القصة الكاملة لسوق الأرواح.. أخطر صفقة في العالم الخفي

مقدمة

هناك لحظات في الحياة تتمنى لو أنك اتخذت فيها قرارًا مختلفًا.

لحظات صغيرة تبدو عادية في وقتها، لكنها تتحول لاحقًا إلى نقطة فاصلة بين حياتين.

حياة كنت تعرفها.

وحياة أخرى لا تشبه أي شيء عرفته من قبل.

بالنسبة لي، كانت تلك اللحظة عندما قررت أن أسلك طريقًا مختصرًا للعودة إلى المنزل.

اسمي سليم.

وما سأرويه لكم ليس قصة سمعتها من أحد، ولا أسطورة قرأتها في كتاب قديم.

بل شيء عشته بنفسي.

شيء ما زلت حتى اليوم غير متأكد إن كنت قد نجوت منه فعلًا.


بداية ليلة غريبة

في تلك الليلة كنت عائدًا من عملي بعد يوم طويل ومرهق.

كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة مساءً.

الشوارع شبه فارغة، والهواء يحمل برودة غير معتادة رغم أن الصيف لم ينتهِ بعد.

كنت أفكر فقط في الوصول إلى منزلي والنوم.

لكن ازدحام الطريق الرئيسي دفعني إلى اختيار طريق جانبي لم أستخدمه منذ سنوات.

طريق يمر بجوار منطقة قديمة مهجورة تقع عند أطراف المدينة.

لم أكن أعلم أن ذلك القرار البسيط سيغير حياتي إلى الأبد.


الرجل العجوز

بينما كنت أسير، لاحظت رجلاً عجوزًا يقف عند مفترق طريق ضيق.

كان يرتدي عباءة سوداء قديمة ويحمل عصا خشبية طويلة.

لم يكن وجوده غريبًا بحد ذاته.

لكن الطريقة التي كان ينظر بها إليّ جعلتني أشعر بعدم الارتياح.

عندما اقتربت منه، ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:

“هل تبحث عن شيء يا بني؟”

استغربت سؤاله.

قلت:

“لا، أنا فقط عائد إلى منزلي.”

هز رأسه ببطء.

ثم قال جملة لم أفهم معناها وقتها:

“كل من يدخل السوق يقول ذلك في البداية.”

تجمدت للحظة.

“أي سوق؟”

لكن الرجل لم يجب.

بل أشار بعصاه نحو زقاق ضيق خلفه.

وعندما التفت لأرى ما يشير إليه، لم أجد شيئًا.

وعندما عدت بنظري إليه…

اختفى.

تمامًا.

كأنه لم يكن موجودًا أصلًا.


الموسيقى القادمة من العدم

حاولت إقناع نفسي أنني كنت متعبًا.

لكن بعد خطوات قليلة بدأت أسمع شيئًا غريبًا.

موسيقى.

هادئة جدًا.

تشبه عزفًا قديمًا على آلة لا أعرفها.

توقفت.

استمعت جيدًا.

كان الصوت يأتي من نهاية الزقاق الذي أشار إليه الرجل.

كل جزء داخلي كان يخبرني أن أبتعد.

لكن الفضول كان أقوى.

وهكذا بدأت أسير نحو مصدر الموسيقى.


السوق الذي لا يظهر على الخرائط

كلما تقدمت أكثر، ازداد الضوء أمامي.

في البداية ظننت أن هناك احتفالًا أو سوقًا شعبيًا.

لكن عندما وصلت إلى نهاية الزقاق، شعرت أن الأرض اختفت من تحت قدمي.

لأن ما رأيته لم يكن منطقيًا.

خلف الجدار المهجور كانت هناك ساحة ضخمة مضاءة بمئات الفوانيس الذهبية.

صفوف طويلة من الأكشاك.

باعة.

زوار.

وأصوات مئات الأشخاص.

سوق كامل.

لم يكن موجودًا قبل دقائق.

كنت أعرف هذه المنطقة جيدًا.

ولا يوجد فيها أي سوق.

ولا حتى مساحة تسمح بوجود واحد.

ومع ذلك…

كان أمامي الآن.

حقيقيًا بكل تفاصيله.


الدخول إلى سوق الأرواح

وقفت عند المدخل الحجري الضخم.

كان فوقه نقش غريب بلغة لم أرها من قبل.

وعلى جانبيه يقف رجلان طويلان بملابس سوداء.

لم ينظرا إليّ.

ولم يمنعاني من الدخول.

لذلك دخلت.

في البداية بدا كل شيء طبيعيًا.

الناس يتجولون.

التجار يعرضون بضائعهم.

الأطفال يركضون بين الممرات.

لكن بعد دقائق بدأت ألاحظ أشياء غريبة.

أشياء لم تكن تنتمي إلى عالمنا.


البضاعة الأولى

مررت أمام أول متجر.

وكان صاحبه رجلاً قصيرًا ذا لحية بيضاء طويلة.

ابتسم لي وقال:

“هل ترغب في شراء ذكرى سعيدة؟”

ضحكت.

ظننت أنه يمزح.

لكنه أخرج من صندوق زجاجي كرة صغيرة مضيئة.

وفجأة رأيت داخلها مشهدًا لطفل يركض نحو والدته وهو يضحك.

شعرت بموجة غريبة من السعادة اجتاحتني.

كأن الذكرى تخصني أنا.

أعدت الكرة بسرعة.

تراجعت خطوة للخلف.

وقال الرجل:

“لا تقلق، هذه من أجود الذكريات.”

ثم أضاف:

“رخيصة جدًا.”


أشياء لا يمكن بيعها

تابعت السير وأنا أحاول فهم ما يحدث.

لكن الأمر أصبح أغرب.

في متجر آخر رأيت لافتة مكتوبًا عليها:

“سنوات العمر النادرة.”

وفي متجر مجاور:

“الأحلام غير المكتملة.”

ثم:

“الشجاعة.”

“النسيان.”

“الندم.”

لم تكن أسماء مجازية.

بل بضائع حقيقية.

يباع ويشترى كل شيء هنا.

حتى الأشياء التي لا يمكن لمسها.


المرأة ذات العينين الفضيتين

بينما كنت أتجول، اقتربت مني امرأة ترتدي فستانًا داكنًا.

كانت جميلة بشكل غير طبيعي.

لكن عينيها كانتا فضيتين بالكامل.

بلا بؤبؤ.

بلا لون آخر.

قالت بهدوء:

“أنت جديد.”

أومأت برأسي.

ابتسمت.

ثم سألت:

“كم تملك؟”

استغربت السؤال.

“ماذا تقصدين؟”

قالت:

“من روحك.”

شعرت ببرودة تسري في جسدي.

ضحكت بتوتر.

لكنها لم تكن تمزح.


الحقيقة الأولى

اقتربت مني أكثر.

وقالت بصوت منخفض:

“هذه ليست سوقًا عادية يا سليم.”

تجمدت.

لم أخبرها باسمي.

ولم تكن هناك أي طريقة لتعرفه.

تابعت كلامها:

“هنا لا تُستخدم النقود.”

“كل صفقة تُدفع من الروح.”

شعرت أن قلبي توقف للحظة.

ثم أكملت:

“وكل من يدخل السوق يدفع شيئًا… سواء أراد أم لا.”


التاجر الغامض

قررت مغادرة المكان فورًا.

لكن أثناء بحثي عن المخرج، لفت انتباهي متجر صغير في نهاية السوق.

كان مختلفًا عن البقية.

لا توجد فوانيس.

لا زبائن.

ولا لافتة.

فقط رجل يجلس وحيدًا خلف طاولة خشبية.

اقتربت منه.

رفع رأسه ببطء.

وعندما رأيت وجهه شعرت بالصدمة.

لأنه كان يشبهني.

ليس مجرد شبه بسيط.

بل نسخة أكبر سنًا مني.

نفس الملامح.

نفس العينين.

حتى الندبة الصغيرة فوق حاجبي كانت موجودة لديه.

ابتسم وقال:

“كنت أنتظرك.”


الصفقة المستحيلة

تراجعت خطوة إلى الخلف.

لكن الرجل أشار إلى كرسي أمامه.

وقال:

“اجلس يا سليم.”

جلست دون أن أفهم السبب.

وكأن شيئًا خفيًا أجبرني على ذلك.

ثم وضع أمامي صندوقًا أسود صغيرًا.

وقال:

“هذا ما جئت من أجله.”

قلت:

“أنا لم آتِ لشراء شيء.”

ابتسم.

ثم رد:

“كل من يدخل السوق جاء لشراء شيء.”

“حتى لو لم يعرف ذلك بعد.”


ما داخل الصندوق

مددت يدي بتردد.

فتحت الصندوق ببطء.

وفي داخله رأيت شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقي.

رأيت طفولتي.

حرفيًا.

ذكريات كاملة.

لحظات عشتها.

أشخاص أعرفهم.

أحداث لا يمكن لأحد غيري أن يعرفها.

كانت محفوظة داخل الصندوق كأنها سلعة.

كأن حياتي أصبحت بضاعة معروضة للبيع.


النهاية التي غيرت كل شيء

أغلقت الصندوق بسرعة.

وقفت مذعورًا.

لكن الرجل لم يتحرك.

بل قال بهدوء:

“لقد بدأت الصفقة.”

صرخت:

“أي صفقة؟!”

فأجاب:

“الصفقة التي بدأت يوم دخلت السوق.”

ثم نظر مباشرة إلى عيني.

وقال الجملة التي لن أنساها أبدًا:

“بقي سبعة أيام فقط لاسترداد روحك.”

شعرت بأن العالم يدور من حولي.

قبل أن أتمكن من السؤال أو الفهم…

انطفأت جميع الفوانيس في السوق دفعة واحدة.

وغرق المكان كله في الظلام.


نهاية الفصل الأول

في تلك اللحظة أدركت أنني لم أدخل سوقًا غريبًا فقط.

بل دخلت لعبة لا أعرف قوانينها.

لعبة يكون ثمن الخطأ فيها شيئًا أغلى من المال.

شيئًا أغلى من الحياة نفسها.

روحي.

سوق الأرواح: الصفقة التي لم أوقعها

مقدمة

لطالما اعتقدت أن الصفقات تحتاج إلى توقيع.

ورقة.

ختم.

موافقة واضحة.

لكنني اكتشفت لاحقًا أن أخطر الصفقات هي تلك التي تدخلها دون أن تعلم أصلًا أنك أصبحت طرفًا فيها.

في تلك الليلة، وبعد أن قال الرجل الغامض إن أمامي سبعة أيام فقط لاسترداد روحي، انطفأت جميع فوانيس السوق.

وغرق كل شيء في الظلام.

وهنا بدأت الكارثة الحقيقية.


الظلام الذي كان حيًا

في البداية ظننت أن الأمر مجرد انقطاع للإنارة.

لكن بعد ثوانٍ أدركت أن ما يحيط بي ليس ظلامًا طبيعيًا.

كان يتحرك.

كنت أسمع همسات قادمة من كل اتجاه.

أشخاص يتحدثون بلغات غريبة.

ضحكات بعيدة.

وصوت خطوات تدور حولي دون أن أرى أصحابها.

شعرت بأنفاسي تتسارع.

صرخت:

“هل يوجد أحد هنا؟”

لكن صوتي بدا ضعيفًا.

كأنه يُبتلع قبل أن يصل إلى أبعد من متر واحد.


عودة الضوء

فجأة اشتعلت إحدى الفوانيس.

ثم الثانية.

ثم العاشرة.

وخلال لحظات عاد الضوء إلى السوق.

لكن السوق لم يعد كما كان.

كل شيء تغير.

الأكشاك أصبحت مختلفة.

الباعة أنفسهم اختفوا.

والوجوه التي كنت أراها قبل دقائق لم تعد موجودة.

شعرت وكأنني دخلت سوقًا آخر.

أو نسخة أخرى منه.


مطاردة الرجل الذي يشبهني

أول ما خطر ببالي هو العثور على الرجل الذي يشبهني.

كان الوحيد الذي يبدو أنه يعرف ما يحدث.

ركضت نحو المتجر الذي رأيته فيه.

لكن عندما وصلت، وجدت المكان فارغًا.

لا طاولة.

صندوق لا يوجد.

لا أثر لأي شخص.

فقط ورقة صغيرة موضوعة على الأرض.

انحنيت لالتقاطها.

وكان مكتوبًا عليها:

“اليوم الأول.”

لا شيء آخر.

فقط هاتان الكلمتان.


المرأة ذات العينين الفضيتين

بينما كنت أحدق في الورقة، سمعت صوتًا خلفي.

“لقد بدأ العد التنازلي.”

استدرت بسرعة.

كانت المرأة ذات العينين الفضيتين.

تقف خلفي وكأنها كانت تراقبني طوال الوقت.

قلت بعصبية:

“ما الذي يحدث؟”

نظرت إليّ بهدوء وقالت:

“لقد أخذ السوق أول دفعة.”

تجمدت في مكاني.

“أي دفعة؟”

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

ثم قالت:

“هل تتذكر اسم معلمك في المرحلة الابتدائية؟”

أجبت فورًا:

“طبعًا.”

لكنني توقفت.

لأنني لم أتذكر.

حاولت مرة أخرى.

لم أستطع.

الاسم اختفى تمامًا.

كأنه لم يوجد أبدًا.


أول شيء فقدته

شعرت بالذعر.

كنت أتذكر وجه الرجل.

أتذكر الفصل.

أتذكر المدرسة.

لكن اسمه اختفى.

كأن شخصًا محاه من ذاكرتي.

نظرت إليها بخوف.

فقالت:

“كل يوم يأخذ السوق جزءًا منك.”

“ذكرى.”

“شعورًا.”

“موهبة.”

“حلمًا.”

“حتى يكتمل الثمن.”

ابتلعت ريقي بصعوبة.

“وما هو الثمن الكامل؟”

أجابت:

“روحك.”


محاولة الهروب

لم أفكر طويلًا.

ركضت مباشرة نحو المدخل الحجري.

كنت أريد الخروج بأي طريقة.

لكن عندما وصلت إلى المكان الذي دخلت منه…

لم أجد المدخل.

كان هناك جدار حجري ضخم فقط.

لم يكن موجودًا من قبل.

بدأت أبحث في كل الاتجاهات.

لكن السوق أصبح أكبر.

وأعقد.

وكل طريق يؤدي إلى مكان جديد.

كأن السوق يرفض السماح لي بالمغادرة.


التاجر الذي يبيع الوقت

بينما كنت أركض، لفت انتباهي متجر غريب.

فوقه لافتة مكتوب عليها:

“ساعات إضافية للبيع.”

توقفت رغم خوفي.

كان خلف الطاولة رجل نحيف جدًا.

جلده رمادي.

وعيناه سوداوان بالكامل.

قال لي:

“تبدو في حاجة إلى المزيد من الوقت.”

سألته:

“ماذا تقصد؟”

رد:

“أعرف قصتك يا سليم.”

“بقي لديك ستة أيام.”

“يمكنني أن أبيعك سنة كاملة.”


الثمن الجديد

اقتربت منه بحذر.

قلت:

“وماذا تريد مقابلها؟”

ابتسم.

وأشار إلى صدري.

وقال:

“سنة من عمرك مقابل عشر سنوات من ذكرياتك.”

شعرت بالقشعريرة.

حتى هنا لا يوجد شيء مجاني.

كل شيء له ثمن.

حتى الوقت نفسه.


الزبائن الحقيقيون

وأثناء حديثي معه، لاحظت شيئًا مرعبًا.

الناس الذين يتجولون في السوق لم يكونوا جميعًا بشرًا.

بعضهم كان طبيعيًا.

لكن آخرين…

كانوا مختلفين.

أحدهم لم يكن له ظل.

امرأة تمر بجانبي كانت قدماها لا تلامسان الأرض.

رجل عجوز كان يحمل رأسه بين يديه بدلًا من كتفيه.

ومع ذلك، كان الجميع يتصرفون وكأن الأمر طبيعي.

كأنني الوحيد الذي يرى غرابة المشهد.


المزاد الكبير

في منتصف السوق بدأت أجراس ضخمة تدق.

دون سابق إنذار.

توقف الجميع.

ثم بدأوا يتحركون نحو ساحة مركزية.

بدافع الفضول تبعتهم.

وعندما وصلت، رأيت منصة مرتفعة.

وقف فوقها رجل طويل يرتدي قناعًا ذهبيًا.

رفع يده.

فساد الصمت.

ثم قال:

“حان موعد المزاد الليلي.”


السلعة المعروضة

ظننت أنهم سيعرضون شيئًا من الذكريات أو الأحلام.

لكنني كنت مخطئًا.

فتح الرجل صندوقًا زجاجيًا كبيرًا.

وفي داخله…

طفلة صغيرة.

كانت نائمة.

وتبدو حقيقية تمامًا.

ارتجف جسدي.

صرخت:

“ماذا تفعلون؟!”

لكن أحدًا لم يهتم.

بدأ الناس بالمزايدة.

أحدهم عرض عشرين عامًا من حياته.

آخر عرض مئة ذكرى سعيدة.

وثالث عرض موهبة كاملة.

لم أفهم ما يحدث.

حتى سمعت الرجل المقنع يقول:

“هذه الطفلة تمتلك روحًا نادرة.”


الحقيقة المظلمة

شعرت بالغثيان.

هنا لا تُباع الأشياء فقط.

بل البشر أيضًا.

أو أرواحهم.

وفجأة تذكرت كلمات المرأة:

“كل من يدخل السوق يدفع.”

ماذا لو كان جميع الموجودين هنا ضحايا مثلي؟

ماذا لو كانوا قد دخلوا بالصدفة؟

وماذا لو انتهى بهم الأمر كبضائع في المزاد؟


الرسالة الثانية

بينما كنت أحاول استيعاب ما أراه، اصطدم بي طفل صغير.

ثم اختفى بين الحشود.

نظرت إلى يدي.

وجدت ورقة مطوية.

فتحتها بسرعة.

وكان مكتوبًا عليها:

“إذا أردت النجاة… ابحث عن تاجر المرايا.”

أسفل الجملة كان هناك رمز غريب.

نفس الرمز الذي رأيته على الصندوق الأسود.


اسم يتكرر

اقتربت مني المرأة ذات العينين الفضيتين مرة أخرى.

وكأنها تعرف كل خطوة أخطوها.

سألتها بسرعة:

“من هو تاجر المرايا؟”

لأول مرة اختفت ابتسامتها.

وقالت:

“إذا كان قد بحث عنك… فالأمر أسوأ مما توقعت.”

شعرت بقلق أكبر.

“من هو؟”

نظرت حولها قبل أن ترد.

ثم قالت بصوت منخفض:

“إنه الوحيد الذي خرج من السوق وعاد إليه.”


اكتشاف جديد

قبل أن أسألها المزيد، سمعت صوتًا أعرفه جيدًا.

صوت الرجل الذي يشبهني.

جاء من مكان قريب:

“لقد وجد الرسالة.”

التفت بسرعة.

ورأيته يقف عند نهاية الساحة.

ينظر إليّ مباشرة.

لكن هذه المرة لم يكن وحده.

كان يقف أمام متجر ضخم تغطي واجهته مئات المرايا.


النهاية

بدأت الحشود تختفي من حولي.

بدأت أصوات السوق تتلاشى.

وبقي بصري مركزًا على ذلك المتجر.

متجر المرايا.

الرجل الذي يشبهني رفع يده ببطء.

وأشار نحوي.

ثم قال:

“لقد تأخرت كثيرًا يا سليم.”

“وبقي أمامك ستة أيام فقط.”

في تلك اللحظة أدركت أن السوق لا يريد روحي فقط.

بل يريد شيئًا أكبر بكثير.

شيئًا لم أفهمه بعد.

لكنني كنت على وشك اكتشافه.


سوق الأرواح: تاجر المرايا وسر الأرواح المسروقة

مقدمة

عندما رأيت متجر المرايا لأول مرة، شعرت بشيء لم أشعر به منذ دخولي سوق الأرواح.

الخوف.

ليس الخوف من الموت.

ولا الخوف من فقدان روحي.

بل الخوف من معرفة الحقيقة.

لأن الحقيقة أحيانًا تكون أكثر رعبًا من أي كابوس.

وكنت على وشك اكتشاف حقيقة لم يكن ينبغي لي أن أعرفها.


متجر المرايا

وقفت أمام المتجر وأنا أحدق في واجهته.

كانت مئات المرايا تغطي الجدران.

كبيرة وصغيرة.

مستديرة ومستطيلة.

لكن الشيء المرعب لم يكن عددها.

بل انعكاساتها.

كل مرآة كانت تعرض نسخة مختلفة مني.

في واحدة كنت عجوزًا.

وفي أخرى كنت طفلًا.

وفي ثالثة كنت أرتدي ملابس لا أملكها أصلًا.

أما إحدى المرايا…

فلم يظهر فيها انعكاسي مطلقًا.


الرجل الذي يشبهني

كان ينتظرني داخل المتجر.

نفس الرجل الذي رأيته في الجزء الأول.

نسختي الأكبر سنًا.

جلس خلف طاولة خشبية قديمة.

وعندما دخلت، أغلق الباب خلفي دون أن يلمسه.

ثم قال:

“أخيرًا وصلت.”

قلت بحدة:

“من أنت؟”

ابتسم.

وأجاب:

“أنا سليم.”

تجمدت في مكاني.

“هذا اسمي.”

هز رأسه.

“وأنا كنت تحمله قبلك.”


الحقيقة الأولى

لم أفهم شيئًا.

شعرت أن عقلي يرفض استيعاب كلماته.

فقال بهدوء:

“أنا لست شقيقك.”

“ولست والدك.”

“ولست شبحًا.”

ثم أشار إلى إحدى المرايا.

وقال:

“أنا ما ستصبح عليه بعد سبعة أيام.”


رؤية المستقبل

نظرت إلى المرآة.

وفيها رأيت نفسي.

لكنني لم أكن كما أنا الآن.

كنت أكبر بعشرات السنين.

وجهي شاحب.

عيناي مرهقتان.

وملابسي ممزقة.

بدوت كرجل عاش عمرًا كاملًا من العذاب.

شعرت برعشة قوية.

وتراجعت خطوة إلى الخلف.


كيف بدأ سوق الأرواح؟

سألت بصوت مرتجف:

“ما هذا المكان؟”

تنهد الرجل.

ثم قال:

“سوق الأرواح ليس سوقًا.”

“بل فخ.”

“مصيدة عمرها مئات السنين.”

جلس بصمت للحظات قبل أن يكمل:

“كل شخص يدخل هذا المكان يُمنح رغبة.”

“شيئًا يفتقده.”

“فرصة ضائعة.”

“حلمًا مستحيلًا.”

“أو جوابًا يبحث عنه.”

ثم يدفع الثمن من روحه.


السر الذي أخفوه عني

قلت:

“لكنني لم أطلب شيئًا.”

ابتسم بحزن.

ثم قال:

“بلى.”

“لقد طلبت.”

بدأت أتذكر.

في الليلة التي دخلت فيها السوق…

كنت أفكر في حياتي.

في فشلي.

والفرص التي ضاعت مني.

في الأشياء التي تمنيت لو أستطيع تغييرها.

ثم فهمت.

السوق لا يحتاج إلى كلمات.

يكفي أن تتمنى.


الأرواح المسروقة

أخذ الرجل مرآة صغيرة ووضعها أمامي.

وقال:

“انظر.”

نظرت داخلها.

فرأيت آلاف الأشخاص.

رجالًا ونساءً وأطفالًا.

بعضهم يبكي.

والبعض يصرخ.

بعضهم يجلس بصمت.

سألت:

“من هؤلاء؟”

أجاب:

“الأرواح المسروقة.”

شعرت بالصدمة.

كانت الأرواح محتجزة داخل المرايا.

محبوسة بين الحياة والموت.

لا تستطيع المغادرة.


من يملك السوق؟

كان هذا السؤال يدور في رأسي منذ البداية.

لذلك سألته مباشرة:

“من يدير كل هذا؟”

لأول مرة اختفت الابتسامة من وجهه.

وقال:

“التاجر.”

فقط كلمة واحدة.

لكن طريقة نطقها جعلتني أشعر بالخوف.

ثم أكمل:

“لا أحد يعرف اسمه الحقيقي.”

“ولا أحد رأى وجهه.”

“لكنه يملك كل شيء هنا.”


ظهور التاجر

في تلك اللحظة انطفأت الأنوار داخل المتجر.

وتوقفت جميع المرايا عن الحركة.

ساد صمت ثقيل.

ثم ظهر صوت عميق من خلفي.

صوت لم يكن بشريًا.

قال:

“يبدو أنك تخبره بأشياء كثيرة يا سليم.”

شعرت بأن الدم تجمد في عروقي.

استدرت ببطء.

ورأيته.


صاحب السوق

كان طويلًا بشكل غير طبيعي.

يرتدي معطفًا أسود يمتد حتى الأرض.

لكن وجهه…

لم يكن موجودًا.

مكان الوجه كان هناك ضباب أسود يتحرك باستمرار.

كأنه يخفي شيئًا لا يمكن النظر إليه.

شعرت بالخوف لأول مرة منذ دخولي السوق.

خوف حقيقي.


العرض الأخير

نظر إليّ.

وقال:

“ما زال بإمكانك المغادرة.”

شعرت بالأمل.

“كيف؟”

رد:

“صفقة بسيطة.”

ثم مد يده.

فظهر أمامي صندوق زجاجي صغير.

وفي داخله…

والدي.

تجمدت.

كان والدي قد توفي منذ خمس سنوات.

لكنني رأيته بوضوح.

ينظر نحوي.

ويحاول التحدث.


الإغراء

قال التاجر:

“خذ روح والدك.”

“وأعده إلى الحياة.”

كادت قدماي أن تخوناني.

كنت أشتاق إليه كل يوم.

كل يوم.

لكن التاجر أكمل:

“في المقابل…”

“أعطني روحك.”


القرار

لثوانٍ طويلة لم أستطع الكلام.

كان والدي أمامي.

الحلم الذي تمنيته آلاف المرات.

الفرصة المستحيلة.

لكنني تذكرت شيئًا.

كل شيء هنا كذبة.

كل صفقة لها ثمن أكبر مما تبدو عليه.

رفعت رأسي.

ونظرت إلى التاجر.

ثم قلت:

“لا.”


غضب السوق

اهتز المكان كله.

المرايا بدأت تتشقق.

الأرض اهتزت بعنف.

والصوت العميق تحول إلى صراخ.

قال التاجر:

“لم يرفضني أحد من قبل.”

ثم بدأت الأرواح داخل المرايا بالصراخ.

آلاف الأصوات دفعة واحدة.

كأن السوق كله يستيقظ.


كسر المرآة

صرخ الرجل الذي يشبهني:

“اكسر المرآة الرئيسية!”

أشار إلى أكبر مرآة داخل المتجر.

ركضت نحوها.

التاجر حاول إيقافي.

لكن الأرواح بدأت تخرج من المرايا الأخرى.

وتهاجمه.

رفعت كرسيًا خشبيًا.

وضربت المرآة بكل قوتي.

مرة.

ثم ثانية.

ثم ثالثة.

حتى تحطمت.


انهيار السوق

في اللحظة التي تحطمت فيها المرآة، انشق الضوء في كل مكان.

بدأت الأكشاك تختفي.

المباني تتفكك.

والفوانيس تنطفئ.

الأرواح تحررت.

والسوق بدأ ينهار.

سمعت صرخات التاجر تتردد في المكان.

ثم اختفى.


العودة

شعرت بقوة هائلة تسحبني.

ثم فقدت الوعي.

عندما فتحت عيني…

كنت في نفس الزقاق الذي دخلت منه أول مرة.

كانت الشمس تشرق.

والشارع فارغًا.

كأن شيئًا لم يحدث.


النهاية

ظننت أن كل شيء انتهى.

عدت إلى منزلي.

حاولت استعادة حياتي الطبيعية.

لكن بعد أسبوع…

وجدت مرآة صغيرة موضوعة أمام باب شقتي.

لم تكن موجودة من قبل.

وعندما نظرت داخلها…

رأيت التاجر.

يبتسم.

ثم قال:

“الأسواق لا تموت يا سليم.”

“إنها فقط تنتظر زبائن جدد.”

ثم انطفأ انعكاسه.

وبقيت أحدق في المرآة.

وأتساءل…

هل خرجت فعلًا من سوق الأرواح؟

أم أن السوق خرج معي؟

نهاية القصة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top