سلسلة ما وراء الطبيعة : الوجوه التي استعيرها

الوجوه التي أستعيرها : أستيقظ كل يوم في جسد شخص آخر

لم أعد أتذكر متى كانت آخر مرة استيقظت فيها في جسدي الحقيقي.

في البداية ظننت أن الأمر مجرد حلم غريب. كابوس عابر سينتهي بمجرد أن أغسل وجهي وأشرب فنجان القهوة المعتاد. لكن ما حدث في ذلك الصباح غيّر حياتي إلى الأبد.

اسمي آدم، أبلغ من العمر سبعةً وعشرين عامًا، وأعيش بمفردي في شقة صغيرة ورثتها عن والدي بعد وفاته. كانت حياتي هادئة ومملة إلى حد كبير. أعمل مصممًا جرافيكيًا من المنزل، وأقضي معظم وقتي أمام شاشة الحاسوب.

في ليلة شتوية باردة، عدت إلى المنزل متعبًا بعد زيارة قصيرة لصديق قديم. تناولت العشاء وشاهدت فيلمًا ثم ذهبت إلى النوم.

لم أكن أعلم أنني عندما أفتح عيني في الصباح، لن أكون أنا.

استيقظت على صوت امرأة تبكي.

فتحت عيني ببطء ونظرت حولي.

لم تكن غرفتي.

قفزت من السرير مذعورًا.

كانت الغرفة أكبر من غرفتي بكثير، والجدران مطلية بلون أزرق باهت. على الجانب الآخر من السرير كانت تجلس امرأة في الأربعين من عمرها تمسح دموعها.

حدقت بي بدهشة.

قالت بصوت مرتجف:

“هل أنت بخير يا سامي؟”

تجمدت في مكاني.

سامي؟

من هو سامي؟

نظرت إلى يدي.

لم تكن يدي.

كانت أكبر حجمًا وأكثر خشونة.

ركضت نحو المرآة القريبة.

وعندما نظرت إلى انعكاسي، شعرت وكأن قلبي توقف عن النبض.

وجه غريب بالكامل.

رجل في منتصف الأربعينيات، بلحية خفيفة وشعر أسود بدأت خصلاته تتحول إلى الرمادي.

لم يكن ذلك وجهي.

صرخت بقوة حتى هرعت المرأة نحوي وهي تحاول تهدئتي.

أما أنا فلم أكن أفهم أي شيء.

ظننت في البداية أنني فقدت عقلي.

ربما كنت أحلم.

ربما تعرضت لحادث.

ربما كنت ميتًا.

جلست على الأرض لساعات أحاول استيعاب ما يحدث.

لكن الأمر ازداد غرابة عندما بدأت ألاحظ شيئًا غير طبيعي.

كنت أعرف بعض الأشياء عن هذا الرجل.

أعرف أين يعمل.

أعرف اسم زوجته.

أعرف الطريق إلى منزله.

كانت ذكريات ليست لي، لكنها موجودة داخل رأسي.

كأن شخصًا ما زرعها هناك.

طوال ذلك اليوم عشت حياة سامي.

ذهبت إلى عمله.

تحدثت مع زملائه.

جلست خلف مكتبه.

كنت أراقب الجميع بصمت بينما الخوف ينهشني من الداخل.

عند المساء عدت إلى المنزل.

كانت زوجته تحضر العشاء.

وأطفاله يشاهدون التلفاز.

أما أنا فكنت أفكر في شيء واحد فقط.

ماذا سيحدث عندما أنام؟

عندما حل الليل، أغلقت عيني وأنا أرتجف.

ثم استيقظت.

لكن ليس في جسدي.

هذه المرة كنت امرأة.

صرخت فور أن رأيت شعري الطويل ينسدل على كتفي.

ركضت نحو المرآة.

وجه جديد.

حياة جديدة.

مدينة جديدة.

شخصية جديدة.

لم أعد آدم.

ولم أعد سامي.

أصبحت شخصًا آخر بالكامل.

عندها فقط أدركت أن ما يحدث ليس حلمًا.

كان شيئًا أسوأ بكثير.

مرت الأيام التالية كالكابوس.

كل ليلة أنام.

وكل صباح أستيقظ في جسد مختلف.

مرة كنت طبيبة تعمل في مستشفى مزدحم.

ومرة كنت سائق شاحنة يقطع الطرق الصحراوية الطويلة.

ومرة كنت مدرسًا يعيش وحيدًا مع قطته.

وفي كل مرة أجد نفسي محاصرًا داخل حياة شخص لا أعرفه.

في البداية حاولت إخبار الناس بالحقيقة.

لكنهم اعتقدوا أنني أمزح أو أنني مريض نفسيًا.

كيف يمكنني إقناع شخص بأنني لست الشخص الذي يراه أمامه؟

كيف أشرح أنني رجل محاصر داخل أجساد الغرباء؟

بعد أسابيع من الرعب المستمر بدأت ألاحظ نمطًا غريبًا.

شيئًا تكرر أكثر من مرة.

الأشخاص الذين أستيقظ داخل أجسادهم يبدون خائفين قبل موتهم.

نعم.

موتهم.

في البداية ظننت أنها مصادفة.

لكن بعد المرة الخامسة لم أعد قادرًا على تجاهل الحقيقة.

الرجل الذي استيقظت في جسده يوم الثلاثاء تعرض لحادث سيارة مروع في المساء.

والمرأة التي عشت داخل جسدها يوم الجمعة سقطت من شرفة شقتها في الليلة نفسها.

أما الشاب الذي استيقظت داخله بعد ذلك فقد أصيب بسكتة قلبية رغم أنه كان يتمتع بصحة ممتازة.

جميعهم ماتوا.

جميعهم خلال أربع وعشرين ساعة فقط.

كنت أشاهد موتهم بعيني.

وأشعر به.

وفي كل مرة أهرب إلى النوم قبل لحظات من النهاية.

ثم أستيقظ داخل شخص جديد.

أصبح النوم بالنسبة لي بابًا إلى مأساة جديدة.

ومع مرور الوقت تحول الخوف إلى هوس.

كنت أبحث في منازلهم.

أفتش هواتفهم.

أقرأ رسائلهم.

أحاول العثور على رابط يجمع بينهم.

لكنهم كانوا مختلفين تمامًا.

أعمار مختلفة.

وظائف مختلفة.

مدن مختلفة.

لا شيء مشترك بينهم.

حتى جاء ذلك اليوم.

استيقظت داخل جسد مصور صحفي يُدعى نادر.

كان يعيش وحده في شقة قديمة مليئة بالصور.

وأثناء تجوالي داخل المنزل لفت انتباهي إطار معلق على الجدار.

صورة التقطت في إحدى الحدائق قبل سنوات.

في البداية لم أر شيئًا مميزًا.

لكن عندما اقتربت أكثر، شعرت بقشعريرة باردة تسري في ظهري.

في خلفية الصورة وقف رجل مجهول.

كان يرتدي معطفًا أسود طويلًا.

وينظر مباشرة نحو الكاميرا.

لم يكن يبتسم.

ولم يكن يتحرك.

فقط يقف هناك.

كأنه يراقب.

حاولت تجاهل الأمر.

لكن بعد ساعات وجدت صورة أخرى.

ثم ثالثة.

ثم رابعة.

وفي كل واحدة منها ظهر الرجل نفسه.

نفس المعطف.

نفس الوجه الشاحب.

نفس النظرة المرعبة.

كان موجودًا في جميع الصور.

رغم أنها التقطت في أماكن وأوقات مختلفة.

في تلك الليلة لم أستطع التوقف عن التفكير فيه.

من يكون؟

ولماذا يظهر في كل مكان؟

وقبل أن أنام بقليل، وجدت شيئًا أخطر.

ملفًا مخزنًا داخل حاسوب نادر.

عندما فتحته ظهرت عشرات الصور الإضافية.

كلها تحتوي على الرجل الغامض.

لكن الصورة الأخيرة جعلت الدم يتجمد في عروقي.

كانت صورة حديثة.

التقطت قبل أسبوع واحد فقط.

وفي الخلفية ظهر الرجل نفسه.

لكن هذه المرة لم يكن ينظر إلى الكاميرا.

كان ينظر إلى نادر مباشرة.

وكأنه يعرف أنه مراقب.

وكأنه يعلم أن أحدًا سيكتشف أمره قريبًا.

وفي أسفل الصورة كتب نادر جملة قصيرة قبل وفاته بساعات:

“إنه يقترب مني.”

شعرت برعب لم أشعر به من قبل.

لأنني أدركت أخيرًا أن جميع هؤلاء الأشخاص لم يكونوا ضحايا حوادث عشوائية.

كان هناك شيء يطاردهم.

شيء يراقبهم.

شيء ينتظر اللحظة المناسبة.

وقبل أن أستطيع معرفة المزيد، غلبني النوم.

آخر ما أتذكره هو أن شاشة الحاسوب أضاءت فجأة وحدها.

وظهرت عليها عبارة واحدة مكتوبة بخط أحمر:

“أراك غدًا يا آدم.”

كانت تلك أول مرة منذ أشهر أرى اسمي الحقيقي.

وأول مرة أدرك أن ما يطاردني يعرف من أنا.

لم أنم تلك الليلة بإرادتي.

كان جسدي مرهقًا، وعقلي عاجزًا عن استيعاب ما رأيته على شاشة الحاسوب.

“أراك غدًا يا آدم.”

كانت تلك الكلمات لا تزال تتردد داخل رأسي عندما أغلقت عينَي للمرة الأخيرة.

وعندما استيقظت…

كنت شخصًا آخر من جديد.

لكن شيئًا ما كان مختلفًا هذه المرة.

جلست بسرعة على السرير وأنا أتنفس بصعوبة.

غرفة صغيرة.

جدران بيضاء.

رائحة مطهرات قوية.

نظرت حولي.

كنت في مستشفى.

نهضت متجهًا نحو المرآة القريبة.

شاب في الثلاثين من عمره.

وجه نحيل.

عينان غائرتان.

وشحوب واضح على البشرة.

لكن الأمر الذي أثار انتباهي لم يكن شكله.

بل الملف الطبي الموجود فوق الطاولة.

التقطته وبدأت أقرأ.

كان اسم الرجل “حسام”.

وكان مصابًا بورم خبيث في الدماغ.

توقفت للحظة.

كل الأشخاص الذين استيقظت داخل أجسادهم سابقًا كانوا أصحاء قبل موتهم.

أما هذا الرجل فكان يحتضر بالفعل.

وبينما كنت أقلب الأوراق، دخلت ممرضة إلى الغرفة.

ابتسمت بحزن وقالت:

“صباح الخير يا حسام.”

ثم أضافت:

“كيف كانت الليلة؟”

لم أعرف ماذا أقول.

لكنها تابعت قبل أن أجيب:

“هل عاد الرجل الذي تراه في أحلامك؟”

تجمدت في مكاني.

شعرت بأن قلبي توقف للحظة.

رفعت رأسي ببطء.

وسألتها:

“أي رجل؟”

تنهدت الممرضة.

وقالت:

“الرجل ذو المعطف الأسود.”

سقط الملف من يدي.

لأول مرة أسمع شخصًا آخر يذكره.

لم أكن أتخيله.

لم يكن مجرد وهم.

كان حقيقيًا.

أو على الأقل حقيقيًا بالنسبة لأشخاص آخرين.

جلست مع حسام طوال ذلك اليوم أحاول الوصول إلى ذكرياته.

وخلال ساعات بدأت الصور تتدفق إلى ذهني.

رأيت طفولته.

دراسته.

عمله.

ثم رأيت شيئًا أكثر رعبًا.

قبل ستة أشهر من دخوله المستشفى، كان حسام يقود سيارته ليلًا في طريق صحراوي مهجور.

وفجأة لمح رجلًا يقف بجانب الطريق.

رجلًا يرتدي معطفًا أسود طويلًا.

توقف ليساعده.

لكن عندما اقترب منه اختفى.

كأنه تبخر في الهواء.

ومنذ ذلك اليوم بدأت الكوابيس.

ثم المرض.

ثم اقتراب الموت.

عندما انتهت الذكرى كنت أرتجف.

لأنني بدأت أرى النمط أخيرًا.

كل شخص دخلت جسده كان قد شاهد الرجل نفسه قبل موته بفترة.

وكأن ظهوره إعلان غير مرئي بأن النهاية تقترب.

عند المساء، وبينما كنت جالسًا قرب نافذة المستشفى، رأيته.

لأول مرة بعيني.

لم يكن في صورة.

ولم يكن في ذكرى.

كان هناك فعلًا.

واقفًا في ساحة المستشفى.

تحت ضوء مصباح خافت.

يرتدي معطفه الأسود.

وينظر مباشرة نحوي.

شعرت بأن الدم يتجمد داخل عروقي.

قفزت من السرير وركضت نحو النافذة.

لكنه لم يتحرك.

لم يرمش.

لم يلتفت.

فقط ظل ينظر إلي.

ثم رفع يده ببطء.

وأشار نحوي.

بعدها اختفى.

تمامًا كما يختفي الدخان.

في تلك الليلة لم أستطع النوم.

لكن النوم انتصر في النهاية.

وعندما فتحت عيني مجددًا…

كنت داخل جسد امرأة مسنة تعيش وحدها.

كان اسمها ليلى.

عمرها سبعون عامًا.

وكان منزلها مليئًا بالكتب القديمة.

في البداية ظننت أنها مجرد حياة جديدة من حياتي المجنونة.

لكن أثناء تجولي داخل المنزل اكتشفت شيئًا مذهلًا.

في الطابق السفلي كانت هناك غرفة مغلقة.

احتجت إلى ساعة كاملة حتى أعثر على المفتاح.

وعندما فتحت الباب…

وجدت مكتبة ضخمة.

رفوف ممتدة من الأرض حتى السقف.

ومئات الملفات القديمة.

في منتصف الغرفة كان هناك دفتر جلدي أسود.

بدت عليه علامات القدم.

كأنه انتظر سنوات طويلة حتى يفتحه أحد.

جلست وبدأت القراءة.

كانت ليلى تكتب يومياتها منذ أكثر من أربعين عامًا.

وفي إحدى الصفحات توقفت أنفاسي.

كتبت:

“رأيته للمرة الأولى عام 1984.”

قلبت الصفحة بسرعة.

ثم التالية.

ثم التالية.

كانت تصف الرجل نفسه.

المعطف الأسود.

الوجه الشاحب.

النظرة الباردة.

كل شيء مطابق.

لكن الصدمة كانت في السطر التالي.

“إنه لا يأتي ليأخذ الأرواح… بل ليجمعها.”

حدقت في الكلمات.

وأعدت قراءتها أكثر من مرة.

ليجمعها؟

ماذا يعني ذلك؟

واصلت القراءة.

وكلما تقدمت ازداد الرعب.

كتبت ليلى أنها قضت سنوات تبحث عن الرجل.

حتى اكتشفت وجود أشخاص آخرين شاهدوه.

العشرات.

بل المئات.

جميعهم ماتوا بعد فترة قصيرة.

لكن بعضهم لم يمت.

بعضهم اختفى فقط.

اختفى دون أثر.

دون جثة.

دون تفسير.

ثم وصلت إلى الصفحة الأخيرة.

كانت مكتوبة قبل يوم واحد فقط.

رغم أن ليلى كانت عجوزًا بالكاد تستطيع الحركة.

لكن الخط كان واضحًا.

ومرتجفًا.

وجاء فيه:

“إذا كنت تقرأ هذه الكلمات، فهذا يعني أنك مثلي.”

“وأنت تنتقل بين الأجساد.”

شعرت بأن الهواء اختفى من الغرفة.

كيف عرفت؟

كيف يمكنها معرفة ما أمر به؟

تابعت القراءة بسرعة.

“لقد حاولت الهرب منه سنوات طويلة.”

“لكنه وجدني دائمًا.”

“إنه يبحث عن شخص واحد فقط.”

“الشخص الذي فتح الباب.”

توقفت.

شعرت بقشعريرة عنيفة تسري في جسدي.

الشخص الذي فتح الباب؟

أي باب؟

وفي أسفل الصفحة كانت هناك جملة أخيرة.

جملة جعلت الرعب يسيطر علي بالكامل.

“إذا رأيت هذه الرسالة يا آدم، فقد تأخر الوقت.”

تجمدت في مكاني.

للمرة الثانية يظهر اسمي.

اسمي الحقيقي.

ليس اسم الجسد الذي أعيش فيه.

بل اسمي أنا.

آدم.

ثم حدث شيء لم أتوقعه.

سمعت صوت خطوات فوق رأسي.

خطوات ثقيلة.

بطيئة.

منتظمة.

مع أنني كنت متأكدًا أن المنزل فارغ.

رفعت رأسي نحو السقف.

توقفت الخطوات.

ساد الصمت.

ثم جاء صوت طرق خافت على باب الغرفة.

طرقة واحدة.

ثم ثانية.

ثم ثالثة.

شعرت بأن قلبي يكاد يخرج من صدري.

اقتربت ببطء من الباب.

وكانت يدي ترتجف فوق المقبض.

ثم سمعت صوتًا رجوليًا هادئًا خلفه.

صوتًا لم أسمعه من قبل.

لكنه بدا مألوفًا بطريقة مخيفة.

وقال:

“أخيرًا وجدتك يا آدم.”

في تلك اللحظة فقط أدركت حقيقة مرعبة.

أنا لم أكن أبحث عن الرجل صاحب المعطف الأسود.

هو الذي كان يبحث عني منذ البداية.

“أخيرًا وجدتك يا آدم.”

ترددت الكلمات خلف الباب كأنها قادمة من مكان بعيد.

تجمدت يدي فوق المقبض.

لم أستطع الحركة.

لم أستطع التنفس.

كل ما عرفته خلال الأشهر الماضية انهار في لحظة واحدة.

لم أكن أبحث عن الرجل صاحب المعطف الأسود.

بل كان هو الذي يطاردني.

ويراقبني.

وينتظرني.

سمعت الطرق مجددًا.

لكن هذه المرة كان أقوى.

وأقرب.

قال الصوت بهدوء:

“افتح الباب.”

تراجعت خطوة إلى الخلف.

ثم أخرى.

كان عقلي يصرخ في وجهي ألا أفعل.

لكن فضولي كان أقوى من خوفي.

اقتربت ببطء.

وضعت يدي على المقبض.

ثم أدرته.

فتح الباب.

ولم يكن هناك أحد.

الممر فارغ.

المنزل صامت.

لا أثر لأي شخص.

وقفت مذهولًا أنظر يمينًا ويسارًا.

ثم انتبهت إلى شيء غريب.

على الأرض، أمام الباب مباشرة، كانت توجد صورة قديمة.

التقطتها بارتجاف.

وعندما نظرت إليها شعرت ببرودة تجتاح جسدي.

كانت صورة لي.

أنا.

وجهي الحقيقي.

الصورة التقطت قبل عشر سنوات.

في الليلة التي بدأت فيها كل هذه الكارثة.

الليلة التي حاولت نسيانها.

لكن عقلي أجبرني أخيرًا على تذكرها.


قبل عشر سنوات كنت طالبًا جامعيًا مهووسًا بالظواهر الغامضة.

كنت أقضي ساعات طويلة أقرأ عن البيوت المسكونة والأرواح والطقوس القديمة.

في إحدى الليالي أخبرني صديق عن منزل مهجور يقع خارج المدينة.

كان الناس يطلقون عليه اسم “بيت الظلال”.

قيل إن كل من دخله سمع أصواتًا غريبة.

وقيل إن بعض من دخلوه لم يعودوا كما كانوا.

بالطبع لم أصدق شيئًا.

كنت أعتبر كل ذلك خرافات.

لذلك قررت الذهاب.

وصلت إلى المنزل بعد منتصف الليل.

كان متهالكًا ومغطى بالغبار.

الأبواب مكسورة.

والنوافذ محطمة.

لكن أكثر ما أثار انتباهي كان الباب الموجود في القبو.

باب خشبي أسود مختلف عن بقية المنزل.

كأنه لا ينتمي إليه.

كان مغلقًا بسلسلة صدئة.

وفوقه رموز غريبة محفورة في الخشب.

كان ينبغي أن أغادر.

لكنني لم أفعل.

كسرت السلسلة.

وفتحت الباب.

في البداية لم يحدث شيء.

مجرد غرفة صغيرة فارغة.

لكن عندما دخلتها شعرت وكأن الهواء أصبح أثقل.

وأبرد.

وأظلم.

ثم سمعت صوتًا خلفي.

صوت رجل يقول:

“لقد فتحت الطريق.”

هربت من المنزل في تلك الليلة.

وأقنعت نفسي أن كل ما حدث كان مجرد وهم.

لكن الحقيقة كانت مختلفة.

منذ تلك اللحظة بدأ شيء ما يتبعني.

شيء لم أره.

ولم أشعر به.

إلا بعد فوات الأوان.


عاد وعيي إلى الحاضر.

إلى جسد ليلى.

إلى المنزل القديم.

إلى الصورة التي أحملها بين يدي.

وأخيرًا فهمت.

أنا السبب.

أنا من فتح الباب.

أنا من أطلق اللعنة.

والأشخاص الذين كنت أتنقل بينهم لم يكونوا ضحايا عشوائيين.

كانوا مرتبطين بي.

بطريقة ما.

كان الكيان يستخدمهم للوصول إلي.

كل روح أسكنها كانت مجرد خطوة أخرى في طريقه.

وفجأة انطفأت أضواء المنزل بالكامل.

غرقت الغرفة في الظلام.

ثم سمعت الصوت مرة أخرى.

لكن هذه المرة كان داخل الغرفة.

خلفي مباشرة.

قال:

“تذكرت أخيرًا.”

استدرت ببطء.

وكان هناك.

الرجل ذو المعطف الأسود.

لأول مرة أراه بوضوح.

وجه شاحب بشكل غير طبيعي.

عينان سوداوان تمامًا.

بلا حدقة.

بلا بياض.

كأنهما ثقبان يؤديان إلى فراغ لا نهاية له.

لم يتحرك.

ولم أتحرك.

ثم سألته بصوت مرتجف:

“ماذا تريد مني؟”

ابتسم.

لأول مرة.

وكانت ابتسامة مرعبة أكثر من أي شيء رأيته في حياتي.

قال:

“أريد ما يخصني.”

“روحك.”

شعرت بأن الأرض تهتز تحت قدمي.

لكنني أجبرت نفسي على الكلام.

“لماذا؟”

أجاب:

“عندما فتحت الباب قبل عشر سنوات، عبرتَ إلى عالمي.”

“وتركْتَ جزءًا منك هناك.”

“ومنذ ذلك اليوم أصبحت روحك ناقصة.”

“ولهذا لم تعد تستطيع البقاء في جسد واحد.”

بدأ كل شيء يتضح.

تنقلي بين الأجساد.

اختفاء هويتي.

الأحلام.

الموت.

كل ذلك كان نتيجة تلك الليلة.

قال الكيان:

“الليلة ينتهي الأمر.”

ثم رفع يده.

وفجأة اختفى المنزل.

اختفت الجدران.

واختفى السقف.

وجدت نفسي واقفًا في مكان مظلم بلا نهاية.

فضاء أسود لا يحتوي على شيء.

باستثناء باب واحد.

الباب نفسه الذي فتحته قبل عشر سنوات.

كان يقف أمامي وسط الظلام.

قال الرجل:

“اعبر.”

“واستعد ما تركته.”

نظرت إلى الباب.

ثم إليه.

ثم إلى الظلام من حولي.

لم يكن لدي خيار.

اقتربت.

وضعت يدي على المقبض.

وفتحته.

خلف الباب رأيت شيئًا لا يمكن وصفه.

بحرًا من الأرواح.

آلاف الوجوه.

آلاف الأصوات.

آلاف الصرخات.

وفي المنتصف رأيت نفسي.

نسخة أخرى مني.

أصغر سنًا.

وأكثر ظلمة.

كانت تنظر إلي وتبتسم.

فهمت الحقيقة فورًا.

ذلك الجزء الذي تركته هناك لم يكن مجرد جزء من روحي.

بل كان كل الظلام الموجود داخلي.

كل الخوف.

كل الغضب.

كل الشر.

اقتربت النسخة الأخرى مني.

وقالت:

“بدوني لن تعود كاملًا.”

ثم مدت يدها.

ترددت للحظة.

لكنني أمسكتها.

في اللحظة نفسها انفجر الضوء حولي.

وشعرت بشيء يعود إلى داخلي.

شيء مفقود منذ سنوات.

ثم فقدت الوعي.


استيقظت.

في سريري.

في شقتي.

في جسدي الحقيقي.

قفزت من السرير.

ركضت نحو المرآة.

كان وجهي.

وجهي أنا.

لأول مرة منذ شهور طويلة.

جلست أبكي من شدة الراحة.

انتهى الكابوس أخيرًا.

انتهى كل شيء.

مرت الأيام.

ثم الأسابيع.

ثم الشهور.

ولم أستيقظ داخل أي جسد آخر.

عدت إلى حياتي الطبيعية.

عدت إلى عملي.

عدت إلى أصدقائي.

وبدأت أصدق أن اللعنة انتهت فعلًا.

حتى جاءت تلك الليلة.

استيقظت عند الثالثة فجرًا بسبب صوت خافت.

نهضت من السرير.

واتجهت نحو الحمام.

غسلت وجهي.

ثم رفعت رأسي نحو المرآة.

وتوقفت أنفاسي.

انعكاسي لم يكن يقلد حركاتي.

كنت ثابتًا.

أما هو فكان يبتسم.

ببطء.

وبهدوء.

ثم رفع يده ولوح لي.

قبل أن تنطفئ الأنوار فجأة.

وعندما عادت بعد ثوانٍ…

كنت وحدي.

لكن على البخار المتجمع فوق المرآة ظهرت جملة مكتوبة بأصبع غير مرئي:

“الباب لا يُغلق أبدًا.”

تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top