القضية الثانية: الرجل الذي يختفي من الصور

اسمي مصطفى.
بعد قضية “الرجل الذي لا يعرف الهزيمة”، كنت أظن أنني وصلت إلى الحد الأقصى من الغرابة التي يمكن أن يواجهها صحفي في حياته. لكنني كنت مخطئًا… بشكل كبير.
لأن الغريب في هذا العالم ليس ما تراه لأول مرة، بل ما تراه ثم يختفي كأنه لم يكن موجودًا أصلًا.
بدأت القصة بصورة.
صورة عادية جدًا.
أرسلها لي أحد معارفي عبر الهاتف في ساعة متأخرة من الليل مع رسالة قصيرة:
“انظر إلى هذا الرجل… ثم أخبرني إن كنت تراه معي فقط أم لا.”
ظننتها مزحة في البداية.
لكن شيئًا ما في أسلوبه جعلني أفتح الصورة فورًا.
كانت صورة جماعية في حفل صغير داخل قاعة متوسطة الحجم. عشرات الأشخاص يقفون جنبًا إلى جنب، يبتسمون للكاميرا، كما في أي مناسبة عادية.
لكن ما لفت انتباهي لم يكن الحفل.
بل رجل يقف في الجهة اليمنى من الصورة.
رجل عادي المظهر تمامًا.
ملابس بسيطة.
ملامح هادئة.
لا شيء يميزه عن الآخرين.
ومع ذلك، عندما ركزت عليه شعرت بشيء غريب… كأنه غير مناسب للصورة، رغم أنه موجود فيها بوضوح.
كتبت لصديقي:
“أي واحد تقصد؟”
جاء الرد سريعًا:
“الرجل الذي بجانب الطاولة.”
عدت للصورة.
نفس الرجل.
نفس المكان.
ثم قال:
“كان موجودًا معنا في الحفل.”
“لكن اليوم عندما عدت للصورة… لم أجده.”
توقفت.
أعدت قراءة الرسالة مرة أخرى.
ثم كبرت الصورة.
الرجل كان ما يزال هناك.
بوضوح.
أرسلت له:
“هو موجود في الصورة.”
رد فورًا:
“أنت الوحيد الذي تراه الآن.”
شعرت بوخزة في رأسي.
سألته:
“ماذا تقصد؟”
جاء الرد التالي جعلني أرتبك أكثر:
“الصورة تتغير يا مصطفى.”
“كلما عدت إليها… يقل عدد الأشخاص فيها.”
في البداية ظننت أن الأمر خدعة فوتوشوب.
أو مشكلة في النسخة المرسلة.
لكنني كنت أعرف أن صديقي ليس من النوع الذي يختلق مثل هذه الأمور.
طلبت منه إرسال الصورة الأصلية مرة أخرى.
انتظرت.
وصلت النسخة الثانية.
فتحتها فورًا.
هذه المرة… كان هناك فرق واضح.
نفس الحفل.
نفس الأشخاص.
لكن…
الرجل الذي كنت أراه قبل قليل لم يكن موجودًا.
تجمدت أمام الشاشة.
رفعت رأسي ببطء.
ثم نظرت إلى الصورة الأولى مرة أخرى.
كان هناك.
واضحًا تمامًا.
عدت إلى النسخة الثانية.
اختفى.
شعرت بشيء غير مريح في صدري.
كأن عقلي يرفض قبول ما يحدث.
أرسلت لصديقي:
“هل هناك برنامج تعديل صور عندك؟”
رد:
“لو كان هناك تعديل… لكان ثابتًا.”
“لكن كل شخص يحتفظ بنسخة مختلفة من الصورة.”
سألته:
“كيف؟”
جاء الرد:
“كل شخص يرى صورة مختلفة تمامًا.”
سكتت.
لم أجب.
جلست أمام الشاشة لدقائق طويلة.
ثم اتخذت قراري.
سأذهب بنفسي.
إذا كانت هناك ظاهرة مرتبطة بالصور، فلا بد أن تكون هناك نقطة بداية حقيقية.
عنوان الحفل.
القاعة.
الناس.
والرجل نفسه.
في صباح اليوم التالي وصلت إلى المدينة التي أُقيم فيها الحفل.
مكان عادي جدًا.
لا شيء يوحي بأن شيئًا غريبًا حدث هناك.
ذهبت إلى القاعة.
دخلت.
كان المكان ما يزال يعمل بشكل طبيعي.
سألت موظف الاستقبال:
“كان هناك حفل قبل أيام.”
نظر إليّ ثم قال:
“أي حفل؟”
أعدت السؤال.
أجابه بنفس الجملة:
“لم يُقم هنا أي حفل منذ أسبوعين.”
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
ظننت أنه يمزح.
أخرجت هاتفي.
وأريته الصورة.
تغيرت ملامحه فورًا.
اقترب أكثر.
نظر إلى الصورة بتركيز.
ثم قال:
“هذه الصورة… غير صحيحة.”
سألته:
“ماذا تقصد؟”
أجاب بصوت منخفض:
“هذا الشخص…”
وأشار إلى الرجل في الصورة.
“لا يوجد في سجلاتنا أي شخص بهذا الشكل.”
ثم قال جملة جعلتني أشعر أن الهواء أصبح أثقل:
“لكن الغريب… أنني أشعر أنني رأيته من قبل.”
خرجت من القاعة وأنا أكثر ارتباكًا من أي وقت مضى.
كان هناك تناقض كامل.
الصورة تقول إنه موجود.
الناس تقول إنه غير موجود.
والذاكرة… تقول شيئًا ثالثًا لا أفهمه.
في تلك الليلة عدت إلى الفندق.
وضعت الصورة أمامي على الطاولة.
حدقت فيها طويلًا.
ثم حدث شيء لم أكن مستعدًا له.
بدأت الصورة تتغير.
ليس على الهاتف.
بل على الورقة المطبوعة التي طبعتها بنفسي.
نفس الحفل.
لكن عدد الأشخاص بدأ يقل ببطء.
واحدًا تلو الآخر.
كأن الصورة تتنفس.
شعرت ببرودة تسري في جسدي.
اقتربت أكثر.
وفي لحظة…
اختفى الرجل.
لم يعد هناك أي أثر له.
رفعت رأسي بسرعة.
نظرت إلى الغرفة.
ثم إلى الصورة.
ثم عدت أركز مرة أخرى.
فجأة…
عاد الرجل إلى الصورة.
نفس المكان.
نفس الوقفة.
كأنه لم يختفِ أبدًا.
لكن هذه المرة…
كان ينظر مباشرة نحوي.
لم يكن ينظر إلى الكاميرا.
بل إليّ أنا.
تجمدت.
وفي تلك اللحظة فقط أدركت أن الأمر ليس مجرد صورة غريبة.
بل شيء ينظر إلى العالم من داخلها.
وأنه ربما…
يعرف أنني أراقبه.
وفجأة اهتزت الغرفة.
سقطت الصورة من يدي.
وعندما انحنيت لالتقاطها…
وجدت أن الرجل لم يعد ينظر إليّ.
بل كتب شيئًا جديدًا داخل الصورة.
كلمة واحدة فقط.
“أخيرًا.”
كلمة واحدة فقط كانت كافية لتقلب كل شيء رأيته سابقًا.
“أخيرًا.”
لم تكن مكتوبة بخط يد عادي.
بل كانت جزءًا من الصورة نفسها، وكأنها لم تُكتب بل وُلدت داخلها.
جلست على طرف السرير في الفندق، أحدق في الورقة المطبوعة أمامي دون أن أجرؤ على لمسها مرة أخرى.
لأن المشكلة لم تعد في الرجل.
المشكلة أصبحت في أن الصورة بدأت تتفاعل معي.
وهو ما لا يحدث في العالم الطبيعي.
على الأقل… ليس في عالمي.
حاولت أن أتماسك.
أعدت تشغيل المنطق في رأسي كعادتي.
احتمالات فوتوشوب.
طباعة معيبة.
تأثير ضوئي.
أي شيء يمكن أن يفسر ما يحدث.
لكن كل تفسير كان ينهار فورًا أمام سؤال واحد:
كيف عرف الرجل أنني أراقبه؟
أخرجت هاتفي.
فتحت الصورة مرة أخرى.
كان ما يزال هناك.
واقفًا في نفس المكان.
لكن هذه المرة لم أركز على الخلفية أو الأشخاص الآخرين.
ركزت عليه هو فقط.
كانت ملامحه هادئة بشكل مزعج.
ليس هدوء شخص عادي.
بل هدوء شخص لا يخاف من شيء… لأنه يعرف النهاية مسبقًا.
وفجأة…
حدث ما لم أتوقعه.
اهتزت الصورة على شاشة الهاتف.
ليس اهتزازًا تقنيًا.
بل كأنها تنبض.
ثم اختفى باقي الأشخاص في الصورة للحظة.
وبقي هو فقط.
ثم ظهرت جملة جديدة أسفل الصورة:
“أنت متأخر قليلًا يا مصطفى.”
أسقطت الهاتف من يدي.
وقع على السرير بدل أن يسقط على الأرض.
لكن ذلك لم يكن مهمًا.
لأنني لم أكن متأكدًا إن كان ما رأيته حقيقيًا أم أن عقلي بدأ يتعب.
التقطت الهاتف ببطء.
عدت إلى الصورة.
كانت عادية الآن.
لا نصوص.
لا تغيرات.
فقط صورة جماعية ثابتة.
لكنني كنت قد تعلمت درسًا مهمًا في القضايا السابقة.
في هذا النوع من الظواهر…
الصمت لا يعني النهاية.
بل يعني أن شيئًا ما يستعد للظهور من جديد.
في الصباح التالي قررت العودة إلى المصدر الأول.
صديقي الذي أرسل الصورة.
اتصلت به.
لكن الهاتف كان مغلقًا.
أعدت الاتصال مرة أخرى بعد ساعة.
نفس النتيجة.
رسالة واحدة فقط:
“الرقم غير متاح حاليًا.”
بدأ القلق يتسلل إليّ بشكل حقيقي.
لأن اختفاءه لم يكن منطقيًا.
هو الذي أرسل لي الصورة.
وهو الذي كان يرى تغيّرها.
لكن الآن…
كأنه لم يعد موجودًا أصلًا.
قررت الذهاب إلى عنوانه.
استغرقت الرحلة ساعة تقريبًا.
وصلت إلى العمارة التي يسكن فيها.
طرقت الباب.
لم يجب أحد.
انتظرت.
ثم طرقت مرة أخرى.
فتح الباب جارٌ مسنّ.
نظر إليّ باستغراب.
قلت له:
“أبحث عن الشخص الذي يسكن هنا.”
نظر إليّ طويلًا.
ثم قال جملة أربكتني:
“أي شخص؟”
أعدت الوصف.
نفس الجواب.
“لا أحد يسكن هنا منذ سنوات.”
توقفت.
ثم أخرجت الهاتف بسرعة.
وأريته صورة صديقي في جهات الاتصال.
نظر إليها الرجل.
ثم هز رأسه ببطء.
“هذا الوجه… غريب.”
“لكنني متأكد أنه لم يسكن هنا أبدًا.”
شعرت أن الأرض أصبحت غير ثابتة تحت قدمي.
عدت إلى السيارة.
وجلست لدقائق دون حركة.
الآن الصورة بدأت تتوسع.
لم يعد الأمر متعلقًا بالرجل الغامض فقط.
بل بكل من حوله.
وكأن وجوده يمحو أثر الآخرين معه.
في تلك اللحظة رن هاتفي.
رقم مجهول.
ترددت قبل الرد.
ثم ضغطت على زر الإجابة.
صمت.
ثم صوت منخفض جدًا.
لكنني عرفته فورًا.
صوته.
الرجل داخل الصورة.
قال:
“أنت تبحث كثيرًا يا مصطفى.”
تجمدت.
لم أجب.
أكمل:
“وهذا يجعل الأمور… أسهل بالنسبة لي.”
سألته بصوت منخفض:
“من أنت؟”
ضحك بخفة.
ضحكة قصيرة لا تشبه البشر.
ثم قال:
“أنا المشكلة التي لا يمكن تصويرها… دون أن تفقد الصورة معناها.”
“أنا ما يحدث عندما تحاول الكاميرا حفظ شيء… لا يريد أن يُحفظ.”
لم أفهم كلامه.
لكنني شعرت بالخطر.
قلت:
“ماذا تريد؟”
ساد صمت قصير.
ثم قال:
“أنت الوحيد الذي ما زال يتذكرني كما أنا.”
“وهذا خطأ يجب تصحيحه.”
قبل أن أسأله ماذا يقصد…
انقطع الاتصال.
وقبل أن أضع الهاتف…
وصلتني صورة جديدة.
لكن هذه المرة لم تكن من صديقي.
ولا من أي جهة أعرفها.
كانت نفس الصورة القديمة.
نفس الحفل.
لكن…
هذه المرة كنت أنا داخلها.
واقفًا في الخلف.
أنظر نحو الكاميرا.
لكن المشكلة ليست هنا.
المشكلة أنني…
لم أكن أتذكر أنني كنت في ذلك المكان أصلًا.
حدقت في الصورة.
وقلت بصوت منخفض:
“هذا مستحيل…”
وفجأة…
اختفى اسمي من قائمة جهات الاتصال.
ثم ظهر إشعار على الهاتف:
“جهة الاتصال غير موجودة.”
رفعت رأسي ببطء.
نظرت إلى الغرفة من حولي.
وشعرت لأول مرة في حياتي…
أنني قد أكون داخل صورة لا أعرف كيف خرجت منها.
وفي تلك اللحظة…
سمعت صوتًا خلفي.
هادئًا.
قريبًا جدًا.
يقول:
“الآن… بدأنا نتذكر بعضنا بشكل صحيح.”
لم أستدر فورًا.
ليس لأنني شجاع.
بل لأنني كنت أعرف أن أي حركة خاطئة في تلك اللحظة قد تغيّر شيئًا لا يمكن إصلاحه.
الصوت خلفي كان هادئًا جدًا.
هادئًا لدرجة أنه لم يكن يشبه التهديد… بل يشبه الحقيقة عندما تقرر أن تُقال أخيرًا.
“الآن… بدأنا نتذكر بعضنا بشكل صحيح.”
توقفت أنفاسي للحظة.
ثم استدرت ببطء شديد.
الغرفة كانت كما هي.
السرير.
الطاولة.
الهاتف على الأرض.
لكن…
لا أحد.
أو على الأقل… لا أحد يمكنني رؤيته.
شعرت بشيء غريب.
ليس خوفًا تقليديًا.
بل إحساس أن الفراغ نفسه يراقبني.
اقتربت من النافذة.
الشارع في الأسفل كان طبيعيًا.
الناس يتحركون.
السيارات تمر.
كل شيء يبدو عاديًا بشكل مزعج.
كأن العالم يتظاهر بأنه لم يحدث شيء.
لكنني كنت أعلم أن شيئًا قد تغير بالفعل.
عدت إلى الهاتف.
فتحته.
الصورة ما تزال هناك.
أنا داخلها.
واقف في الخلف.
أنظر مباشرة إلى الكاميرا.
لكن هذه المرة…
لاحظت شيئًا جديدًا.
الرجل الذي كنت أطارده في هذه القضية لم يعد في الصورة.
كأنه انسحب من الإطار عمدًا.
تركني وحدي.
وهذا كان أسوأ من ظهوره.
لأنه يعني أنه لم يعد بحاجة للاختباء.
حاولت الاتصال بصديقي مرة أخرى رغم أنني كنت أعلم النتيجة مسبقًا.
“الرقم غير متاح.”
نفس الجملة.
لكن هذه المرة لم أشعر بالصدمة.
بل شعرت بالتصديق.
وكأن العالم يثبت لي ببطء أن كل شيء كان هشًا منذ البداية.
جلست على طرف السرير.
وأغمضت عيني للحظة.
ثم سمعت الصوت مرة أخرى.
لكن ليس خلفي هذه المرة.
بل داخل رأسي تقريبًا.
“أنت تفهم الآن، أليس كذلك؟”
فتحت عيني فورًا.
قلت بصوت منخفض:
“ماذا تريد مني؟”
جاء الرد مباشرة، بدون اتجاه واضح:
“لا شيء منك… بل منك كما كنت.”
وقبل أن أستوعب الجملة…
اهتز الهاتف.
ثم ظهرت الصورة من جديد.
لكن هذه المرة لم تكن صورة واحدة.
بل عدة نسخ.
نسخ مختلفة من نفس المشهد.
في كل واحدة منها…
كان هناك تغيير صغير.
في الأولى: أنا أبتسم.
في الثانية: ألتفت للخلف.
في الثالثة: أختفي تمامًا.
وفي الرابعة…
لم يكن هناك أي صورة أصلًا.
شعرت أن عقلي يبدأ في الانقسام.
قلت بصوت مرتجف:
“ما الذي يحدث؟”
جاء الصوت مرة أخرى.
هادئ.
بارد.
كأنه يشرح شيئًا بسيطًا جدًا:
“الصورة لا تكذب يا مصطفى.”
“هي فقط تختار أي نسخة من الحقيقة تريد الاحتفاظ بها.”
ثم سكت.
ثم أضاف:
“وأنت… كنت دائمًا جزءًا من نسخة لا يجب أن تبقى.”
وقبل أن أرد…
بدأ الهاتف يعرض صورًا من حياتي.
ليس صورًا التقطتها.
بل صورًا لم أكن أعرف أنها موجودة أصلًا.
أنا في أماكن لا أتذكرها.
مع أشخاص لا أتذكر وجوههم.
في مواقف لا تذكرني بشيء.
لكنها تبدو حقيقية أكثر من أي ذكرى أملكها.
بدأت أتنفس بسرعة.
قلت:
“هذا ليس حقيقيًا…”
جاء الرد الأخير:
“كل ما يتم تصويره يصبح حقيقيًا بما يكفي ليؤثر عليك.”
ثم فجأة…
انقطعت الإضاءة في الغرفة.
ظلام كامل.
لم يبقَ سوى ضوء الهاتف.
ثم ظهرت صورة واحدة فقط.
نفس الصورة القديمة.
لكن هذه المرة…
لم أكن داخلها.
ولم يكن الرجل موجودًا أيضًا.
كانت الصورة فارغة تقريبًا.
ثم بدأ شيء غريب يحدث.
بدأت الوجوه في الصورة تظهر ببطء.
واحدة تلو الأخرى.
كأن الصورة تعيد بناء نفسها.
لكن ليس من الماضي…
بل من الذاكرة.
وفجأة…
ظهر هو.
الرجل.
لكن ليس داخل الصورة فقط.
بل أمامي في الغرفة.
ليس بشكل واضح.
بل كأن وجوده غير مكتمل.
كأن الكاميرا حاولت تصويره لكنه رفض الاكتمال.
نظر إليّ.
وقال:
“هذه هي المشكلة يا مصطفى.”
“كل مرة تحاول أن تتذكرني… أصبح أكثر وضوحًا.”
“وكلما أصبحت أكثر وضوحًا… بدأ الآخرون يختفون.”
شعرت أن الهواء أصبح أثقل.
قلت بصوت منخفض:
“ما أنت؟”
اقترب خطوة.
ثم قال:
“أنا ما يحدث عندما يحاول العالم حفظ شيء لا يريد أن يكون محفوظًا.”
“أنا الخطأ الذي تكرر حتى أصبح نظامًا.”
صمت قليلًا.
ثم أضاف:
“وأنت كنت آخر من رآني كما أنا.”
“الآن… يجب أن تختار.”
نظرت إليه.
“أختار ماذا؟”
ابتسم لأول مرة.
ابتسامة لم تكن مريحة.
بل كانت نهائية.
وقال:
“إما أن تتذكرني كما أنا…”
“أو تنساني كما ينبغي.”
في تلك اللحظة…
بدأت الصورة على الهاتف تتشقق.
خطوط بيضاء.
ثم سوداء.
ثم اختفت.
ومعها بدأ كل شيء في الغرفة يتلاشى.
الطاولة.
النافذة.
الجدران.
كأن المكان كله كان مجرد نسخة مؤقتة من صورة بدأت تنتهي صلاحيتها.
وقبل أن يختفي كل شيء…
سمعته يقول بصوت منخفض جدًا:
“شكرًا لأنك جعلتني موجودًا… ولو للحظة.”
ثم…
ظلام.
استيقظت على ضوء الشمس.
في مكان لا أعرفه.
أو ربما أعرفه لكنني لا أتذكر كيف وصلت إليه.
فتحت هاتفي.
لا صور.
لا رسائل.
لا جهات اتصال.
كل شيء فارغ.
حتى اسمي في الجهاز… كان مفقودًا للحظة قبل أن يعود ببطء.
جلست بصمت.
أحاول أن أقرر شيئًا بسيطًا جدًا:
هل انتهت القصة؟
أم أنني فقط… خرجت من الصورة؟
نهاية القضية
