
القضية الثالثة من سلسلة ملفات ما وراء الطبيعة
لم أكن أؤمن بالشائعات.
خلال سنوات عملي كصحفي، سمعت مئات القصص عن الأشباح والكنوز الملعونة والاختفاءات الغامضة. معظمها كان ينتهي بتفسير بسيط، أو خدعة ذكية، أو سوء فهم تضخم مع الوقت.
لكن هناك بعض القصص التي ترفض أن تختفي.
قصص تبقى حية رغم مرور السنوات.
وقصة “فندق العودة” كانت واحدة منها.
وصلتني البداية في ظرف ورقي قديم.
لم يكن عليه عنوان مرسل.
ولا طابع بريد.
ولا أي معلومة تشير إلى مصدره.
في داخله وجدت صورتين فقط.
الصورة الأولى لرجل يقف أمام سيارة قديمة.
على ظهر الصورة تاريخ يعود إلى أكثر من ثلاثين عامًا.
أما الصورة الثانية فكانت حديثة جدًا.
نفس الرجل.
ونفس الملامح.
ونفس الابتسامة.
بل وحتى نفس لون الشعر تقريبًا.
حدقت في الصورتين طويلًا.
في البداية ظننت أن الأمر يتعلق بأب وابنه.
لكن الرسالة القصيرة المرفقة بالصورتين أزالت هذا الاحتمال.
كانت تحتوي على جملة واحدة فقط:
“الرجل في الصورتين هو الشخص نفسه.”
رسالة من طبيب متقاعد
في أسفل الظرف وجدت رقم هاتف.
اتصلت به في اليوم التالي.
جاءني صوت رجل مسن.
هادئ ومتعب.
عرف نفسه باسم الدكتور فؤاد.
طبيب متقاعد يعيش في إحدى المدن الصغيرة.
سألته عن الصور.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قال:
“كنت أتمنى ألا يتصل أحد.”
سألته:
“إذا كنت لا تريد الحديث، فلماذا أرسلت الصور؟”
تنهد طويلًا.
ثم أجاب:
“لأنني لم أعد أستطيع تجاهل ما رأيته.”
خلال الساعة التالية أخبرني قصة غريبة.
قبل ثلاثين عامًا كان يعمل طبيبًا في مستشفى خاص.
أحد مرضاه كان رجل أعمال ثريًا يدعى سامر الجبري.
في ذلك الوقت كان في الخمسين من عمره.
أما قبل أسبوعين فقط…
فقد رآه مجددًا.
بالصدفة.
في محطة وقود.
وكان يبدو في الخمسين أيضًا.
ليس أصغر بقليل.
ولا أكبر بقليل.
بل كما كان تمامًا.
قال الدكتور فؤاد:
“لو تغير شعره أو صوته لفهمت الأمر.”
“لكن الرجل لم يتغير.”
“كأن الزمن توقف عنده.”
بداية التحقيق
عادة لا أتحرك بناء على صورة أو شهادة واحدة.
لكن شيئًا ما في صوت الطبيب جعلني أشعر أن الأمر مختلف.
بدأت البحث عن سامر الجبري.
استغرق الأمر يومين كاملين.
وأخيرًا عثرت على معلومات عنه.
كانت المفاجأة الأولى أن سجلاته متناقضة.
في بعض الوثائق كان عمره اثنين وخمسين عامًا.
وفي وثائق أخرى ستين عامًا.
وفي بعض السجلات لا يوجد تاريخ ميلاد أصلًا.
كأن شخصًا ما كان يعبث بالمعلومات باستمرار.
الأمر ازداد غرابة عندما وجدت صورًا تعود لسنوات مختلفة.
خمس سنوات.
عشر سنوات.
خمسة عشر عامًا.
عشرون عامًا.
والنتيجة نفسها.
لا يوجد تغير واضح.
الرجل لا يشيخ.
على الأقل ليس بالشكل الطبيعي.
اسم يتكرر باستمرار
أثناء البحث لاحظت شيئًا غريبًا.
كلما ظهرت صورة لسامر الجبري في أي مناسبة أو حدث…
ظهر اسم واحد بالقرب منه.
فندق العودة.
في البداية ظننته مجرد فندق فاخر.
لكن كلما تعمقت أكثر اكتشفت أن المكان يحيط به الكثير من الغموض.
الفندق موجود منذ عشرات السنين.
ومع ذلك لا توجد معلومات كثيرة عنه.
لا موقع رسمي.
ولا حملات إعلانية.
لا صور داخلية حديثة.
ورغم ذلك كان يستقبل نزلاء أثرياء باستمرار.
الأغرب أن معظم من زاره مرة…
عاد إليه مرة أخرى.
ثم مرة أخرى.
ثم مرة أخرى.
وكأن المكان يملك قوة جذب لا يمكن مقاومتها.
شهادات يصعب تصديقها
بدأت أتواصل مع أشخاص سبق لهم زيارة الفندق.
معظمهم رفض الحديث.
البعض أغلق الهاتف فور سماع اسم الفندق.
والبعض الآخر أنهى المكالمة بطريقة غريبة.
لكن أحدهم وافق على مقابلتي.
رجل يدعى ناصر.
كان في السبعين من عمره.
أو هكذا أخبرني.
عندما التقيته بدا أصغر بكثير.
جلس أمامي في مقهى هادئ.
وكان يتفحص المكان باستمرار.
كأنه يخشى أن يراقبه أحد.
سألته مباشرة:
“ما سر فندق العودة؟”
ابتسم ابتسامة باهتة.
ثم قال:
“لو أخبرتك فلن تصدقني.”
أجبته:
“جربني.”
نظر إليّ طويلًا.
ثم قال:
“هل تصدق أن الإنسان يمكنه شراء سنوات جديدة من حياته؟”
ضحكت.
ظننت أنه يمزح.
لكنه لم يضحك.
الليلة التي تغير فيها كل شيء
قال ناصر إنه زار الفندق قبل سبع سنوات.
في ذلك الوقت كان يعاني أمراضًا كثيرة.
ضغط الدم.
السكري.
آلام المفاصل.
وكان يشعر أن جسده ينهار تدريجيًا.
لكن بعد إقامة قصيرة هناك…
اختفت معظم مشكلاته الصحية.
تحسنت ذاكرته.
عادت طاقته.
وأصبح يبدو أصغر من عمره الحقيقي.
سألته:
“هل لديك تفسير؟”
هز رأسه.
ثم قال:
“كل ما أعرفه أنني دخلت الفندق رجلًا عجوزًا.”
“وخرجت منه شخصًا مختلفًا.”
قبل أن أغادر سألت سؤالًا أخيرًا:
“هل ستعود إلى الفندق لو أتيحت لك الفرصة؟”
ابتسم.
لكن هذه المرة كانت ابتسامة غريبة.
ثم قال:
“كل من يدخله يعود.”
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
الرحلة إلى الصحراء
بعد أسبوع من جمع المعلومات أصبحت أملك ما يكفي لاتخاذ القرار.
سأذهب بنفسي.
كان الفندق يقع في منطقة صحراوية بعيدة.
بعيدًا عن المدن.
وبعيدًا عن الطرق الرئيسية.
بعيدًا عن كل شيء تقريبًا.
استغرقت الرحلة ساعات طويلة.
كلما اقتربت من الموقع بدأت شبكة الهاتف تضعف.
ثم اختفت تمامًا.
وأخيرًا رأيته.
بناء ضخم يقف وسط الصحراء.
كأنه ظهر من زمن آخر.
واجهته القديمة كانت مضاءة رغم عدم وجود أي مصدر واضح للكهرباء.
أما اللافتة المعدنية فوق المدخل فكانت تحمل اسمًا واحدًا:
“فندق العودة”
توقفت السيارة.
وترجلت ببطء.
شعرت بشيء غريب.
إحساس يصعب وصفه.
كأنني أقف أمام مكان أعرفه منذ سنوات رغم أنني أراه لأول مرة.
الاستقبال الغامض
عندما دخلت الفندق فوجئت بشيء واحد.
الهدوء.
لم يكن هناك ضجيج.
ولا موسيقى.
ولا أصوات نزلاء.
فقط صمت ثقيل يملأ المكان.
خلف مكتب الاستقبال وقف رجل أنيق.
في منتصف العمر تقريبًا.
رحب بي بابتسامة هادئة.
وقال:
“كنا ننتظرك يا أستاذ مصطفى.”
تجمدت في مكاني.
لم أخبر أحدًا أنني قادم.
ولم أحجز غرفة مسبقًا.
سألته:
“كيف عرفت اسمي؟”
ابتسم فقط.
ثم دفع مفتاحًا ذهبيًا فوق الطاولة.
وقال:
“غرفتك جاهزة.”
أخذت المفتاح.
ونظرت إلى الرقم المحفور عليه.
كان رقم الغرفة:
وفي تلك اللحظة تحديدًا…
سمعت صوت ساعة ضخمة تدق في مكان ما داخل الفندق.
دقة واحدة.
ثم أخرى.
ثم أخرى.
وشعرت لأول مرة منذ بداية القضية…
أنني ربما ارتكبت خطأً كبيرًا بالمجيء إلى هنا.
لم أستطع النوم في تلك الليلة.
ربما بسبب الرحلة الطويلة.
أو بسبب الطريقة الغريبة التي رحب بي بها موظف الاستقبال.
لكن السبب الحقيقي كان شعورًا داخليًا لا يفارقني منذ دخولي الفندق.
شعور بأن شيئًا ما يراقبني.
أغلقت باب الغرفة رقم 13.
وضعت حقيبتي قرب السرير.
ثم بدأت أتفحص المكان.
كانت الغرفة فاخرة بشكل غير متوقع.
أثاث كلاسيكي.
ستائر ثقيلة.
سجاد قديم.
ورائحة خفيفة تشبه رائحة الكتب العتيقة.
لكن شيئًا واحدًا لفت انتباهي فورًا.
لم تكن هناك أي مرآة.
بحثت في الحمام.
في الممر الصغير.
خلف الأبواب.
لا شيء.
فندق كامل بهذا المستوى دون مرآة واحدة؟
الأمر لم يكن طبيعيًا.
أول نزيل
في صباح اليوم التالي قررت استكشاف الفندق.
كان أكبر مما يبدو من الخارج.
ممرات طويلة.
قاعات واسعة.
وأبواب كثيرة مغلقة.
لكن ما أثار فضولي حقًا كان النزلاء.
في البداية بدوا عاديين.
رجال أعمال.
متقاعدون.
أشخاص أثرياء.
لكن كلما دققت النظر أكثر…
لاحظت شيئًا غريبًا.
جميعهم يبدون أصغر من أعمارهم الحقيقية.
بعضهم بفارق بسيط.
وبعضهم بفارق كبير جدًا.
جلست في المطعم.
وبدأت أراقب المكان.
عند إحدى الطاولات جلس رجل يبدو في الأربعين من عمره.
لكن عندما تحدث مع النادل سمعته يقول إنه يحتفل بعيد ميلاده الخامس والسبعين.
كدت أختنق بالقهوة.
خمسة وسبعون عامًا؟
كان الأمر مستحيلًا.
ومع ذلك لم يبدُ أن أحدًا في المطعم وجد الأمر غريبًا.
كأن الجميع اعتادوا على ذلك.
صور قديمة
بعد الظهر بدأت أبحث داخل الفندق.
لم أكن أتوقع العثور على شيء مهم.
لكنني كنت مخطئًا.
في نهاية أحد الممرات وجدت قاعة صغيرة مليئة بالصور القديمة.
عشرات الصور معلقة على الجدران.
صور لنزلاء الفندق عبر العقود.
الخمسينيات.
الستينيات.
السبعينيات.
الثمانينيات.
كل شيء بدا طبيعيًا في البداية.
حتى رأيت وجهًا مألوفًا.
سامر الجبري.
الرجل الذي جاءت بسببه القضية كلها.
كانت صورته معلقة في صورة تعود إلى أكثر من ثلاثين عامًا.
لكن المشكلة لم تكن وجوده.
المشكلة أنه بدا بنفس العمر الذي رأيته عليه في الصور الحديثة.
تجمدت أمام الصورة.
ثم بدأت أبحث بسرعة أكبر.
وجدته مرة أخرى.
وفي صورة أخرى.
ثم أخرى.
ثم أخرى.
في كل عقد تقريبًا.
وفي كل مرة…
نفس الوجه.
نفس الملامح.
ونفس العمر تقريبًا.
شعرت بقشعريرة تسري في ظهري.
لقاء غير متوقع
بينما كنت أحدق في الصور سمعت صوتًا خلفي.
“إنها تثير الفضول، أليس كذلك؟”
استدرت بسرعة.
كان رجلًا أنيقًا يرتدي بدلة سوداء.
ابتسامته هادئة.
لكن عينيه كانتا تحملان شيئًا لا أستطيع تفسيره.
مد يده نحوي.
وقال:
“اسمي أمين.”
“مدير الفندق.”
صافحته.
ثم أشرت إلى الصور.
“كيف يمكن لشخص أن يبدو هكذا بعد ثلاثين عامًا؟”
نظر إلى الصورة.
ثم ابتسم.
“بعض الناس يعرفون كيف يعتنون بأنفسهم.”
أجبته:
“وهل يعرف جميع نزلائكم السر نفسه؟”
ضحك بخفة.
لكن ضحكته لم تصل إلى عينيه.
ثم قال:
“في فندق العودة، يحصل الناس على فرصة ثانية.”
قبل أن أسأله المزيد…
استأذن وغادر.
لكنني شعرت أنه لم يجب عن أي شيء.
الساعة التي لا تتوقف
في تلك الليلة استيقظت على صوت غريب.
صوت تكتكة.
منتظمة.
بطيئة.
كأن ساعة ضخمة تعمل في مكان قريب.
نظرت إلى هاتفي.
كانت الساعة الثالثة وثلاث عشرة دقيقة فجرًا.
نفس الوقت تمامًا.
كل ليلة.
سمعت التكتكة مرة أخرى.
ثم مرة أخرى.
ثم بدأت أشعر أنها تأتي من أسفل الفندق.
من الأعماق.
ارتديت ملابسي.
وخرجت من الغرفة.
كان الممر فارغًا.
لكن الصوت كان واضحًا.
كلما تقدمت ازداد قوة.
اتبعت مصدره حتى وصلت إلى باب معدني قديم في نهاية ممر جانبي.
كان الباب مغلقًا.
لكن الضوء كان يتسلل من تحته.
اقتربت أكثر.
وضعت أذني عليه.
وهنا سمعت شيئًا آخر.
همسات.
أصوات أشخاص يتحدثون.
لكن الكلمات لم تكن واضحة.
وفجأة…
سمعت جملة واحدة بوضوح تام.
“تمت إضافة سبع سنوات.”
تراجعت خطوة للخلف.
شعرت بأن قلبي بدأ يخفق بسرعة.
ثم سمعت صوتًا آخر.
“تم خصم سبع سنوات.”
اختفى كل شيء بعدها.
الصمت عاد فجأة.
والضوء انطفأ.
كأن أحدهم علم بوجودي خلف الباب.
الرجل الذي لا يتذكر عمره
في صباح اليوم التالي التقيت بأحد النزلاء في الحديقة الخلفية.
كان رجلًا ودودًا يدعى جلال.
تحدثنا لبعض الوقت.
ثم سألته سؤالًا بسيطًا:
“كم عمرك؟”
ابتسم.
ثم فتح فمه للإجابة.
لكنه توقف.
عبس.
ثم قال:
“في الحقيقة… لا أعرف.”
ظننت أنه يمزح.
لكنه بدا مرتبكًا فعلًا.
بدأ يعد السنوات بصوت منخفض.
ثم توقف.
ثم قال:
“هذا غريب.”
“لم أعد متأكدًا.”
شعرت بأن شيئًا ما ليس طبيعيًا.
أي شخص يعرف عمره.
لكن جلال بدا كمن يحاول تذكر شيء محذوف من ذاكرته.
اكتشاف خطير
في المساء عدت إلى غرفتي.
وأثناء مراجعة الصور التي التقطتها داخل الفندق لاحظت تفصيلًا مرعبًا.
في صورة قاعة الصور القديمة…
ظهر شيء لم أره أثناء التصوير.
في زاوية الصورة كانت هناك لوحة صغيرة.
مكتوب عليها تاريخ.
وتحته أسماء.
وبجانب كل اسم رقم.
لكنها لم تكن أرقام غرف.
كانت أرقام سنوات.
15 سنة.
9 سنوات.
22 سنة.
4 سنوات.
ثم اسم سامر الجبري.
وبجانبه:
31 سنة.
شعرت ببرودة تجتاح جسدي.
بدأت أفهم شيئًا.
شيئًا كنت أرفض تصديقه.
الفندق لا يعيد الشباب من العدم.
الفندق يحصل على السنوات من مكان ما.
الرسالة المجهولة
قبل منتصف الليل بقليل وجدت ورقة أسفل باب غرفتي.
لم أسمع أحدًا يقترب.
ولم أرَ أحدًا في الممر.
التقطتها.
كانت تحتوي على سطر واحد فقط.
“إذا أردت معرفة الحقيقة… انزل إلى القبو الليلة.”
لا توقيع.
ولا اسم.
لا شيء.
لكن ما جعل الدم يتجمد في عروقي…
كان الجملة المكتوبة أسفل الرسالة.
جملة بخط مختلف تمامًا.
كأن شخصًا آخر أضافها لاحقًا.
وكان مكتوبًا:
“لا تدع مدير الفندق يراك.”
رفعت رأسي ببطء.
نظرت إلى باب الغرفة.
ثم إلى الممر المظلم خلفه.
وشعرت أن القضية كلها كانت على وشك أن تنكشف.
لكنني لم أكن أعلم أن الحقيقة ستكون أكثر رعبًا مما تخيلت.
وقفت أمام الرسالة لعدة دقائق.
كانت الكلمات بسيطة، لكن أثرها لم يكن بسيطًا أبدًا.
“إذا أردت معرفة الحقيقة… انزل إلى القبو الليلة.”
ثم الجملة الأخرى:
“لا تدع مدير الفندق يراك.”
طوال عملي في التحقيقات الغامضة تعلمت شيئًا مهمًا:
عندما يحاول شخص مجهول تحذيرك من شيء ما، فهناك سببان فقط.
إما أنه يريد إنقاذك…
أو أنه يقودك إلى فخ.
ومع ذلك، كنت قد وصلت إلى نقطة لم يعد التراجع فيها ممكنًا.
النزول إلى القبو
انتظرت حتى تجاوزت الساعة منتصف الليل.
كان الفندق هادئًا كعادته.
لا أصوات.
ولا حركة.
لا شيء سوى ذلك الصمت الثقيل الذي بدأ يرافقني منذ وصولي.
خرجت من الغرفة رقم 13.
وسرت عبر الممرات المظلمة.
كنت أحفظ الطريق إلى الباب المعدني القديم الذي رأيته في الليلة السابقة.
لكن هذه المرة كان مختلفًا.
كان مفتوحًا.
فتحة صغيرة فقط.
كأن أحدهم تركه عمدًا.
دفعت الباب ببطء.
ونزلت الدرج الحجري خلفه.
كلما نزلت أكثر ازدادت حرارة المكان.
وازداد معها صوت التكتكة.
تلك التكتكة التي كنت أسمعها كل ليلة.
الآن أصبحت عالية وواضحة.
كأن قلبًا عملاقًا ينبض في أعماق الفندق.
القاعة المخفية
انتهى الدرج عند قاعة واسعة تحت الأرض.
وعندما دخلتها توقفت في مكاني.
في منتصف القاعة كانت تقف ساعة ضخمة.
لكنها لم تكن ساعة عادية.
كانت أكبر من أي ساعة رأيتها في حياتي.
ارتفاعها يقارب طابقين.
وتتحرك عقاربها ببطء شديد.
لكن الأمر الأكثر غرابة كان ما يحيط بها.
مئات الألواح المعدنية.
على كل لوحة اسم شخص.
وبجانب كل اسم رقم.
أرقام تشبه تلك التي رأيتها في الصورة.
12 سنة.
8 سنوات.
25 سنة.
3 سنوات.
15 سنة.
أدركت فورًا أنني أمام السر الحقيقي للفندق.
الرجل الغامض
“أخيرًا وصلت.”
جاءني الصوت من خلفي.
استدرت بسرعة.
كان مدير الفندق.
أمين.
يقف بهدوء وكأنه كان ينتظرني.
لم يبدُ غاضبًا.
ولم يبدُ متفاجئًا.
بل بدا مرتاحًا.
كأن كل شيء يسير وفق خطة يعرفها مسبقًا.
قلت:
“ما هذا المكان؟”
نظر إلى الساعة العملاقة.
ثم قال:
“هذا قلب الفندق.”
“وهذا هو السبب الذي يجعل الناس يأتون من جميع أنحاء العالم.”
أشرت إلى الأسماء.
“ماذا تعني هذه الأرقام؟”
ساد الصمت للحظات.
ثم أجاب:
“العمر.”
الحقيقة المرعبة
شعرت بأن جسدي تجمد.
لكن أمين أكمل حديثه بهدوء.
“كل إنسان يملك عددًا محدودًا من السنوات.”
“وهذه الساعة تستطيع نقل تلك السنوات.”
اقترب من إحدى اللوحات.
وأشار إلى اسم رجل أعرفه.
سامر الجبري.
وبجانبه الرقم:
31 سنة.
قال:
“هذا ما حصل عليه.”
ثم أشار إلى أسماء أخرى.
وأضاف:
“كل نزيل هنا جاء بحثًا عن وقت إضافي.”
بدأت أفهم ما كنت أرفض تصديقه.
الفندق لا يصنع الشباب.
الفندق ينقل العمر من شخص إلى آخر.
السؤال الذي غير كل شيء
سألته:
“ومن أين تأتي هذه السنوات؟”
ابتسم لأول مرة.
لكن ابتسامته بدت حزينة.
وقال:
“هذا هو السؤال الذي يسأله الجميع.”
ثم أضاف:
“ولا أحد يحب الإجابة.”
نظر إلى الساعة.
ثم تابع:
“هناك دائمًا أشخاص يفقدون سنوات من حياتهم.”
“وأشخاص آخرون يحصلون عليها.”
“هذه هي القاعدة.”
قلت بغضب:
“إذن أنتم تسرقون أعمار البشر.”
هز رأسه ببطء.
وقال:
“نحن لا نسرق شيئًا.”
“الساعة هي من تختار.”
صاحب الرسالة
قبل أن أطرح سؤالًا آخر…
سمعت صوت خطوات خلفي.
خرج رجل من الظلام.
وعندما رأيته اتسعت عيناي.
كان النزيل جلال.
الرجل الذي لم يكن يتذكر عمره الحقيقي.
اقترب منا ببطء.
وقال:
“لقد أخبرتك ألا تأتي.”
نظرت إليه بدهشة.
“أنت من أرسل الرسالة؟”
أومأ برأسه.
ثم نظر إلى الساعة.
وقال:
“كنت أعتقد أنني ربحت.”
“لكنني كنت أخسر طوال الوقت.”
أشار إلى اسمه على إحدى اللوحات.
وعندما اقتربت قرأته.
بجانبه الرقم:
-18 سنة
تجمدت في مكاني.
الرقم كان سالبًا.
سألته:
“ماذا يعني هذا؟”
أجاب بصوت منخفض:
“يعني أنني أخذت أكثر مما يجب.”
السر الأخير
جلس جلال على أحد المقاعد الحجرية.
وبدأ يروي الحقيقة.
قبل سنوات جاء إلى الفندق مريضًا ويائسًا.
عرضوا عليه فرصة استعادة شبابه.
وافق دون تردد.
في البداية تحسن كل شيء.
أصبح أقوى.
أصغر.
أكثر نشاطًا.
لكن مع مرور الوقت بدأ يفقد ذكرياته.
نسي تواريخ مهمة.
نسي أسماء أشخاص.
ثم نسي عمره.
قال:
“السنوات التي حصلت عليها لم تكن مجانية.”
“كل سنة أخذتها أخذت معها جزءًا مني.”
وهنا فهمت الأمر.
الثمن لم يكن مجرد سنوات.
بل الهوية نفسها.
قرار مصطفى
نظرت إلى الساعة العملاقة.
ثم إلى مئات الأسماء المعلقة حولها.
كان واضحًا أن هناك أشخاصًا كثيرين يعتمدون على هذا المكان.
لكن كان واضحًا أيضًا أن هناك سرًا لا ينبغي أن يستمر.
سألت أمين:
“لماذا لا تدمرون الساعة؟”
ابتسم.
وقال:
“لأن البشر لن يتوقفوا عن البحث عنها.”
ثم أضاف:
“حتى لو اختفت هذه الساعة.”
“ستظهر أخرى.”
كانت إجابته مخيفة لأنها بدت صحيحة.
لطالما حلم البشر بالهروب من الشيخوخة.
اختفاء الفندق
عندما خرجت من القبو كان الفجر يقترب.
عدت إلى غرفتي.
جمعت أشيائي.
وغادرت الفندق مع أول خيوط الشمس.
لكن ما حدث بعد ذلك كان أغرب من كل ما سبق.
بعد أسبوع قررت العودة مع فريق تصوير.
أردت توثيق المكان.
أردت إثبات كل ما رأيته.
لكن عندما وصلنا إلى الموقع…
لم نجد شيئًا.
لا فندق.
ولا طريق.
ولا مبنى.
لا آثار.
فقط صحراء فارغة.
كأن المكان لم يكن موجودًا أبدًا.
الرسالة الأخيرة
مرت عدة أشهر.
حاولت نشر التحقيق.
لكن لم يصدقني أحد.
بعض القراء اعتقدوا أنها قصة خيالية.
والبعض الآخر قال إنني تعرضت لخدعة متقنة.
وفي إحدى الليالي…
وصلني ظرف جديد.
يشبه تمامًا الظرف الذي بدأت به القضية.
فتحت الظرف ببطء.
في داخله كان هناك مفتاح ذهبي.
وعليه شعار فندق العودة.
ومرفقة معه رسالة قصيرة.
جملة واحدة فقط.
“يسعدنا إبلاغك بافتتاح الفندق في موقعه الجديد.”
رفعت رأسي من الرسالة.
وشعرت بالقشعريرة تسري في جسدي.
لأنني كنت متأكدًا من شيء واحد.
الفندق لم يختفِ.
بل انتقل فقط.
وكان ينتظر نزلاء جددًا.
النهاية
- فندق العودة: الفندق الغامض الذي يعيد الشباب | ملفات ما وراء الطبيعة
- قصص ما وراء الطبيعة: الرجل الذي يختفي من الصور
- قصص ما وراء الطبيعة: الرجل الذي لا يعرف الهزيمة وقوة خارقة تخفي سرًا مرعبًا
- عالم الأحلام | البوابة السوداء التي فتحت طريقًا إلى عقول البشر
- وريث الإمبراطورية المنسية: الهاتف الذي فتح بوابة عالم آخر الفصل 2
