عالم الأحلام | البوابة السوداء التي فتحت طريقًا إلى عقول البشر

اسمي سليم، ولو أخبرتكم أنني أستطيع الدخول إلى أحلام الآخرين فلن تصدقوني. الحقيقة أنني نفسي لم أصدق الأمر في البداية. ظننت أن ما يحدث مجرد أحلام غريبة أو خيال مفرط بسبب السهر الطويل، لكن مع مرور الوقت أدركت أنني أمتلك قدرة لا يملكها أحد ممن عرفتهم.
ولأنني أحكي هذه القصة بنفسي، سأخبركم بكل شيء منذ البداية.
كانت حياتي عادية إلى حد يبعث على الملل. أعيش في شقة صغيرة في مدينة مزدحمة لا تنام، أعمل من المنزل في تصميم المواقع الإلكترونية، وأقضي أغلب وقتي أمام شاشة الحاسوب. لم أكن بطلًا خارقًا، ولا محققًا عبقريًا، ولا شخصًا يبحث عن المغامرات.
كنت فقط شابًا يحب النوم.
قد يبدو ذلك مضحكًا، لكن النوم كان بالنسبة لي أفضل جزء من اليوم. في الأحلام كنت أرى أماكن لا وجود لها، مدنًا معلقة في السماء، محيطات تتوهج باللون الأزرق، وممرات تمتد إلى ما لا نهاية.
في إحدى الليالي تغير كل شيء.
أتذكر الليلة جيدًا.
كانت الساعة تقترب من الثانية بعد منتصف الليل عندما أغلقت الحاسوب أخيرًا. شعرت بإرهاق شديد، لذلك ألقيت نفسي على السرير دون حتى أن أطفئ المصباح الصغير الموجود بجانب النافذة.
أغمضت عيني.
ثم بدأت أحلم.
في البداية كان الحلم طبيعيًا.
كنت أسير في شارع طويل تحيط به الأشجار من الجانبين. الهواء لطيف، والسماء صافية بشكل غريب. لكن شيئًا ما بدا مختلفًا.
كان كل شيء واضحًا أكثر من المعتاد.
الألوان أكثر حدة.
الأصوات أكثر نقاءً.
حتى خطواتي على الأرض كنت أسمعها بوضوح.
توقفت في منتصف الطريق.
نظرت حولي.
ثم قلت بصوت مرتفع:
“هذا حلم.”
لم أكن أعرف كيف عرفت ذلك، لكنني كنت متأكدًا.
وفجأة حدث شيء لم يحدث لي من قبل.
بدلًا من أن ينهار الحلم أو أستيقظ، أصبح أكثر استقرارًا.
كأن العالم من حولي سمع كلماتي واعترف بها.
ظهرت أمامي بوابة ضخمة سوداء.
لم تكن تشبه أي باب رأيته من قبل.
كانت مرتفعة إلى درجة أنني لم أستطع رؤية نهايتها.
سطحها مغطى بنقوش متحركة تشبه الدخان.
اقتربت منها بحذر.
كل خطوة كنت أخطوها كانت تجعل قلبي ينبض أسرع.
عندما وصلت إلى البوابة، وجدت عليها عبارة واحدة مكتوبة بلغة لا أعرفها.
ورغم ذلك استطعت فهمها.
كان معناها:
“بوابة الأحلام المشتركة.”
ترددت.
ثم مددت يدي.
في اللحظة التي لمست فيها الباب، انفتح ببطء.
ورأيت شيئًا لم أتوقعه أبدًا.
خلف البوابة لم يكن هناك عالم غريب أو مملكة سحرية.
بل كانت هناك غرفة نوم.
غرفة نوم عادية جدًا.
شاب نائم على سريره.
مروحة تدور فوق رأسه.
هاتف موضوع على الطاولة.
وكتاب مفتوح بجانب الوسادة.
وقفت مذهولًا.
لم أفهم ما الذي أراه.
هل كان هذا حلمًا داخل حلم؟
هل كانت الغرفة جزءًا من خيالي؟
اقتربت أكثر.
ثم أدركت الحقيقة.
الشاب لم يكن أنا.
لم أر هذا الشخص من قبل.
لكنه كان يحلم.
وكنت أرى حلمه.
في تلك اللحظة بدأت الغرفة تتلاشى.
وحل محلها مشهد جديد.
أصبحنا داخل ملعب كرة قدم ضخم.
الجماهير تهتف.
الأضواء تلمع.
والشاب نفسه يقف في منتصف الملعب.
كان يرتدي قميص فريق مشهور ويستعد لتسديد ركلة حاسمة.
عندها فهمت.
كنت داخل حلمه.
تراجعت خطوة.
أحسست بدوار شديد.
لكن المفاجأة الحقيقية لم تأتِ بعد.
لأن الشاب التفت فجأة نحوي.
نظر مباشرة إلى عيني.
ثم قال:
“من أنت؟”
تجمدت في مكاني.
كيف رآني؟
هذا حلمه.
أنا مجرد متفرج.
أليس كذلك؟
قبل أن أتمكن من الإجابة، بدأ كل شيء يهتز.
اختفى الملعب.
واختفت الجماهير.
وانفجر المشهد إلى آلاف القطع من الضوء.
ثم استيقظت.
جلست على السرير ألهث.
كانت الساعة الثالثة صباحًا.
نظرت حولي.
غرفتي كما هي.
كل شيء طبيعي.
لكن الشعور لم يكن طبيعيًا أبدًا.
ظللت مستيقظًا حتى الصباح أفكر فيما حدث.
أقنعت نفسي أنه مجرد حلم غريب.
لكن في الليلة التالية حدث الأمر نفسه.
ثم الليلة التي بعدها.
ثم التي بعدها.
كل مرة كنت أعبر البوابة.
وكل مرة كنت أجد نفسي داخل حلم شخص مختلف.
أحيانًا طفل يحلم بأنه بطل خارق.
أحيانًا رجل أعمال يحلم بالفوز بثروة ضخمة.
أحيانًا طالبة تحلم بالحصول على أعلى الدرجات.
كنت أشاهد فقط.
لم أتدخل.
لم أغير شيئًا.
كنت مجرد زائر.
حتى جاءت الليلة التي اكتشفت فيها أنني لست مجرد زائر.
في تلك الليلة دخلت حلم رجل يبدو في الأربعين من عمره.
كان يحلم بأنه يلقي خطابًا أمام مئات الأشخاص.
لكن الحلم لم يكن يسير جيدًا.
كلما حاول التحدث، اختفت الكلمات من فمه.
والجمهور بدأ يضحك عليه.
بدا مرتبكًا وخائفًا.
ثم حدث شيء غريب.
خطرت في بالي فكرة بسيطة.
قلت لنفسي:
“ماذا لو ساعدته؟”
رفعت يدي.
دون أن ألمس أي شيء.
فجأة توقف الضحك.
عاد الهدوء إلى القاعة.
وظهرت أوراق منظمة فوق المنصة.
نظر الرجل إليها بدهشة.
ثم بدأ يتحدث بثقة.
صفق له الجميع.
وانتهى الحلم بطريقة رائعة.
أما أنا فبقيت واقفًا مذهولًا.
لم أصدق ما حدث.
لقد غيرت الحلم.
بإرادتي.
لم أكن مجرد متفرج.
كنت أستطيع التحكم.
في الليالي التالية بدأت أجرب بحذر.
شجرة هنا.
باب هناك.
تغيير بسيط في الطقس.
إضافة شخصية جديدة.
وفي كل مرة كانت التغييرات تنجح.
شيئًا فشيئًا أصبحت أفهم القواعد.
كنت أستطيع الدخول إلى أحلام الآخرين.
وأستطيع تعديلها.
لكن بشرط واحد.
يجب ألا أجبر الحالم على فعل شيء مستحيل بالنسبة لشخصيته.
كأن للأحلام قوانين خفية تحافظ على توازنها.
كلما فهمت تلك القوانين أكثر، أصبحت قدرتي أقوى.
وبعد أسابيع من التجارب، بدأت أفكر في سؤال مختلف.
سؤال أكثر إثارة.
إذا كنت أستطيع تغيير أحلام الناس…
فهل يمكنني الاستفادة من ذلك؟
في البداية رفضت الفكرة.
لكن الفضول كان أقوى.
كنت أرى رجال أعمال يحلمون بمشاريعهم.
وأرى طلابًا يفكرون في اختباراتهم.
وأرى مبتكرين يبحثون عن حلول لمشكلات معقدة.
الأحلام كانت مليئة بالمعلومات.
مليئة بالأفكار.
مليئة بالفرص.
وهنا بدأت أفهم أن البوابة السوداء لم تمنحني مجرد قدرة غريبة.
لقد فتحت أمامي عالمًا كاملًا.
عالمًا لا يعرف أحد بوجوده.
عالمًا يمكن أن يغير حياتي بالكامل.
لكنني لم أكن أعلم أن هناك أسرارًا أكبر تنتظرني خلف تلك البوابة.
ولم أكن أعلم أن شخصًا ما بدأ يراقبني من داخل عالم الأحلام.
شخص لم يكن نائمًا.
وكان يعرف اسمي.
في الليلة التالية لم أستطع التركيز على أي شيء.
أنهيت عملي بسرعة، أغلقت الحاسوب، وأعددت كوبًا من القهوة رغم أنني كنت أخطط للنوم مبكرًا. كنت أفكر طوال الوقت في الجملة الأخيرة التي سمعتها قبل أن أستيقظ.
“كان يعرف اسمي.”
لم يكن الأمر منطقيًا.
كل الأشخاص الذين رأيتهم داخل الأحلام كانوا حالمين عاديين. لم يكونوا يدركون حقيقة ما يجري حولهم إلا بشكل جزئي. بعضهم كان يراني كشخص عابر، وبعضهم لم يلاحظ وجودي أصلًا.
لكن ذلك الشخص كان مختلفًا.
لم أره بوضوح.
لم أعرف شكله.
ومع ذلك شعرت بشيء غريب عندما سمعت صوته.
شعرت وكأنني دخلت منطقة لا أنتمي إليها.
حاولت إقناع نفسي أن ما حدث مجرد جزء من حلم معقد، لكن حدسي أخبرني بعكس ذلك.
ومنذ أن اكتسبت هذه القدرة، تعلمت شيئًا مهمًا.
في عالم الأحلام، الحدس غالبًا لا يكذب.
عند منتصف الليل تمددت على سريري.
أطفأت الأنوار.
وأغمضت عيني.
لم أنتظر طويلًا.
كالعادة ظهر الشارع الطويل.
الأشجار.
الهواء البارد.
الصمت المريح.
ثم ظهرت البوابة السوداء.
كانت تقف في نهاية الطريق وكأنها كانت تنتظرني.
اقتربت منها.
وضعت يدي على سطحها.
وانفتح الباب ببطء.
دخلت.
لكن هذه المرة لم أصل إلى حلم شخص نائم.
وجدت نفسي في مكان لم أره من قبل.
كانت هناك مكتبة هائلة.
رفوف لا نهاية لها.
كتب تمتد إلى الأفق.
سلالم معلقة في الهواء.
ومصابيح ذهبية تضيء المكان بنور دافئ.
وقفت أنظر حولي بدهشة.
لم أر شيئًا كهذا في أي حلم سابق.
عادة كنت أعبر مباشرة إلى أحلام الناس.
أما الآن فكنت في مكان مستقل.
مكان يبدو وكأنه موجود بين الأحلام نفسها.
بدأت أمشي بين الرفوف.
كل كتاب يحمل اسمًا.
أسماء مختلفة.
آلاف الأسماء.
مئات الآلاف.
ثم لاحظت شيئًا غريبًا.
بعض الأسماء مألوفة.
أسماء أشخاص أعرفهم.
اسم جارتي.
اسم معلمي القديم.
اسم صديق من أيام المدرسة.
سحبت أحد الكتب بحذر.
فتحته.
فوجدت داخله مشاهد متحركة بدل الكلمات.
ذكريات.
أحلام.
مواقف.
أفكار.
أغلقت الكتاب بسرعة.
شعرت أنني أتطفل على شيء شخصي جدًا.
في تلك اللحظة سمعت صوتًا خلفي.
“لا أنصحك بقراءة الكثير.”
استدرت فورًا.
كان هناك رجل يقف على بعد أمتار قليلة.
يرتدي معطفًا رماديًا طويلًا.
شعره أبيض.
عيناه داكنتان بشكل غير طبيعي.
والأغرب من ذلك كله أن ملامحه كانت واضحة ومستقرة.
ليست ملامح شخص يحلم.
بل ملامح شخص موجود فعلًا.
نظر إليّ بهدوء.
ثم ابتسم.
“مرحبًا يا سليم.”
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
هو نفسه.
صاحب الصوت.
الشخص الذي عرف اسمي.
قلت بحذر:
“من أنت؟”
رد ببساطة:
“هذا سؤال طويل.”
“كيف تعرف اسمي؟”
ابتسم مرة أخرى.
“وأنت كيف تدخل أحلام الآخرين؟”
لم أجد جوابًا.
كانت نقطة عادلة.
اقترب خطوة.
ثم قال:
“يمكنك مناداتي بالحارس.”
“حارس ماذا؟”
رفع يده مشيرًا إلى المكتبة.
“حارس الممرات.”
لم أفهم شيئًا.
لكنه بدا وكأنه توقع ذلك.
قال:
“في البداية يظن الجميع أن عالم الأحلام مجرد أحلام.”
“أليس كذلك؟”
هززت رأسي.
أكمل:
“ثم يكتشفون أنه أكبر من ذلك بكثير.”
بدأ يسير بين الرفوف.
وتبعته دون أن أشعر.
قال:
“الأحلام ليست خيالًا خالصًا.”
“بل شبكة ضخمة تربط عقول البشر.”
“كل عقل يضيف إليها شيئًا.”
“كل فكرة.”
“كل أمنية.”
“كل خوف.”
“كل ذكرى.”
توقف أمام رف مرتفع.
ثم أضاف:
“وأنت يا سليم دخلت هذه الشبكة بطريقة لا أفهمها حتى الآن.”
هذه المرة شعرت بالفضول أكثر من الخوف.
سألته:
“هل يوجد أشخاص آخرون مثلي؟”
فكر للحظة.
ثم قال:
“قلة قليلة جدًا.”
“وأين هم؟”
“بعضهم اختفى.”
“بعضهم ترك عالم الأحلام.”
“وبعضهم لا يريد أن يُعثر عليه.”
لم تعجبني الإجابة.
لكن قبل أن أسأله أكثر، حدث شيء غريب.
بدأت الأرض تهتز.
في البداية بشكل خفيف.
ثم بقوة أكبر.
اهتزت الرفوف.
تطايرت الكتب.
وانطفأت بعض المصابيح.
نظرت إلى الحارس.
لأول مرة اختفت ابتسامته.
قال بصوت جاد:
“ليس الآن.”
“ما الذي يحدث؟”
رفع رأسه نحو السقف.
ثم قال:
“أحدهم يحاول الدخول.”
“إلى المكتبة؟”
“نعم.”
“ومن هو؟”
نظر إليّ مباشرة.
“هذا ما يقلقني.”
فجأة دوى صوت ضخم في المكان.
كأن بابًا عملاقًا تحطم في مكان بعيد.
ثم بدأ الظلام ينتشر بين الرفوف.
لم يكن ظلامًا عاديًا.
بل أشبه بضباب أسود يتحرك ببطء.
شعرت بقلبي يتسارع.
قلت:
“هل هذا خطر؟”
رد بسرعة:
“بالنسبة لي لا.”
ثم نظر إليّ.
“أما بالنسبة لك…”
وسكت.
وهذا كان كافيًا لإجابتي.
بدأ الضباب يقترب.
وكلما اقترب كانت المصابيح تنطفئ واحدة تلو الأخرى.
الحارس أمسك كتابًا من أحد الرفوف.
ثم فتحه.
فخرج منه ضوء أبيض ساطع.
اندفع الضوء نحو الضباب.
فتراجع جزء منه.
لكن ليس كله.
قال الحارس:
“يبدو أنه أقوى مما توقعت.”
“من هو؟”
“لا أعرف.”
“كيف لا تعرف؟”
“لأنني لم أره من قبل.”
وهنا أدركت أن الأمر خطير فعلًا.
إذا كان هذا الرجل يحرس عالم الأحلام ويعرف أسراره، ومع ذلك لا يعرف ما يهاجم المكتبة، فالمشكلة أكبر مما ظننت.
فجأة ظهر شيء داخل الضباب.
ظل بشري.
طويل جدًا.
نحيل.
يتحرك ببطء.
لم أستطع رؤية وجهه.
لكنني شعرت بأنه ينظر نحوي مباشرة.
ثم سمعته يقول:
“أخيرًا وجدتك.”
تجمدت في مكاني.
كان يخاطبني أنا.
لا الحارس.
أنا.
خطا الظل خطوة إلى الأمام.
ثم أخرى.
وكلما اقترب أصبح الهواء أثقل.
كأن المكان كله يرفض وجوده.
صرخت:
“من أنت؟”
لكن الظل لم يجب.
استمر بالتقدم.
عندها أغلق الحارس الكتاب بعنف.
وانفجر الضوء الأبيض في أرجاء المكتبة.
اختفى الظل.
اختفى الضباب.
وعاد الهدوء فجأة.
لكنني كنت أعرف أن الأمر لم ينته.
تنفست بعمق.
ثم التفت نحو الحارس.
“ما هذا؟”
بقي صامتًا لثوانٍ.
ثم قال:
“أعتقد أن شخصًا ما يبحث عنك.”
“لماذا؟”
“لا أعرف.”
“هذه ليست إجابة مفيدة.”
ضحك للمرة الأولى منذ ظهور الظل.
وقال:
“في عالم الأحلام ستعتاد على ذلك.”
ثم عاد إلى الجدية.
وأضاف:
“لكن هناك أمرًا أعرفه.”
“ما هو؟”
نظر إليّ بعناية.
وقال:
“منذ أن بدأت تستخدم قدرتك، تركت أثرًا.”
“أي أثر؟”
“كل مرة تدخل حلمًا.”
“كل مرة تغير حدثًا.”
“كل مرة تعبث بخيوط الأحلام.”
“أنت ترسل إشارة.”
شعرت بالانزعاج.
“إشارة إلى من؟”
أجاب بهدوء:
“هذا ما سنكتشفه.”
وفي اللحظة التالية بدأت المكتبة تتلاشى.
عرفت أنني أقترب من الاستيقاظ.
آخر ما رأيته كان الحارس واقفًا بين الرفوف.
وآخر ما سمعته منه كان جملة واحدة:
“في المرة القادمة… لا تدخل أول بوابة تراها.”
ثم استيقظت.
فتحت عيني.
كانت الشمس تشرق خلف النافذة.
لكن هذه المرة لم أشعر بالحماس.
ولا بالفضول فقط.
بل شعرت بشيء جديد.
لأول مرة منذ اكتشفت قدرتي…
أدركت أنني لست الوحيد الذي يستطيع التحرك داخل عالم الأحلام.
عندما استيقظت ذلك الصباح، بقيت مستلقيًا على السرير عدة دقائق أحدق في السقف.
كانت كلمات الحارس تدور في رأسي بلا توقف.
“لا تدخل أول بوابة تراها.”
من الواضح أنه كان يحذرني من شيء.
لكن المشكلة أن عالم الأحلام لا يأتي معه دليل استخدام.
كل ليلة كنت أكتشف قاعدة جديدة.
وكل إجابة أحصل عليها كانت تفتح عشرة أسئلة أخرى.
نهضت من السرير وتوجهت إلى المطبخ.
أعددت فطوري المعتاد وجلست أمام النافذة.
كنت أفكر في المكتبة.
في الكتب.
في الظل الغامض.
وفي الرجل الذي أطلق على نفسه اسم الحارس.
لكن أكثر ما شغلني كان شيئًا آخر.
فكرة بسيطة.
فكرة بدأت تكبر داخل رأسي خلال الأسابيع الماضية.
إذا كنت أستطيع رؤية أحلام الناس…
وفهم ما يشغل عقولهم…
وتوجيه أحلامهم نحو أفكار معينة…
فهل يمكنني الاستفادة من ذلك في حياتي اليومية؟
لم تكن الفكرة شريرة كما قد تبدو.
على الأقل هذا ما أقنعت نفسي به.
كنت لا أسرق أحدًا.
ولا أؤذي أحدًا.
كل ما أفعله هو تعديل بعض التفاصيل داخل الأحلام.
مثل شخص يضيف إضاءة أفضل إلى مسرحية.
أو يغير نهاية فيلم ليصبح أكثر متعة.
لكن الحقيقة أن الفضول كان أقوى من أي تبرير.
وفي ذلك اليوم بالذات، سنحت لي أول فرصة حقيقية لاختبار حدود قدرتي.
كنت أعمل على مشروع تصميم موقع إلكتروني لإحدى الشركات الناشئة.
وقد تقدمت بعرض لتنفيذ مشروع أكبر بكثير.
المشكلة أن المنافسة كانت قوية.
هناك عشرات المصممين.
وبعضهم يمتلك خبرة أكبر مني.
لم أكن متأكدًا أنني سأفوز بالعقد.
وقبل موعد إعلان النتائج بيوم واحد فقط، بدأت فكرة مجنونة تتشكل في ذهني.
ماذا لو استطعت رؤية حلم صاحب الشركة؟
ليس للتجسس.
فقط لمعرفة ما الذي يبحث عنه بالضبط.
ثم أقدم عرضًا يناسب احتياجاته أكثر.
كلما فكرت في الأمر بدا أكثر منطقية.
وفي المساء كنت قد اتخذت قراري.
سأجرب.
مرة واحدة فقط.
لأغراض البحث.
هكذا أخبرت نفسي.
وفي منتصف الليل دخلت عالم الأحلام مجددًا.
ظهر الشارع.
ظهرت الأشجار.
ثم ظهرت البوابة السوداء.
لكن هذه المرة تذكرت تحذير الحارس.
لم أندفع نحو أول باب.
بل وقفت أتأمل.
ولأول مرة لاحظت شيئًا غريبًا.
خلف البوابة الرئيسية كانت توجد عشرات البوابات الصغيرة.
لم أرها من قبل.
ربما لأنها لم تكن مرئية إلا عندما أبحث عنها.
كانت معلقة في الهواء مثل نوافذ من الضوء.
كل واحدة تحمل رمزًا مختلفًا.
اقتربت من أقربها.
فظهرت أمامي صور متحركة.
شخص نائم.
ثم حلمه.
ثم طريق يؤدي إليه.
فهمت الفكرة فورًا.
هذه ليست مجرد أبواب.
إنها ممرات.
كل واحد منها يقود إلى حلم مختلف.
بدأت أتنقل بينها.
أراقب الرموز.
وأحاول فهم طريقة عملها.
بعد عدة دقائق استطعت تحديد الباب الذي أبحث عنه.
أو على الأقل الباب الذي ظننت أنه يقود إلى الشخص المطلوب.
لمست المقبض.
وانفتح الممر.
بعد لحظة وجدت نفسي داخل حلم أنيق للغاية.
ناطحات سحاب.
شاشات عملاقة.
مكاتب زجاجية.
وقاعة اجتماعات ضخمة.
ابتسمت.
واضح أنني وصلت إلى حلم رجل أعمال.
وفي وسط القاعة رأيته.
كان يجلس وحده أمام طاولة طويلة.
أوراق كثيرة مبعثرة أمامه.
وعلامات الإرهاق واضحة على وجهه.
بدأت أراقب المشهد بصمت.
شيئًا فشيئًا اتضحت صورة الحلم.
الرجل كان يحاول اتخاذ قرار مهم.
كلما اختار ملفًا معينًا اختفت الطاولة.
ثم تظهر عشرات الطاولات الجديدة.
وكلما حاول التركيز ظهر المزيد من الخيارات.
كان عقله غارقًا في الفوضى.
وفجأة فهمت شيئًا مهمًا.
لم يكن يبحث عن المصمم الأرخص.
ولا عن الأكثر شهرة.
بل عن الشخص الذي يجعل الأمور أبسط.
كانت هذه الفكرة تتكرر في الحلم بأشكال مختلفة.
البساطة.
الوضوح.
السرعة.
ثلاث كلمات فقط.
لكنها كانت كافية.
وهنا خطرت لي فكرة أخرى.
رفعت يدي.
وأجريت تعديلًا صغيرًا جدًا.
اختفت الملفات الكثيرة.
وبقي ملف واحد فقط.
كان أبيض اللون.
نظيفًا.
منظمًا.
سهل القراءة.
نظر الرجل إليه.
ثم ابتسم للمرة الأولى داخل الحلم.
شعرت بتيار غريب يمر في المكان.
كأن الحلم نفسه وافق على التغيير.
بعدها انسحبت فورًا.
لم أرد أن أتمادى.
عندما استيقظت صباح اليوم التالي، كنت أشعر بالذنب قليلًا.
لكنني كنت فضوليًا أكثر.
وفي المساء وصلني بريد إلكتروني.
فتحت الرسالة.
وقرأت أول سطر.
“يسرنا إبلاغك أنه تم اختيار عرضك للمشروع.”
جلست صامتًا.
أعدت قراءة الرسالة ثلاث مرات.
ثم انفجرت ضاحكًا.
نجحت.
لقد نجحت فعلًا.
كانت تلك أول مرة أستخدم فيها قدرتي لتحقيق فائدة مباشرة في حياتي.
ولم تكن الأخيرة.
خلال الأسابيع التالية بدأت أفهم عالم الأحلام أكثر.
كنت أدخل أحلام المبدعين فأشاهد أفكارًا جديدة.
وأزور أحلام المستثمرين لأفهم اتجاهاتهم.
وأراقب أحلام المخترعين والفنانين ورواد الأعمال.
لم أسرق أفكارهم.
لكنني تعلمت منها الكثير.
أكثر مما تعلمته في سنوات كاملة.
وبدأت حياتي تتغير تدريجيًا.
ازدادت أعمالي.
ازدادت فرصي.
وأصبحت أكثر نجاحًا مما كنت أتوقع.
لكن النجاح جلب معه مشكلة جديدة.
شيئًا لم أكن مستعدًا له.
في إحدى الليالي، بينما كنت أتنقل بين الممرات، لاحظت وجود بوابة لم أرها من قبل.
كانت مختلفة عن جميع البوابات الأخرى.
لم تكن مضيئة.
ولا تحمل رمزًا.
ولا تعرض حلمًا خلفها.
كانت سوداء بالكامل.
كأنها قطعة من الظلام الخالص.
تذكرت تحذير الحارس فورًا.
“لا تدخل أول بوابة تراها.”
لكن هذه لم تكن أول بوابة.
بل آخر بوابة.
ورغم ذلك شعرت بأنها أخطرها جميعًا.
اقتربت بحذر.
وعندما أصبحت على بعد خطوات منها فقط…
سمعت صوتًا خلفي.
صوتًا أعرفه جيدًا.
صوت الحارس.
قال بحدة لم أسمعها منه من قبل:
“لا تلمسها.”
استدرت بسرعة.
كان يقف بعيدًا.
وعلى وجهه أول تعبير حقيقي للخوف رأيته منذ عرفته.
قلت:
“ما هذه؟”
أجاب فورًا:
“مشكلة.”
“أي نوع من المشاكل؟”
“النوع الذي لا أريدك أن تقترب منه.”
نظرت إلى البوابة.
ثم عدت أنظر إليه.
“هل هي حلم شخص ما؟”
هز رأسه.
“لا.”
“إذن إلى أين تؤدي؟”
صمت للحظات.
ثم قال:
“إلى مكان لا يفترض أن يكون موجودًا.”
وقبل أن أسأله المزيد…
بدأت البوابة السوداء تتحرك.
ليس الباب.
بل الظلام نفسه.
كأن شيئًا خلفها استيقظ للتو.
وشعرت بذلك الإحساس الذي اختبرته في المكتبة.
الثقل.
البرودة.
المراقبة.
كان هناك شيء في الجهة الأخرى.
شيء يعرف أنني أقف هنا.
شيء ينتظر.
وفي تلك اللحظة أدركت أن كل ما رأيته حتى الآن لم يكن سوى البداية.
نهاية الفصل الأول.
- فندق العودة: الفندق الغامض الذي يعيد الشباب | ملفات ما وراء الطبيعة
- قصص ما وراء الطبيعة: الرجل الذي يختفي من الصور
- قصص ما وراء الطبيعة: الرجل الذي لا يعرف الهزيمة وقوة خارقة تخفي سرًا مرعبًا
- عالم الأحلام | البوابة السوداء التي فتحت طريقًا إلى عقول البشر
- وريث الإمبراطورية المنسية: الهاتف الذي فتح بوابة عالم آخر الفصل 2
