرقت مرآة المصائر.”
شعرت بأن قلبي انقبض.
لكن الصدمة الحقيقية جاءت بعدها.
أضاف القاضي:
“والسارق ترك رسالة.”
ثم نظر إلي مباشرة.
وقال:
“الرسالة موجهة إلى ياسر.”
ساد الصمت.
قبل أن يسلموني ورقة سوداء صغيرة.
فتحتها بيد مرتجفة.
وكانت تحتوي على جملة واحدة فقط:
“إذا أردت معرفة الحقيقة عن سبب اختيارك… تعال وحدك.”
وفي أسفل الرسالة كان توقيع واحد.
مالك.
يبدو أنني كتبت الجزء الثاني بالفعل في الرسالة السابقة. إذا كنت تقصد الجزء الثالث والأخير من ثلاثية محكمة الجن: حكم البراءة، فإليك الجزء الختامي:
الرسالة التي غيرت كل شيء
بقيت أحدق في الورقة السوداء لعدة دقائق.
كانت الجملة قصيرة.
لكنها أثارت عشرات الأسئلة.
“إذا أردت معرفة الحقيقة عن سبب اختيارك… تعال وحدك.”
رفع القاضي الأكبر نظره نحوي.
وقال:
“لن تذهب.”
لكنني كنت أعلم أنني سأذهب.
لأنني تعبت من الأسرار.
منذ اليوم الذي اختطفتني فيه محكمة الجن، والجميع يخفون عني جزءًا من الحقيقة.
مالك.
عين الميزان.
النبوءة.
كل شيء كان مرتبطًا بي بطريقة لا أفهمها.
وحان الوقت لمعرفة السبب.
القرار الصعب
في تلك الليلة لم أخبر أحدًا.
لا سلمى.
ولا القضاة.
ولا أي شخص آخر.
فتحت الرسالة مرة أخرى.
وعندما لمستها بعين الميزان ظهر أمامي مسار ذهبي.
خط من الضوء يمتد عبر المدينة.
وكأنه يرشدني إلى وجهتي.
تبعت المسار.
حتى وصلت إلى بوابة مهجورة خارج مدينة الميزان.
هناك كان ينتظرني.
مالك.
واقفًا وحده.
دون حراس.
ودون ظلال.
وكأنه كان متأكدًا من أنني سأأتي.
الحقيقة الأولى
قال مالك:
“أخيرًا.”
اقتربت بحذر.
وسألته مباشرة:
“لماذا أنا؟”
ابتسم.
لكن هذه المرة لم تكن ابتسامته مخيفة.
بل بدت حزينة.
ثم قال:
“لأنك لم تكن ضحية خطأ.”
شعرت بالغضب.
كنت أعلم ذلك بالفعل.
لكن سماعه منه جعل الأمر أسوأ.
تابع كلامه:
“محكمة الجن اختارتك عمدًا.”
“وأحضرتك إلى هنا لتحقيق النبوءة.”
سر النبوءة
أخرج مالك مخطوطة قديمة.
فتحها أمامي.
ورأيت رسومات غريبة.
ثم رأيت شيئًا جعلني أتجمد.
رأيت صورتي.
اسمي.
وصفًا دقيقًا لحياتي.
حتى تاريخ ميلادي.
قلت بصدمة:
“كيف؟”
أجاب:
“هذه المخطوطة عمرها أكثر من ألف عام.”
شعرت أن رأسي يدور.
ثم أشار إلى سطر محدد.
وقرأت:
“سيأتي إنسان يحمل عين الميزان ويقرر مصير العهد بين الجن والبشر.”
لماذا تمرد مالك؟
سألته:
“إذا كنت تعرف كل هذا، لماذا هربت؟”
تنهد.
ثم نظر نحو السماء.
وقال:
“لأن المحكمة لم تعد عادلة.”
كانت هذه أول مرة أسمعه يتحدث بصدق.
تابع:
“القضاة يخشون النبوءة.”
“ويحاولون التحكم بنتيجتها.”
ثم نظر إلي مباشرة.
وأضاف:
“إنهم لا يريدونك أن تختار.”
“بل يريدونك أن تنفذ ما يريدونه.”
الخيانة الكبرى
قبل أن أستوعب كلامه اهتزت الأرض.
وانفتح عشرات الأبواب السحرية حولنا.
خرج منها جنود المحكمة.
وفي مقدمتهم القاضي الأكبر.
وخلفه سلمى.
شعرت بالصدمة.
نظر القاضي إلى مالك.
ثم قال:
“انتهى الأمر.”
ابتسم مالك.
وكأنه كان يتوقع ذلك.
أما أنا فبدأت أفهم شيئًا مخيفًا.
لقد كانوا يراقبونني طوال الوقت.
مرآة المصائر
رفع القاضي يده.
فظهرت مرآة ضخمة في الهواء.
كانت هي مرآة المصائر المسروقة.
لكنها لم تكن مع مالك.
بل مع المحكمة نفسها.
نظرت إلى سلمى.
كانت تتجنب النظر إلى عيني.
سألتها:
“هل كنت تعرفين؟”
صمتت.
وكان صمتها كافيًا للإجابة.
شعرت بالخيانة.
لقد وثقت بها.
لكنها أخفت الحقيقة مثلهما.
استيقاظ عين الميزان
في تلك اللحظة اشتعلت عين الميزان بقوة لم أشعر بها من قبل.
بدأ العالم يتغير.
رأيت آلاف الخيوط الذهبية.
ملايين الاحتمالات.
مستقبلات لا حصر لها.
حروب.
سلام.
دمار.
ازدهار.
كل احتمال كان موجودًا أمامي في اللحظة نفسها.
ثم فهمت أخيرًا.
عين الميزان لم تُمنح لي لرؤية الحقيقة فقط.
بل لاختيارها.
المعركة الأخيرة
اندفع الجنود نحو مالك.
لكنني رفعت يدي.
وتوقف الجميع.
حتى القضاة.
شعرت بقوة هائلة تتدفق داخلي.
قال القاضي بغضب:
“ياسر!”
لكنني لم أستمع إليه.
كنت أرى ما لا يرونه.
رأيت أن استمرار الصراع سيؤدي إلى كارثة.
وسيحول عالمي الجن والبشر إلى ساحة حرب.
ورأيت أيضًا أن القضاء على مالك لن يحل المشكلة.
لأن المشكلة الحقيقية كانت الخوف.
خوف المحكمة من المستقبل.
الحكم الحقيقي
اقتربت من مرآة المصائر.
وضعت يدي عليها.
فانفجرت بالضوء.
ظهرت صور الماضي.
والحاضر.
والمستقبل.
أمام الجميع.
لم يعد هناك شيء مخفي.
انكشفت مؤامرات القضاة.
وأخطاء مالك.
وأسرار المحكمة.
كل شيء ظهر أمام الجميع.
ولأول مرة منذ قرون أصبحت الحقيقة واضحة.
سقوط القاضي
بدأت همسات الجنود تنتشر.
ثم تحولت إلى احتجاجات.
وأدرك الجميع أن القاضي الأكبر أخفى أجزاء من النبوءة.
وحاول التلاعب بمصيرها.
نظر إلي.
وقال:
“كنت أفعل ذلك لحماية العالم.”
أجبته:
“لكن ليس من حقك اختيار مصير الجميع.”
ساد الصمت.
ثم تنحى عن منصبه.
لأول مرة في تاريخ المحكمة.
القرار الأخير
بعد انتهاء الفوضى اجتمع كبار الجن.
وطلبوا مني أن أصبح قاضيًا أعلى.
وأن أستخدم عين الميزان لإدارة المحكمة.
لكنني رفضت.
فوجئ الجميع.
قلت لهم:
“أنا لست حاكمًا.”
“ولا أريد أن أكون كذلك.”
“القوة التي لا تخضع للمحاسبة تتحول إلى خطر.”
نظر مالك نحوي.
ثم ابتسم.
أما سلمى فبدت مرتاحة.
التعويض الحقيقي
بعد أشهر تغير الكثير.
أُعيد تنظيم محكمة الجن.
وتوقفت المطاردات.
وأصبح هناك عهد جديد بين العالمين.
أما أنا…
فعدت إلى حياتي.
لكن ليس كما كنت.
استمررت في استخدام عين الميزان.
ساعدت الناس.
استثمرت بحكمة.
وبنيت حياة أفضل.
لكنني لم أستخدم القوة للسيطرة على أحد.
لأنني تعلمت أهم درس في رحلتي.
الحقيقة قوة عظيمة.
لكن المسؤولية أعظم منها.
النهاية
في إحدى الليالي كنت أجلس على شرفة منزلي.
أنظر إلى المدينة.
عندما ظهر وميض ذهبي داخل عيني.
ابتسمت.
لأنني أدركت أن عين الميزان ما زالت تريني احتمالات لا نهاية لها.
وأن الطريق أمامي ما زال طويلًا.
لكن هذه المرة…
سأختار مصيري بنفسي.
نهاية محكمة الجن: حكم البراءة.
