آخر ساحر في عالم نسي السحر الجزء الاؤل

الجزء الأول: الحفيد الذي أيقظ الرماد

(قصة خيالية بحتة من نسج الفانتازيا الملحمية)

عالمٌ نسي لونه الأصلي

منذ ثلاثمئة عام تقريبًا، حدث ما يُعرف في كتب التاريخ المنسية بـ”الصمت الكبير”: اللحظة التي توقف فيها السحر عن التدفق في عروق العالم، دون سابق إنذار، ودون أن يعرف أحد سببًا حقيقيًا لذلك الانطفاء المفاجئ. تحولت الممالك السحرية إلى قرى عادية، وذبلت الأشجار المتوهجة، وفقد الناس تدريجيًا حتى ذاكرتهم الجمعية عن زمنٍ كانت فيه الكلمات وحدها قادرة على تحريك الجبال.

في كوخ منعزل على أطراف غابة “إيرثورن”، حيث لا تصل إليه طرق مُعبّدة ولا يزوره أحد إلا نادرًا، عاش الساحر العجوز “أورين فيثرستون”، آخر من تبقى من نسل السحرة الأصليين، يحمل في عروقه بقايا قوة كانت يومًا تهزّ العالم، لكنها الآن أشبه بجمرة خافتة تحت رماد كثيف من الزمن والوحدة.

عاش أورين حياته الأخيرة في عزلة اختارها بنفسه، بعد أن فقد كل من أحب: زوجته التي رحلت منذ عقود، وابنته الوحيدة “إيلارا” التي غادرت الكوخ في شبابها، رافضة إرث السحر الذي رأته لعنة أكثر منه هبة، بعد أن شهدت بعينيها كيف دمّر السحر حياة والدتها ببطء.

طرقٌ غير متوقع على باب الكوخ

في صباح خريفي بارد، بينما كان أورين يرتب أعشابه الجافة على رفوف خشبية متآكلة، سمع طرقًا مترددًا على باب كوخه، صوتًا لم يسمع مثله منذ سنوات طويلة. فتح الباب بحذر شديد، ليجد أمامه فتى في الثالثة عشرة من عمره تقريبًا، ملابسه ممزقة من رحلة طويلة، ووجهه يحمل ملامح مألوفة أيقظت في صدر أورين ذكرى مؤلمة نائمة.

قال الفتى بصوت متعب ومرتجف: “هل أنت أورين فيثرستون؟ أمي… أمي أرسلتني إليك قبل أن تموت.”

شعر أورين بقلبه يتوقف للحظة، وسأل بصوت يكاد لا يخرج: “من أمك، يا بني؟”

أجاب الفتى بدموع بدأت تنهمر أخيرًا بعد كتمانٍ طويل: “إيلارا. اسمي كايدن، وأنتَ جدّي.”

عبء إرثٍ لم يُطلب

استقبل أورين حفيده بيدين مرتجفتين، ممزوجتين بمشاعر متناقضة: فرحة عارمة بلقاء دم من دمه بعد عقود من الوحدة القاتلة، وحزن عميق على خبر وفاة ابنته التي لم يتصالح معها قبل رحيلها. جلس مع كايدن أمام الموقد، يستمع لقصته: مرض والدته المفاجئ، وفاتها الهادئة، ووصيتها الأخيرة التي طلبت منه السفر وحيدًا نحو هذا الكوخ المنعزل، حاملًا خريطة قديمة رسمتها بيدها قبل رحيلها.

سأل كايدن بفضول ممزوج بحذر: “أمي كانت تخبرني أحيانًا حكايات غريبة عنك، عن قوى لم أفهمها قط. هل كانت هذه مجرد قصص لتنويمي، أم أن هناك شيئًا حقيقيًا وراءها؟”

تردد أورين طويلًا قبل أن يجيب، مدركًا أن هذه اللحظة قد تكون فرصته الأخيرة لتصحيح خطأ ارتكبه مع ابنته: إخفاء الحقيقة عنها خوفًا من تكرار مأساة زوجته. قال أخيرًا بصوت حازم: “كل ما أخبرتك به أمك كان حقيقيًا يا كايدن. أنا آخر ساحر حقيقي تبقى في هذا العالم، وأنت… تحمل في دمك بقايا هذا الإرث، سواء أردت ذلك أم لا.”

أول شرارة تكشف الحقيقة

في تلك الليلة، وبينما كان كايدن يستعد للنوم على سرير مؤقت أعده له جده في زاوية الكوخ، لاحظ أورين شيئًا غريبًا: الشمعة الموضوعة بجانب سرير الفتى بدأت تتوهج بلون أزرق خافت غير طبيعي، دون أن يلمسها أحد، متزامنة بشكل غريب مع أحلام كايدن المضطربة.

اقترب أورين بحذر شديد، وضع يده فوق يد حفيده النائم، وشعر بشيء لم يشعر به منذ عقود طويلة: نبضة سحرية حقيقية، خافتة لكنها موجودة بلا شك، تسري في دم هذا الفتى الصغير الذي لا يعلم شيئًا عن طبيعته الحقيقية.

في صباح اليوم التالي، وبينما كان كايدن يتناول إفطاره البسيط، سأله أورين مباشرة: “هل شعرت يومًا بأشياء غريبة تحدث حولك؟ أشياء لا تستطيع تفسيرها؟”

فكّر كايدن للحظة، ثم أجاب بتردد: “أحيانًا… حين أكون غاضبًا جدًا أو خائفًا، تهتز الأشياء من حولي قليلًا، أو تنطفئ الأضواء فجأة. أمي كانت تقول لي دومًا ألا أخبر أحدًا بهذا، وأن أتظاهر بأنه مجرد خيال.”

ابتسم أورين ابتسامة حزينة مليئة بالفخر في آن واحد، وقال: “إيلارا حاولت حمايتك من إرثٍ خافته طوال حياتها. لكن السحر يا بني ليس لعنة كما ظنت أمك، بل مسؤولية عظيمة يمكن أن تكون نعمة حقيقية إن تعلمت التحكم بها بحكمة.”

قرارٌ يغيّر مصير العالم

جلس أورين صامتًا لدقائق طويلة، يزن قرارًا ثقيلًا يدرك تمامًا حجم مسؤوليته. فمنذ “الصمت الكبير”، أقسم على نفسه ألا يُعلّم أحدًا فنون السحر مجددًا، خوفًا من تكرار الأخطاء القديمة التي ربما تسببت أصلًا في ذلك الانطفاء الغامض للسحر من العالم. لكنه الآن يواجه حقيقة لا مفر منها: حفيده يحمل قوة حقيقية متنامية، ستظهر عاجلًا أم آجلًا، سواء دُرّبت بحكمة أو تُركت بلا ضبط لتتحول إلى خطر حقيقي على الفتى ومن حوله.

نظر أورين إلى عيني كايدن مباشرة، وقال بصوت حازم يحمل ثقل قرار مصيري: “سأعلّمك يا كايدن. سأعلّمك كل ما أعرفه عن السحر، ليس لأنني أريد إحياء عالمٍ فقد بريقه، بل لأنني أدين لك، ولأمك، بألا أكرر خطأ الصمت والإخفاء الذي فرّق بيننا جميعًا.”

أومأ كايدن برأسه بحماس ممزوج بخوف من المجهول، وسأل بصوت متحمس: “من أين نبدأ؟”

ابتسم أورين، ونهض متجهًا نحو رفٍ خشبي قديم في زاوية الكوخ، أزاح عنه طبقة كثيفة من الغبار المتراكم منذ عقود، ليكشف عن كتابٍ جلديٍ عتيق، نُقشت على غلافه رموز متوهجة بدأت تستجيب لوجود كايدن في الغرفة، وكأنها كانت تنتظر بصبرٍ هذه اللحظة بالتحديد.

قال أورين وهو يفتح الكتاب بحذر شديد: “نبدأ من حيث بدأ كل ساحرٍ حقيقي قبلك: بفهم أن السحر ليس قوة تُستخدم، بل مسؤولية تُحترم. وأول درسٍ يا كايدن، هو أن أخطر أنواع السحر ليس ما يخرج من يديك، بل ما يبقى محبوسًا في صدرك دون أن تفهمه.”

وبينما كانت الشمس تتسلل عبر نوافذ الكوخ الصغيرة، جلس الجد وحفيده معًا لأول مرة، يبدآن رحلة لن تُغيّر مصير كايدن وحده، بل قد تكون بداية إيقاظ سحرٍ ظنّ العالم بأكمله أنه ماتَ إلى الأبد.

طقوس الصباح الأولى

بدأت الأيام التالية تأخذ إيقاعًا جديدًا في الكوخ المنعزل، إيقاعًا لم يعرفه أورين منذ عقود طويلة. كل صباح، قبل شروق الشمس بقليل، كان يوقظ حفيده كايدن ليبدآ درسهما الأول: ليس تعويذات معقدة أو طلاسم مبهرة كما تخيل الفتى في البداية، بل تمارين بسيطة للتنفس والتركيز، أقرب لطقوس تأمل صامتة منها لسحر حقيقي.

قال أورين في صباح اليوم الثالث، وهو يجلس متربعًا أمام النار الخافتة: “السحر الحقيقي يا كايدن لا يبدأ من يديك، بل من هدوء عقلك. أي ساحر يحاول استحضار قوته وهو غاضب أو خائف، يخاطر بأن تتحول هذه القوة إلى شيء لا يستطيع السيطرة عليه.”

تنهد كايدن بضيق خفيف، وقال: “لكنني أريد أن أرى شيئًا حقيقيًا يحدث! مضت ثلاثة أيام ولم أفعل سوى الجلوس والتنفس.”

ابتسم أورين بتفهم، متذكرًا حماسه الخاص في بداياته منذ عقود بعيدة، وقال: “الصبر يا بني هو أول تعويذة حقيقية يتعلمها كل ساحر. لكن… ربما حان وقت خطوة صغيرة أخرى اليوم.”

أول شرارة يتحكم بها

أخرج أورين من جيب ردائه القديم حجرًا صغيرًا رماديًا، بلا أي ملامح خاصة ظاهرة، ووضعه أمام كايدن، وقال: “ركّز نظرك على هذا الحجر. لا تحاول تحريكه بقوة أو غضب، بل تخيل فقط أنك تطلب منه، بلطف، أن يرتفع قليلًا عن الأرض.”

جلس كايدن، محاولًا تجاهل توتره المتصاعد، وركّز عينيه على الحجر الرمادي الصغير. مرت دقائق طويلة دون أي نتيجة ظاهرة، حتى بدأ الفتى يشعر بإحباط متصاعد. لكن فجأة، وبينما كان على وشك الاستسلام، ارتجف الحجر بخفة، ثم ارتفع ببطء شديد عن سطح الطاولة الخشبية، بمقدار إصبعين فقط، قبل أن يسقط مجددًا بصوت خافت.

اتسعت عينا كايدن دهشة، وصرخ بفرح غامر: “رأيت ذلك! هل رأيته يا جدي؟”

ابتسم أورين بفخر عميق، وقال: “رأيته بوضوح تام. هذه بداية حقيقية يا كايدن، أفضل بكثير مما توقعت في هذه المرحلة المبكرة.”

زائرٌ غير مرغوب فيه

بعد ظهر ذلك اليوم، وبينما كان أورين يُعِدّ الشاي لكايدن بعد يوم تدريب مرهق، سمعا صوت حوافر خيل تقترب من الكوخ، أمرٌ نادر الحدوث في هذه المنطقة المعزولة تمامًا عن أي طريق مطروق. نظر أورين من النافذة بقلق واضح، وتجمّدت ملامحه فجأة عند رؤية الزائر: رجل طويل يرتدي عباءة داكنة، يمتطي حصانًا أسود، ويحمل على كتفه علامة غريبة منقوشة بلون فضي باهت.

همس أورين لكايدن بصوت متوتر: “اذهب إلى الغرفة الخلفية فورًا، واختبئ هناك حتى أناديك. لا تخرج مهما سمعت.”

أطاع كايدن على مضض، مختبئًا خلف كومة من الصناديق الخشبية القديمة، بينما فتح أورين الباب ليواجه زائره بهدوء ظاهري يخفي توترًا حقيقيًا. قال الرجل الغريب بصوت بارد: “مضى وقت طويل يا أورين فيثرستون. لم أظن أنني سأشعر بنبضة سحر حقيقية تنبعث من هذا الاتجاه مجددًا بعد كل هذه السنوات.”

هوية الزائر الغامض

عرّف الرجل عن نفسه أخيرًا باسم “مالاكور”، عضو سابق في مجلس الحراس القدامى، الهيئة التي كانت تراقب استخدام السحر قبل “الصمت الكبير” مباشرة، وقد ظنّ الجميع أنها تلاشت تمامًا مع اختفاء السحر نفسه.

قال مالاكور بنبرة تحمل تهديدًا مبطنًا: “نبضة سحرية قوية شعر بها حراسنا المتبقون من مسافة بعيدة قبل يومين. أعرف أنك آخر ساحر حقيقي تبقى، لذا افترضت أن مصدرها أنت. لكن قوتك يا أورين ضعفت كثيرًا عبر السنين، وهذه النبضة كانت… مختلفة. أقوى مما توقعت منك في هذه المرحلة من عمرك.”

شعر أورين بقلبه ينقبض، مدركًا أن مالاكور بدأ يشك في وجود مصدر آخر للسحر، وأن كشف حقيقة كايدن الآن قد يعرّض حفيده لخطر حقيقي لا يعرف طبيعته الكاملة بعد. أجاب بحذر شديد: “ربما كانت مجرد ذكرى قديمة من قوتي حاولت أن تنبض مرة أخيرة قبل أن تخبو تمامًا. أنا أتقدم في العمر يا مالاكور، وربما جسدي يطلق آخر شراراته.”

شكٌّ لا يهدأ

لم يبدُ مالاكور مقتنعًا تمامًا، لكنه لم يُصرّ على الأمر مباشرة، واكتفى بالقول: “احرص على إبلاغ المجلس فورًا إن شعرت بأي نبضة أخرى مشابهة، مهما بدت ضئيلة. فترة الصمت الكبير لم تكن حادثًا عابرًا يا أورين، وأنت تعرف أفضل مني أن هناك أسبابًا حقيقية خلفها، أسبابًا يفضّل المجلس ألا تتكرر.”

بعد رحيل مالاكور أخيرًا، خرج كايدن من مخبئه بوجه شاحب، وسأل جده بصوت مرتجف: “من كان هذا؟ ولماذا كذبت عليه بشأني؟”

جلس أورين بثقل واضح على كرسيه الخشبي، وأجاب بصدق مؤلم: “لأن هناك أشياء عن ماضي هذا العالم، وعن سبب اختفاء السحر منه، لا أزال أجهلها بنفسي يا كايدن. وحتى أفهمها بوضوح أكبر، يجب أن تبقى قوتك سرًا محكمًا، حتى عني نفسي أحيانًا.”

بداية أسئلة أكبر من الدروس

في تلك الليلة، وبينما كان كايدن يستلقي في سريره، غير قادر على النوم بسبب أفكاره المتلاطمة، سأل جده الجالس بجانبه: “هل تعتقد أن اختفاء السحر من العالم له علاقة بشيء فعله هذا المجلس؟ أو حتى… بشيء فعلته أنت؟”

نظر أورين إلى حفيده بصمت طويل مثقل بالذكريات، قبل أن يجيب أخيرًا بصدق نادر: “لا أعرف الإجابة الكاملة يا بني، لكنني أعرف أن والدتك غادرت هذا الكوخ يومًا هاربة من سؤال مشابه تمامًا. ربما حان الوقت أخيرًا لنبحث معًا عن الإجابة التي رفضتُ مواجهتها لسنوات طويلة جدًا.”

وبينما كانت النار تخبو ببطء في الموقد، أدرك كايدن أن رحلته لتعلم السحر لن تكون مجرد دروس هادئة في كوخ معزول، بل بداية طريق أكبر بكثير، طريق قد يقوده لكشف سر اختفاء السحر من العالم بأكمله، وربما سر مصير والدته وأسرارها التي حملتها معها إلى قبرها.

نهاية الجزء الاؤل

اقراء ايضا ……

القارة الثامنة: أرض مخفية يعيش فيها البشر بلا حدود أو حكومات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top