جامعة أركان لتعليم السحر :الجزء الاؤل

الفصل الأول: الرسالة التي لا ينبغي أن تصل

اسمي محمود صلاح.

وقد حصلت بالأمس على المركز الأول في الثانوية العامة.

أقولها الآن كما لو أنها حقيقة تخص شخصًا آخر، لأنني حتى هذه اللحظة لا أشعر أنها تخصني أنا.

حين ظهرت النتيجة، بكت أمي.

اتصلت خالتي بثمانية عشر شخصًا خلال عشر دقائق.

أما أبي فاكتفى بابتسامة صغيرة، وهي بالنسبة له تعادل احتفالًا بالألعاب النارية.

وأما أنا؟

كنت أفكر في شيء آخر تمامًا.

كنت أفكر أنني قضيت اثني عشر عامًا من عمري أجري خلف هذا اليوم، وعندما وصلت إليه اكتشفت أنه لا يحتوي على أي شيء مميز.

مجرد رقم.

بضعة تهانٍ.

وكمية هائلة من الحلويات.

لا أعرف إن كان هذا تشاؤمًا أم واقعية، لكنني منذ سنوات أجد صعوبة في مشاركة الآخرين حماسهم تجاه الأشياء.

ربما لهذا السبب يصفني الجميع بالمتشائم.

لا أنكر الأمر.

المتشائم في رأيي مجرد شخص جرب التفاؤل مرات كافية.

في ذلك الصباح كنت أجلس فوق سطح منزلنا أراقب المدينة.

الشمس كانت تخرج ببطء من خلف المباني القديمة.

والهواء يحمل رائحة الغبار المعتادة.

مدينة كاملة تستيقظ لتبدأ يومًا جديدًا.

وكنت أنا أفكر في كيفية الهروب من اليوم كله.

متوسط الطول، نحيف إلى حد معقول، وشعري الأسود يرفض التعاون معي منذ ولادتي. هذا هو الوصف المختصر الذي يمكنني تقديمه عن نفسي.

أما البقية فيصرون على أنني وسيم.

وهو أمر لم أفهم فائدته حتى الآن.

كنت غارقًا في أفكاري حين وصلني صوت أمي من الأسفل.

“محمود!”

أغمضت عيني.

بداية الكارثة.

“محمود! انزل فورًا!”

عرفت أن الأقارب وصلوا.

والأقارب يملكون قدرة خارقة على الظهور عند النجاح أكثر من ظهورهم في بقية مناسبات الحياة.

هبطت السلالم ببطء كمن يتجه إلى جلسة تحقيق.

وما إن فتحت باب الشقة حتى وجدت المشهد المتوقع.

أكواب شاي.

صواني كعك.

ضحكات مرتفعة.

وأقارب لم أرَ بعضهم منذ سنوات لكنهم يتصرفون وكأننا نعيش في المنزل نفسه.

في وسط الغرفة كانت أمي.

سعاد.

امرأة تؤمن أن الطعام هو الحل النهائي لكل المشكلات البشرية.

لو اندلعت حرب عالمية ثالثة، فأنا واثق أنها ستسأل الجنود إن كانوا تناولوا الغداء.

ما إن رأتني حتى أشارت نحوي بفخر.

“وصل المتفوق.”

شعرت أنني مشروع تخرج يتم عرضه على الجمهور.

ابتسمت ابتسامة خفيفة وجلست.

ثم بدأ الهجوم.

كلية الطب.

كلية الهندسة.

المستقبل الباهر.

العبقرية.

الموهبة.

النجاح.

الكلمات نفسها التي سمعتها ألف مرة خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية.

ثم سألني أبي السؤال الذي كنت أعلم أنه قادم.

أغلق جريدته ونظر إلي.

“هل اتخذت قرارك؟”

ساد الصمت.

حتى الأطفال توقفوا عن الحركة.

قلت:

“نعم.”

“لن تدخل الجامعة؟”

“لا.”

في تلك اللحظة شعرت وكأنني ألقيت قنبلة وسط الغرفة.

الوجوه تجمدت.

وأحد أقاربي كاد يختنق بالشاي.

قالت خالتي:

“أنت تمزح.”

قلت:

“أتمنى.”

نظر إلي أبي طويلًا.

“ولماذا؟”

كنت أعرف أن إجابتي لن تعجب أحدًا.

ومع ذلك قلتها.

“لأنني لا أريد أن أقضي سنوات أخرى أفعل الشيء نفسه.”

لم يفهمني أحد.

بصراحة، لم أتوقع منهم ذلك.

الحقيقة أنني لم أكن أملك تفسيرًا واضحًا حتى لنفسي.

كل ما كنت أعرفه أن هناك فراغًا كبيرًا بداخلي.

فراغ لم يملأه التفوق.

ولم يملأه النجاح.

ولم يملأه شيء آخر.


انتهى اليوم أخيرًا.

وغادر الأقارب.

وعادت الشقة إلى هدوئها الطبيعي.

جلست في غرفتي.

مملكتي الصغيرة.

سرير.

مكتب.

خزانة.

وكمية كتب تكفي لإثارة قلق أي طبيب نفسي محترم.

القراءة كانت دائمًا ملاذي الوحيد.

حين يصبح العالم مزعجًا أكثر من اللازم، أفتح كتابًا وأختفي داخله.

في تلك الليلة فعلت الشيء نفسه.

فتحت رواية قديمة.

وبدأت القراءة.

لكنني لم أستطع التركيز.

كان هناك شعور غريب يلازمني.

شعور بأن شيئًا ما يقترب.

لا تسألني كيف عرفت.

بعض الأشياء يشعر بها الإنسان دون سبب منطقي.

حوالي منتصف الليل سمعت صوتًا خافتًا.

طن.

رفعت رأسي.

نظرت حولي.

الصوت جاء من جهة الشرفة.

نهضت واقتربت من النافذة.

وهناك رأيته.

صندوق معدني أسود.

موضوع فوق الحافة الخارجية.

تجمدت في مكاني.

لأنني متأكد تمامًا أنه لم يكن موجودًا قبل دقائق.

أعدت النظر إلى الشارع.

لا أحد.

لا حركة.

لا شيء.

فتحت باب الشرفة وخرجت.

كان الصندوق باردًا بصورة غير طبيعية.

كأنه تُرك داخل ثلاجة لسنوات.

حملته بحذر.

ثم فتحته.

في الداخل وجدت ظرفًا واحدًا فقط.

عاجي اللون.

مختومًا بشمع أزرق.

وعليه اسمي.

اسمي الكامل.

محمود صلاح.

بدأ قلبي ينبض أسرع.

لا أعرف لماذا.

ربما لأن الإنسان لا يحب الأشياء التي لا يستطيع تفسيرها.

مزقت الختم.

وأخرجت الرسالة.

ثم بدأت القراءة.

وبعد السطر الأول مباشرة شعرت أن عقلي توقف عن العمل.

“يسر إدارة جامعة أركان للسحر والعلوم الخفية أن تبلغكم بقبولكم الكامل…”

توقفت.

ثم قرأت السطر مرة أخرى.

ثم مرة ثالثة.

وأخيرًا انفجرت ضاحكًا.

ضحكت حتى آلمتني معدتي.

قلت لنفسي:

“ممتاز يا محمود. يبدو أن الضغط الدراسي سبب لك انهيارًا عصبيًا.”

لكن ضحكتي اختفت سريعًا.

لأن عيني وقعتا على آخر الرسالة.

على جملة واحدة فقط.

جملة لم أخبر بها أحدًا في حياتي.

جملة قلتها لنفسي وأنا في الثانية عشرة من عمري.

وأقسم أن لا أحد سمعها.

كانت مكتوبة أمامي بوضوح.

“أحيانًا يكون العالم الحقيقي أقل واقعية مما نظن.”

شعرت ببرودة تسري في ظهري.

وتوقفت عن التنفس لثوانٍ.

أعدت قراءة العبارة.

ثم نظرت إلى الظلام خارج النافذة.

ولأول مرة منذ سنوات طويلة…

لم أشعر بالسخرية.

لم أشعر بالملل.

لم أشعر حتى بالتشاؤم.

شعرت بالخوف.

لأن هناك شخصًا ما يعرف أسراري.

وشخصًا ما أرسل إلي دعوة من جامعة لا يفترض أن تكون موجودة أصلًا.

وكان لدي سبعة أيام فقط…

لأقرر إن كنت سأذهب أم لا.

الفصل الثاني: اليوم الأول في جامعة أركان

لو أخبرني أحد قبل أسبوع أنني سأترك منزلي وأستقل قطارًا لا يظهر في أي محطة على الخرائط، متجهًا إلى جامعة لتعليم السحر، لكنت نصحته بزيارة طبيب نفسي جيد.

أما الآن، فأنا أجلس في عربة خشبية قديمة تتحرك وسط ضباب لا نهاية له، وفي جيبي خطاب قبول رسمي، وأمام عيني عشرات الطلاب الذين يبدو أن بعضهم خرج مباشرة من كابوس جماعي.

الحياة تملك حسًا فكاهيًا سيئًا.

كنت أراقب المنظر من النافذة عندما جلس شاب نحيف بجواري.

كان شعره أبيض بالكامل رغم أنه في مثل عمري تقريبًا.

ارتدى نظارة مستديرة ضخمة جعلته يبدو كعالم مجنون صغير الحجم.

قال دون مقدمات:

“هل أنت طالب مستجد؟”

نظرت إليه.

“هل أبدو كأستاذ جامعي؟”

ابتسم.

“أعجبني هذا.”

“أهنئك على ذوقك المتواضع.”

مد يده.

“اسمي علي فؤاد.”

صافحته.

“محمود صلاح.”

كانت يداه باردتين بصورة غريبة.

وكأن الدم يمر داخلهما بصعوبة.

لكنني لم أعلق.

بعد دقائق انضمت إلينا فتاة قصيرة القامة تحمل ثلاث حقائب ضخمة.

لا أعرف كيف كانت قادرة على حملها.

ألقت الحقائب أرضًا وجلست.

ثم قالت:

“هل هذا المقعد محجوز؟”

نظرت إلى المقاعد الفارغة في العربة كلها.

ثم عدت أنظر إليها.

“بالتأكيد.”

رمقتني بنظرة مستفزة.

ثم جلست.

“إذن سأحتله.”

أعجبتني الفكرة فورًا.

عرفنا لاحقًا أن اسمها ليلى منصور.

وكانت تمتلك موهبة استثنائية في التسبب بالمشكلات.


وصلنا بعد ساعات.

وعندما خرجت من القطار…

توقفت عن الحركة تمامًا.

حتى الآن لا أجد الكلمات المناسبة لوصف ما رأيته.

كانت الجامعة مدينة كاملة.

أبراج شاهقة ترتفع نحو السماء.

جسور معلقة في الهواء.

أنهار من الضوء الأزرق تتدفق بين المباني.

ومئات الطلاب يرتدون أردية بألوان مختلفة.

في المركز وقف برج هائل الحجم.

أكبر من أي مبنى رأيته في حياتي.

قال علي بصوت منخفض:

“برج الأركان.”

رفعت رأسي.

“وهو؟”

“قلب الجامعة.”

شعرت أنني أصغر من نملة أمام ذلك البناء.

وللمرة الأولى بدأت أصدق أن كل هذا حقيقي.

للأسف.


في القاعة الرئيسية اجتمع آلاف الطلاب الجدد.

وقف فوق المنصة رجل طويل بشعر فضي.

كان حضوره وحده كافيًا لإسكات الجميع.

شعرت وكأن الهواء نفسه أصبح أثقل.

قال بصوت هادئ:

“مرحبًا بكم في جامعة أركان.”

لم يكن يصرخ.

ومع ذلك سمعه الجميع بوضوح.

أكمل:

“أنا العميد فريد الأركاني.”

عرفت فورًا أنه ليس شخصًا عاديًا.

حتى بين السحرة.

كان هناك شيء مخيف فيه.

شيء يشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة.

رفع يده.

فظهرت عشرات الرموز الضوئية في الهواء.

ثم بدأت تدور فوق رؤوسنا.

وقال:

“قبل أن تبدأ رحلتكم يجب أن تعرفوا تصنيفات السحر.”

ظهرت أول علامة.

نار متوهجة.

“سحر العناصر.”

ثم علامة ثانية.

دوائر فضية.

“سحر العلاج.”

علامة ثالثة.

ظلال سوداء.

“سحر الظلال.”

علامة رابعة.

نجوم ذهبية.

“السحر العقلي.”

ثم ظهرت عشرات التصنيفات الأخرى.

استدعاء.

تعزيز جسدي.

أختام.

أبعاد.

تنبؤ.

تحويل.

شعرت بصداع خفيف.

كل هذا كان أكبر بكثير مما تخيلت.

قال العميد:

“كل طالب يمتلك استعدادًا طبيعيًا لنوع معين من السحر.”

ثم أضاف:

“والبعض يمتلك أكثر من نوع.”

في تلك اللحظة بدأ الهمس ينتشر بين الطلاب.

لأن أصحاب المواهب المتعددة نادرون للغاية.


بعد انتهاء الحفل تم تقسيمنا إلى مجموعات.

وهناك تعرفنا على أسماء كانت مشهورة داخل الجامعة.

يوسف الحديدي.

طالب سنة رابعة.

عبقري سحر العناصر.

يقال إنه هزم أستاذًا كاملًا أثناء التدريب.

ريم النجار.

أقوى معالجة في الجامعة.

تستطيع شفاء إصابات تعجز عنها المستشفيات العادية.

سليم العاصف.

متخصص في السحر العقلي.

والشخص الوحيد الذي تمكن من دخول برج الأركان الداخلي قبل التخرج.

كل اسم كان يبدو كأسطورة صغيرة.

أما أنا فما زلت أحاول استيعاب فكرة أن السحر موجود أصلًا.


في اليوم الثالث خضعنا لاختبار التوافق السحري.

وضعوا أمام كل طالب كرة بلورية.

المطلوب بسيط.

لمس الكرة.

وانتظار النتيجة.

حين جاء دوري وضعت يدي عليها.

ثانية.

ثانيتان.

ثم انفجرت الكرة بضوء ذهبي وأزرق معًا.

ساد الصمت.

نظر الأساتذة إلى بعضهم.

ثم سجلوا شيئًا بسرعة.

رفعت يدي.

“هل هذا جيد أم سيئ؟”

لم يجبني أحد.

وهو أمر مقلق دائمًا.


بدأت التدريبات بعدها مباشرة.

في البداية تعلمنا أساسيات التحكم بالطاقة السحرية.

اكتشفت أن السحر ليس مجرد كلمات وحركات استعراضية.

بل علم كامل.

له قوانين وقواعد وحسابات.

وكان الأمر مرهقًا بصورة لا تصدق.

لكنني استمتعت به.

للمرة الأولى منذ سنوات.

كنت أتعلم شيئًا أشعر أنه حقيقي.

شيئًا يثير فضولي.

شيئًا لا يعتمد على الحفظ الأعمى.


بعد شهرين بدأت أتمكن من استخدام بعض التعاويذ البسيطة.

ومن حسن الحظ أن الجامعة سمحت للطلاب بالعمل الحر داخل المدينة السحرية.

وهكذا وجدت نفسي أقدم خدمات صغيرة.

إصلاح أدوات مكسورة.

تنقية مياه.

إضاءة متاجر.

أعمال بسيطة.

لكنها كانت تدفع جيدًا.

جيدًا جدًا.

لدرجة أنني تمكنت من إرسال المال إلى عائلتي لأول مرة.

اتصلت أمي يومها وهي تبكي.

ظنت أنني تورطت في تجارة أعضاء بشرية.

احتجت نصف ساعة لإقناعها أن الأمر قانوني.

نسبيًا.


لكن أهم ما حدث كان متعلقًا بعلي.

خلال الأشهر الماضية لاحظت أنه يمرض كثيرًا.

يتعب بسرعة.

ويعاني من آلام مستمرة.

وفي أحد الأيام فقد وعيه أثناء التدريب.

نقلناه إلى العيادة السحرية.

وهناك عرفنا الحقيقة.

كان يعاني منذ طفولته من اضطراب نادر في مسارات الطاقة السحرية داخل جسده.

مرض لم يتمكن أحد من علاجه بالكامل.

قال الطبيب:

“حالته مستقرة الآن.”

لكنني رأيت القلق في عينيه.

وفي تلك الليلة لم أستطع النوم.

لسبب غريب.

كنت أشعر أن هناك شيئًا يمكنني فعله.

شيئًا لم أفهمه بعد.

عدت إلى المكتبة.

وبدأت أقرأ.

يومًا كاملًا.

ثم يومين.

ثم أسبوعًا.

حتى وجدت مخطوطة قديمة تتحدث عن دمج العلاج مع الطاقة الروحية.

نظرية شبه منسية.

لكنها بدت منطقية.

أكثر من اللازم.


بعد شهر من الدراسة والتجارب وافق أحد الأساتذة على الإشراف على محاولتي.

جلس علي أمامي.

وقال:

“إذا مت فأخبر أمي أنني كنت أكره الخضار.”

قلت:

“إذا مت فسأخبرها أنك أحببته.”

نظر إلي برعب.

“هذا شر.”

ابتسمت.

ثم بدأت التعويذة.

تدفقت الطاقة عبر يدي.

وشعرت بشيء يتحرك داخل جسده.

عقد.

تشوهات.

مسارات مكسورة.

رأيتها كلها.

لأول مرة.

كأنني أنظر إلى خريطة مضيئة.

ركزت.

وأعدت تشكيلها.

ببطء.

ودقة.

وحذر.

استغرق الأمر ساعة كاملة.

وحين انتهى كل شيء…

فتح علي عينيه.

ثم وقف.

ثم تجمد.

قال بصوت مرتعش:

“لا أشعر بالألم.”

ساد الصمت.

ثوانٍ طويلة.

ثم بدأ يضحك.

ويضحك.

ويضحك.

أما أنا فجلست على الأرض منهكًا.

لأنني أدركت شيئًا مهمًا.

شيئًا سيغير حياتي كلها.

السحر لم يكن مجرد قوة.

ولم يكن مجرد وسيلة للثراء أو الشهرة.

كان قادرًا على تغيير مصائر البشر.

وكانت هذه البداية فقط.

أما ما لم أكن أعرفه بعد…

فهو أن نجاحي في علاج علي جذب انتباه أشخاص أقوياء جدًا داخل الجامعة.

أشخاص يراقبونني منذ وصولي.

وينتظرون اللحظة المناسبة للظهور.

الفصل الثالث: نهاية السنة الأولى

هناك حقيقة اكتشفتها بعد دخولي جامعة أركان.

مهما اختلف العالم…

ومهما كانت درجة غرابته…

فإن الامتحانات تظل الامتحانات.

سواء كنت تدرس الرياضيات أو استدعاء التنانين.

ستظل الامتحانات وسيلة فعالة لتعذيب البشر.


بدأت الأزمة قبل شهر كامل من نهاية العام الدراسي.

تحولت الجامعة إلى خلية نحل مجنونة.

المكتبة أصبحت مزدحمة بصورة مرعبة.

الطلاب يسيرون وهم يحملون الكتب.

البعض يراجع التعاويذ أثناء تناول الطعام.

والبعض الآخر فقد القدرة على النوم تمامًا.

أما ليلى فقد أعلنت رسميًا أنها ستعيش داخل المكتبة حتى انتهاء الامتحانات.

وكان ذلك تهديدًا أكثر منه تصريحًا.

بينما جلس علي أمام جبل من الكتب وهو يحدق فيها بيأس.

قال:

“هل تعتقد أن الهروب خيار منطقي؟”

قلت:

“بالتأكيد.”

رفع رأسه بحماس.

“حقًا؟”

“لا. لكنني أحب إعطاء الناس الأمل الكاذب.”

رمقني بنظرة قاتلة.


كانت امتحانات أركان تختلف عن أي شيء عرفته سابقًا.

لم تكن تعتمد على الحفظ.

بل على التطبيق.

إذا تعلمت تعويذة معينة فسيطلب منك استخدامها عمليًا.

إذا درست العلاج فستعالج حالة حقيقية.

إذا تخصصت في العناصر فستتحكم بعناصر حقيقية.

الأمر أشبه بإلقائك في البحر لمعرفة إن كنت تستطيع السباحة.

أو الغرق.

والجامعة لم تكن تهتم كثيرًا بالنتيجة.


جاء أول امتحان.

سحر التحكم بالطاقة.

دخلنا إلى قاعة ضخمة مليئة بالمنصات الحجرية.

وقف الأستاذ خالد النور في المنتصف.

وكان من النوع الذي يبتسم كثيرًا.

وهذا جعلني لا أثق به إطلاقًا.

قال:

“المهمة بسيطة.”

كلما قال أستاذ كلمة “بسيطة” كنت أعرف أن الكارثة قادمة.

أشار إلى عشرات البلورات المعلقة في الهواء.

“عليكم السيطرة على تدفق الطاقة داخل البلورات دون تحطيمها.”

بدأ الامتحان.

وخلال أول دقيقتين انفجرت ثلاث بلورات.

ثم خمس.

ثم سبع.

وكان ذلك مطمئنًا.

لأنني لم أكن الوحيد الذي يعاني.

عندما جاء دوري ركزت كامل انتباهي.

شعرت بالطاقة السحرية تتحرك داخلي.

هادئة.

دافئة.

كأنها نهر خفي.

مددت يدي نحو البلورة.

ثم بدأت التحكم بالتدفق.

ثانية.

ثانيتان.

عشر ثوانٍ.

ثم استقرت البلورة.

أضاءت بلون أزرق نقي.

سمعت الأستاذ يقول:

“ممتاز.”

وأدركت أنني نجحت.


الاختبار الثاني كان أسوأ بكثير.

سحر القتال.

الاسم وحده كان كافيًا لإزعاجي.

لأنني لم أحب العنف يومًا.

وضعتنا الجامعة في ساحة تدريب عملاقة.

وتم اختيار خصوم عشوائيين.

ولسوء حظي كان خصمي شابًا ضخم البنية يدعى جابر.

بدا وكأنه يستطيع تحطيم الجدران بقبضته.

نظر إلي.

ثم قال بثقة:

“لن يستغرق هذا طويلًا.”

قلت:

“أتمنى ذلك.”

بدأ النزال.

اندفع نحوي مباشرة.

بينما اخترت الحل الذي أفضله دائمًا.

التفكير.

استغرق الأمر أقل من دقيقة.

استفززته.

خدعته.

أوقعته في ثلاث فخاخ سحرية متتالية.

ثم انتهى الأمر.

لم يكن الأقوى.

لكنه كان الأكثر اندفاعًا.

وفي كثير من الأحيان يكفي هذا لتخسر.


أما الامتحان الأخير فكان الأكثر أهمية.

امتحان التخصص.

الامتحان الذي سيحدد مكانة كل طالب داخل الجامعة.

اجتمع المئات داخل القاعة الكبرى.

الأساتذة جميعهم كانوا موجودين.

حتى العميد فريد الأركاني حضر بنفسه.

وهذا لم يكن يحدث كثيرًا.

جلسنا أمام دوائر سحرية ضخمة.

ثم بدأ الاختبار.

في البداية ظننت أنه سهل.

لكنني كنت مخطئًا.

كالعادة.


طلبوا منا التعامل مع مشكلات سحرية حقيقية.

إصابات.

اضطرابات طاقة.

تشوهات تعاويذ.

وحالات معقدة للغاية.

واحدة تلو الأخرى.

حتى وصل دوري الأخير.

كانت الحالة صعبة.

طفل صغير يعاني من انهيار في مسارات الطاقة السحرية.

مشابه لما أصاب علي سابقًا.

وهنا فهمت سبب اختيارها.

كانوا يختبرونني.

يعرفون ما فعلته.

ويريدون رؤية النتيجة.

تنفست بعمق.

ثم بدأت العمل.

مرت ساعة كاملة.

شعرت خلالها أنني استنزفت كل ما أملك.

لكنني نجحت.

وحين استعاد الطفل وعيه…

سمعت تصفيقًا خافتًا في القاعة.

التفت.

فوجدت العميد نفسه يراقبني.

للحظة قصيرة فقط.

ثم ابتسم.

ابتسامة صغيرة.

واختفت.

لكنني لم أنسها.


بعد أسبوع ظهرت النتائج.

تجمعت الجامعة كلها تقريبًا أمام اللوحات السحرية.

كان المشهد فوضويًا.

صراخ.

ضحك.

بكاء.

انهيارات نفسية.

كل شيء طبيعي بالنسبة للطلاب.

بحثت عن اسمي.

ثم وجدته.

محمود صلاح.

المرتبة الأولى.

لثوانٍ لم أتحرك.

حدقت في الاسم فقط.

ربما لأنني تذكرت شيئًا فجأة.

قبل عام واحد كنت أجلس فوق سطح منزلنا وأشعر أن حياتي بلا معنى.

أما الآن…

فكنت أقف داخل أعظم جامعة سحرية عرفها العالم.

والأغرب أنني استمتعت بالطريق.

اقترب علي وربت على كتفي.

“الأول كالعادة.”

قلت:

“أكره هذه العبارة.”

ضحكت ليلى.

“وأنا أكره أنك تستحقها.”

لأول مرة منذ فترة طويلة…

شعرت بالسعادة.

سعادة حقيقية.


في تلك الليلة أقامت الجامعة احتفالًا ضخمًا.

الأضواء ملأت السماء.

الألعاب السحرية أضاءت الأبراج.

والطلاب احتفلوا حتى ساعات الفجر.

لكن بعيدًا عن الجميع…

في أعلى نقطة داخل برج الأركان…

كان اجتماع آخر يُعقد.

اجتماع لم يعلم به أحد.

جلس العميد فريد أمام طاولة حجرية دائرية.

وحوله سبعة أشخاص.

جميعهم من أقوى سحرة العالم.

ساد الصمت.

قبل أن يتحدث أحدهم.

رجل عجوز تغطي الندوب وجهه.

قال بصوت منخفض:

“هل أنت متأكد؟”

أجاب العميد:

“نعم.”

“بعد كل هذه السنوات؟”

“نعم.”

وضع العجوز ملفًا قديمًا فوق الطاولة.

فتح الملف.

فظهرت صورة باهتة.

صورة لرمز أسود غريب.

مجرد النظر إليه كان يسبب شعورًا بالاختناق.

قال الرجل:

“إذن النبوءة بدأت.”

ساد الصمت.

ثم أضاف:

“الختم يضعف.”

تغيرت ملامح الجميع.

حتى العميد.

لأول مرة بدا قلقًا.

قالت امرأة تجلس في الظل:

“وماذا عن الطفل؟”

أجاب العميد بعد لحظة:

“لقد وصل.”

“هل يعرف؟”

“لا.”

“ومتى سيعرف؟”

نظر العميد عبر النافذة.

نحو أبراج الجامعة البعيدة.

نحو المكان الذي يحتفل فيه الطلاب.

ثم قال بهدوء:

“عندما يظهر ملك الظلال.”

وفي اللحظة نفسها…

في مكان مجهول خلف حدود العالم المعروف…

تصدع ختم حجري عملاق للمرة الأولى منذ ألف عام.

وخرج منه خيط رفيع من الظلام.

خيط واحد فقط.

لكنه كان كافيًا.

لأن شيئًا قديمًا جدًا…

وشديد الخطورة…

بدأ يستيقظ.

نهاية الجزء الأول

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top