جامعة أركان لتعليم السحر :الجزء الثاني

بداية عام جديد

لم أكن من الأشخاص الذين يتحمسون لبداية سنة دراسية جديدة.

في الحقيقة، كنت أعتبر الأمر مجرد نسخة أخرى من النسخة السابقة، مع كمية أكبر من المشكلات وكمية أقل من النوم.

لكن عندما تكون طالبًا في جامعة أركان للسحر، فإن الملل يصبح رفاهية نادرة.

مر عام كامل منذ وصولي إلى الجامعة.

عام واحد فقط.

ومع ذلك شعرت وكأنني عشت حياة كاملة بين جدرانها الحجرية وأبراجها الشاهقة.

أصبحت أعرف الممرات السرية.

أعرف الأساتذة الذين يجب تجنبهم.

وأعرف أن الاقتراب من ليلى أثناء غضبها يشبه الاقتراب من بركان نشط.

أما علي، فقد أصبح أفضل بكثير بعد شفائه.

للمرة الأولى منذ طفولته كان يركض ويضحك ويتدرب دون أن يسقط أرضًا من الألم.

كان ذلك وحده كافيًا ليجعل السنة الماضية تستحق العناء.

لكن السلام لا يدوم طويلًا في عالم السحر.

رسالة من العميد

في صباح اليوم الأول من العام الدراسي الثاني، تلقى جميع الطلاب استدعاءً رسميًا إلى القاعة الكبرى.

وكان هذا أمرًا غير معتاد.

عادة لا يظهر العميد فريد الأركاني إلا في المناسبات المهمة.

لذلك كان الجميع يتساءل عما يحدث.

امتلأت القاعة خلال دقائق.

مئات الطلاب جلسوا في صفوف طويلة بينما علت الهمسات في كل مكان.

وقفت ليلى بجواري.

وقالت:

“لدي شعور سيئ.”

أجبتها:

“هذا أول تصريح منطقي أسمعه منك منذ أشهر.”

لم تضحك.

وهذا زاد قلقي.

بعد لحظات دخل العميد.

فساد الصمت فورًا.

كان يبدو أكثر إرهاقًا من المعتاد.

تقدم نحو المنصة ثم قال:

“أيها الطلاب، هناك تطورات تستدعي الحذر.”

تبادل الجميع النظرات.

أكمل:

“خلال الأشهر الثلاثة الماضية اختفى خمسة سحرة من كبار الحراس.”

شعرت بأن الهواء أصبح أثقل.

الحراس هم النخبة.

الأشخاص المكلفون بحماية المواقع السحرية القديمة.

إذا كانوا يختفون، فهذه ليست أخبارًا جيدة.

رفع العميد يده.

فظهرت خريطة مضيئة في الهواء.

وتوزعت فوقها نقاط حمراء متعددة.

“هذه مواقع الأختام القديمة.”

توقف قليلًا.

ثم أضاف:

“بعضها بدأ يضعف.”

سر الأختام القديمة

بعد انتهاء الاجتماع لم يتحدث أحد عن شيء آخر.

الأختام القديمة كانت جزءًا من الأساطير التي يدرسها الطلاب في السنوات الأولى.

يُقال إنها حواجز سحرية عملاقة أنشئت قبل ألف عام.

ولا أحد يعرف بالتحديد ما الذي تحبسه.

بعض الروايات تتحدث عن مخلوقات أسطورية.

أخرى تشير إلى ساحر خالد.

وهناك قصص أكثر رعبًا تتحدث عن قوة قادرة على ابتلاع العالم السحري بأكمله.

في تلك الليلة لم أستطع النوم.

لذلك فعلت ما أفعله دائمًا عندما أواجه لغزًا.

ذهبت إلى المكتبة.

كانت المكتبة المركزية شبه فارغة.

جلست بين الرفوف القديمة أبحث عن أي معلومة تخص الأختام.

وبعد ساعات من القراءة وجدت مخطوطة مهملة.

لم تكن تحتوي على الكثير.

لكنها ذكرت اسمًا واحدًا أثار فضولي.

“ملك الظلال.”

كان الاسم مألوفًا.

سمعته من قبل.

في نهاية العام الماضي.

حين اجتمع كبار السحرة داخل برج الأركان.

كيف عرفت ذلك؟

لا أعرف.

لكن منذ ذلك اليوم أصبحت تراودني أحلام غريبة.

أحلام أرى فيها أبوابًا حجرية عملاقة.

وسلاسل سوداء.

وصوتًا يهمس من مكان بعيد.

برج الأسرار

بعد أسبوع أعلنت الجامعة عن برنامج جديد للمتفوقين.

برنامج يسمح بدخول الطوابق العليا من برج الأركان.

المكان الذي مُنع أغلب الطلاب من الاقتراب منه.

وبطبيعة الحال تم اختياري أنا وعلي وليلى ضمن المجموعة.

حين وصلنا إلى البرج شعرت بقشعريرة خفيفة.

المكان بدا أقدم من الجامعة نفسها.

الجدران مغطاة برموز متحركة.

والهواء مليء بطاقة غامضة.

قادنا الأستاذ سليم إلى قاعة دائرية ضخمة.

وقال:

“هنا تحفظ أخطر المعارف السحرية.”

نظرت حولي.

آلاف الكتب.

مئات المخطوطات.

وعشرات القطع الأثرية المحفوظة خلف حواجز شفافة.

بينما كان الآخرون يتجولون، لفت انتباهي كتاب صغير موضوع داخل صندوق زجاجي.

اقتربت منه.

وكان عنوانه:

“تاريخ الوريث.”

شعرت بدقات قلبي تتسارع.

لكن قبل أن أتمكن من قراءة المزيد ظهر الأستاذ بجانبي.

وأغلق الصندوق فورًا.

قال ببرود:

“هذا القسم غير متاح للطلاب.”

ثم غادر.

لكنني رأيت القلق في عينيه.

أول مواجهة

بعد أيام قليلة حدث أمر لم يكن في الحسبان.

كنت عائدًا من قاعة التدريب مع علي عندما تعرضنا لهجوم.

في البداية ظننت أنها مزحة.

لكن المهاجم لم يكن طالبًا.

كان يرتدي عباءة سوداء تخفي ملامحه.

ورسم على الأرض دائرة سحرية معقدة.

انفجرت الظلال من حوله.

وتحولت إلى مخلوقات سوداء ذات عيون حمراء.

صرخ علي:

“محمود!”

قفزت للخلف بصعوبة.

ثم أطلقت تعويذة دفاعية.

اصطدمت إحدى المخلوقات بالحاجز فتطاير الشرر الأزرق.

لم يستمر القتال طويلًا.

لأن أحد الأساتذة وصل بسرعة.

اختفى المهاجم قبل الإمساك به.

لكن الشيء الغريب أنه ترك شيئًا خلفه.

رمزًا مرسومًا على الجدار.

رمزًا يشبه العلامة الموجودة في المخطوطة القديمة.

علامة ملك الظلال.

موهبة غير متوقعة

بعد الحادث استدعاني العميد إلى مكتبه.

وكان هذا آخر شيء كنت أرغب فيه.

جلست أمامه بينما كان يراجع مجموعة من الأوراق.

ثم رفع رأسه.

وقال:

“محمود، هل لاحظت شيئًا مختلفًا في الآونة الأخيرة؟”

فكرت قليلًا.

ثم أجبته:

“أصبحت أتعرض لمحاولات قتل أكثر من المعتاد.”

لم يبتسم.

وهذا يعني أن الوضع خطير فعلًا.

أخرج بلورة شفافة ووضعها أمامي.

“المسها.”

فعلت.

وفورًا امتلأت البلورة بخطوط ذهبية متشابكة.

تغيرت ملامح العميد.

وقال:

“كما توقعت.”

سألته:

“ماذا يحدث؟”

صمت لثوانٍ.

ثم قال:

“أنت ترى المسارات.”

لم أفهم شيئًا.

شرح أن بعض السحرة النادرين يمتلكون قدرة استثنائية تسمح لهم برؤية البنية الحقيقية للطاقة السحرية.

وأن هذه القدرة لم تظهر منذ أجيال طويلة.

وأضاف:

“هناك أشخاص سيبذلون كل ما لديهم للوصول إليك.”

لم يكن هذا مطمئنًا.

همسات في الظلام

في الأسابيع التالية بدأت الأمور تزداد غرابة.

الأحلام أصبحت أوضح.

الأصوات أصبحت أقرب.

وفي كل مرة كنت أغمض عيني أرى الباب الحجري نفسه.

وفي إحدى الليالي حدث شيء مختلف.

سمعت الهمس بوضوح لأول مرة.

صوت عميق قادم من مكان بعيد جدًا.

قال:

“اقترب الوقت.”

فتحت عيني مذعورًا.

وكانت الغرفة مظلمة.

لكن شيئًا واحدًا جعل الدم يتجمد في عروقي.

كانت هناك كلمات محفورة على الجدار المقابل لسريري.

لم تكن موجودة قبل النوم.

ولم يكن أحد قادرًا على دخول الغرفة.

قرأت العبارة ببطء.

“الختم الأول سيسقط.”

نهاية الجزء الأول

في صباح اليوم التالي استيقظت الجامعة على خبر صادم.

أحد الأختام القديمة انهار بالكامل خلال الليل.

اختفى الحراس المكلفون بحمايته.

واختفت معهم مدينة سحرية كاملة من الخرائط.

وقف الطلاب في الساحات يتبادلون الشائعات.

بينما علت صفارات الإنذار السحرية في جميع الأبراج.

أما أنا فكنت أحدق في الأفق البعيد.

لأنني كنت أعرف شيئًا لا يعرفه الآخرون.

هذا لم يكن حادثًا.

ولم يكن مجرد بداية أزمة.

كان أول تحرك في حرب قديمة عادت إلى الحياة.

وفي مكان مجهول خلف حدود العالم…

كان شخص ما يبتسم داخل الظلام.

وينتظر وصولي.

أركان: صعود الظلال

الفصل الثاني: مدينة الضباب المفقودة

عالم السحر بعد سقوط الختم الأول

لم تعد جامعة أركان كما عرفتها.

منذ انهيار الختم الأول، تغير كل شيء داخل أكاديمية السحر الأشهر في العالم. اختفت أجواء الهدوء التي اعتادها الطلاب، وحلت مكانها حالة من الترقب والقلق. الحراس انتشروا عند المداخل، والأساتذة أصبحوا أكثر صرامة، أما الشائعات فكانت تنتقل بين القاعات الدراسية أسرع من أي تعويذة انتقال.

كنت أسير عبر الممر الحجري المؤدي إلى برج الأركان حين سمعت طالبين يتحدثان بصوت منخفض.

قال الأول:

“يقولون إن مدينة كاملة اختفت.”

أجابه الآخر:

“ويقولون أيضًا إن أبناء الليل وراء ما حدث.”

تابعت طريقي دون تعليق.

في جامعة أركان، تبدأ معظم الشائعات ككذبة صغيرة ثم تتحول إلى حقيقة مزعجة بعد أيام قليلة.

للأسف، كان هذا أحد تلك الأيام.

استدعاء إلى مجلس السحرة

وصلني استدعاء رسمي مختوم بختم العميد فريد الأركاني.

وهذه ليست نوعية الرسائل التي يحب الطالب استقبالها أثناء تناول الإفطار.

بعد دقائق كنت أقف داخل قاعة الاجتماعات العليا في برج الأركان.

جلس العميد خلف طاولة دائرية تحيط بها خرائط سحرية متحركة. بجانبه وقف الأستاذ سليم وعدد من كبار الحراس.

قال العميد مباشرة:

“لدينا مشكلة جديدة.”

أجبت:

“بدأت أشتاق إلى الأيام التي كانت مشكلتي فيها امتحانات نهاية الفصل.”

تجاهل تعليقي.

وأشار إلى خريطة معلقة في الهواء.

ظهرت منطقة بعيدة شمال عالم السحر.

ثم قال:

“هذه مدينة الضباب.”

توقفت الصورة للحظة.

ثم اختفت المدينة بالكامل من الخريطة.

شعرت بقشعريرة خفيفة.

أكمل العميد:

“قبل أسبوع كانت موجودة. اليوم لم يعد لها أثر.”

ساد الصمت داخل القاعة.

حتى بالنسبة لعالم السحرة، كان اختفاء مدينة كاملة أمرًا غير طبيعي.

رحلة إلى المدينة المفقودة

في صباح اليوم التالي انطلقت بعثة استكشافية من جامعة أركان.

ضمت المجموعة العميد، وعددًا من أساتذة أكاديمية السحر، إضافة إلى مجموعة صغيرة من الطلاب المتفوقين.

كنت أنا وعلي وليلى من بينهم.

عبرنا بوابة انتقال ضخمة، وفي لحظة واحدة تغير المشهد من أبراج الجامعة المهيبة إلى أرض رمادية تغطيها طبقات كثيفة من الضباب.

لم يكن المكان مخيفًا بالمعنى التقليدي.

بل كان فارغًا.

وفراغ بعض الأماكن أكثر رعبًا من وجود الوحوش فيها.

سرنا لساعات.

كل شيء كان يبدو طبيعيًا للوهلة الأولى.

المنازل قائمة.

النوافذ سليمة.

الأسواق موجودة.

لكن البشر اختفوا.

لا سكان.

ولا حراس.

لا تجار.

لا أطفال.

مدينة كاملة تحولت إلى أطلال صامتة.

قالت ليلى بصوت خافت:

“أشعر وكأن المكان مات.”

ولأول مرة لم أجد تعليقًا ساخرًا مناسبًا.

موهبة رؤية المسارات السحرية

بينما كان أفراد البعثة يفتشون الشوارع، بدأت ألاحظ شيئًا مختلفًا.

خيوط ضوء رفيعة تتحرك فوق الأرض.

في البداية ظننت أنني أتخيل.

لكنها أصبحت أوضح كلما تقدمت.

كانت مسارات طاقة سحرية.

شبكة ضخمة من الخطوط المتوهجة تمتد بين المباني.

اتبعت أحدها بعيني.

ثم آخر.

ثم عشرات المسارات.

جميعها كانت تتجه نحو مركز المدينة.

صرخت:

“وجدت شيئًا.”

اجتمع الجميع حولي.

لكن المفاجأة أن أحدًا لم يستطع رؤية ما أراه.

تقدم العميد.

ثم قال:

“إنها موهبة الوريث.”

كرهت هذه الكلمة.

كلما سمعتها ازدادت أسئلتي.

أي وريث؟

ولماذا أنا؟

لكن لم يكن هناك وقت للنقاش.

كانت المسارات تقودنا إلى برج ضخم يقع في قلب المدينة.

برج الحاكم القديم

كان البرج أقدم من أي بناء رأيته داخل جامعة أركان.

جدرانه السوداء مغطاة برموز منسية.

والهواء حوله مليء بطاقة ثقيلة تجعل التنفس أصعب.

دفع الحراس البوابة العملاقة.

فانفتحت ببطء.

دخلنا بحذر.

كل خطوة داخل البرج كانت تكشف مزيدًا من الأسرار.

حتى وصلنا إلى القاعة العليا.

وهناك توقف الجميع.

في وسط القاعة ظهرت دائرة سحرية هائلة محفورة في الأرض.

حولها عشرات السلاسل المحطمة.

وعلامات احتراق غامضة.

نظر الأستاذ سليم إلى المشهد وقال:

“هذا مستحيل.”

سألته:

“ما الذي تنظر إليه؟”

أجاب العميد بدلًا منه:

“كان هناك ختم قديم هنا.”

تجمدت ملامحي.

ختم آخر.

وهذا يعني أن خطر ملك الظلال يقترب أكثر مما كنا نعتقد.

ظهور أبناء الليل

قبل أن نتمكن من دراسة الموقع اهتز البرج بعنف.

وانفجرت النوافذ دفعة واحدة.

قفز الحراس إلى مواقعهم القتالية.

وفي اللحظة التالية ظهر غرباء داخل القاعة.

عشرات الأشخاص.

يرتدون عباءات سوداء وأقنعة فضية.

عرفتهم فورًا.

أبناء الليل.

التنظيم السري الذي يتردد اسمه في كل زاوية من عالم السحر.

تقدم قائدهم خطوة واحدة.

ثم قال بهدوء:

“وصلتم متأخرين.”

رفع العميد يده.

واشتعلت الطاقة السحرية حوله.

لكن الرجل المقنع لم يبدُ خائفًا.

بل نظر نحوي مباشرة.

وقال:

“هل أخبروك من تكون حقًا يا محمود صلاح؟”

شعرت بأن الوقت توقف للحظة.

كيف يعرف اسمي؟

وما الذي يقصده؟

معركة داخل البرج الأسود

انطلقت التعاويذ في كل اتجاه.

النيران الزرقاء اصطدمت بالظلال السوداء.

الأرض اهتزت.

والهواء امتلأ بشرارات الطاقة السحرية.

حاولت حماية علي وليلى بينما كان الأساتذة يواجهون أعضاء أبناء الليل.

رأيت أحد المهاجمين يطلق وحشًا مصنوعًا من الظلام الخالص.

لكنني استطعت رؤية نقطة ضعفه عبر المسارات السحرية.

أطلقت تعويذة مركزة.

فانهار الوحش فورًا.

توقف الرجل المقنع للحظة.

وكأنه تأكد من شيء كان يشك فيه.

ثم ابتسم خلف قناعه.

وقال:

“إذن النبوءة صحيحة.”

سر الوريث

قبل انسحاب أبناء الليل اقترب القائد مني.

لم يكن بيننا سوى أمتار قليلة.

قال بصوت منخفض:

“لقد أخفوا عنك الحقيقة.”

أجبته:

“أي حقيقة؟”

قال:

“أنت الوريث الأخير.”

ثم ألقى كرة دخانية سوداء على الأرض.

وفي لحظة اختفى هو وأتباعه.

انتهت المعركة.

لكن كلماته بقيت داخل رأسي.

الوريث الأخير.

ماذا تعني؟

ولماذا يتكرر هذا اللقب كلما اقتربت من أسرار ملك الظلال؟

كتاب النبوءة المحظور

بعد العودة إلى جامعة أركان لم أستطع التوقف عن التفكير.

لهذا عدت إلى برج الأركان ليلًا.

إلى القسم المحظور.

إلى المكان الذي رأيت فيه كتابًا قديمًا يحمل عنوانًا واحدًا:

“تاريخ الوريث.”

فتحت الكتاب.

ثم بدأت القراءة.

كل صفحة كانت تكشف سرًا جديدًا.

تحدثت المخطوطات عن شخص يمتلك قدرة نادرة تسمى رؤية المسارات.

شخص قادر على فهم البنية الحقيقية للطاقة السحرية.

شخص يرتبط مصيره بالأختام القديمة.

وبملك الظلال.

وكان الوصف يشبهني أكثر مما ينبغي.

سقوط الختم الثاني

في تلك الليلة لم أنم.

جلست داخل غرفتي أراجع ما قرأته.

ثم فجأة دوّت أجراس الإنذار في جميع أنحاء الجامعة.

قفز الطلاب من أسرّتهم.

وانطلقت صفارات الطوارئ السحرية.

ركضت نحو النافذة.

ثم رأيت المشهد.

في الأفق البعيد ارتفع عمود هائل من الظلام نحو السماء.

كان أكبر من أي تعويذة عرفتها أكاديمية السحر.

وأقوى من أي قوة رأيتها داخل عالم السحرة.

ظهر العميد بجانبي.

وكان وجهه شاحبًا.

سألته:

“ما الذي حدث؟”

ظل صامتًا للحظة.

ثم قال:

“الختم الثاني.”

نظرت إليه.

أكمل بصوت منخفض:

“لقد سقط.”

وفي اللحظة نفسها اهتز عالم السحر بأكمله.

أما أنا فأدركت حقيقة مرعبة.

ما حدث في مدينة الضباب لم يكن النهاية.

بل كان بداية حرب قديمة.

حرب ترتبط بجامعة أركان.

وبملك الظلال.

وبالوريث الذي ما زلت أرفض تصديق أنه أنا.

أركان: صعود الظلال

الفصل الثالث: مخطوطة الوريث الأخيرة

ارتجاج عالم السحرة بعد سقوط الختم الثاني

لم يكن سقوط الختم الثاني مجرد حادثة عابرة في تاريخ جامعة أركان.

خلال الأيام التالية تغيرت ملامح عالم السحر بالكامل. أغلقت البوابات بين العديد من المدن السحرية، وفرض مجلس السحرة حالة تأهب قصوى، بينما انتشرت فرق الحراسة في الطرق التجارية والممرات السحرية القديمة.

أما داخل أكاديمية السحر، فقد تحولت القاعات الدراسية إلى مراكز نقاش مفتوحة.

الجميع يتحدث عن الشيء نفسه.

الأختام القديمة.

أبناء الليل.

وملك الظلال.

جلست في قاعة المحاضرات أراقب الطلاب وهم يتبادلون الشائعات.

بعضهم قال إن جيشًا مظلمًا ظهر في الشمال.

آخرون تحدثوا عن مخلوقات خارجة من الأساطير.

أما أنا فكنت أفكر في شيء مختلف.

كنت أفكر في الكتاب المحظور.

وفي اللقب الذي يطاردني منذ بداية العام.

الوريث.

اجتماع داخل برج الأركان

وصلني استدعاء جديد من العميد فريد الأركاني.

أصبحت مقتنعًا أن الرجل لا يعرف كيف يتركني أعيش حياة طبيعية.

عندما دخلت مكتبه وجدت ليلى وعلي موجودين بالفعل.

وكانت ملامحهما متوترة.

قال العميد:

“ما سأقوله الآن يجب أن يبقى سرًا.”

وهذه الجملة وحدها كانت كافية لجذب انتباهنا.

رفع يده.

فظهرت خريطة قديمة في الهواء.

كانت مختلفة عن كل الخرائط التي رأيتها سابقًا.

احتوت على مناطق مجهولة ورموز غريبة.

أشار إلى نقطة بعيدة شرق عالم السحر.

ثم قال:

“هناك مخطوطة مفقودة.”

توقفت لحظة.

ثم أضاف:

“آخر سجل معروف يتحدث عن الوريث.”

شعرت بأن قلبي ينبض أسرع.

وأدركت أن مهمتنا القادمة ستكون مرتبطة بي بشكل مباشر.

وهو أمر لم يعجبني إطلاقًا.

بداية رحلة البحث عن الحقيقة

بعد يومين انطلقت بعثتنا الجديدة.

هذه المرة لم نتجه نحو مدينة أو قلعة.

بل نحو منطقة تسمى وادي الرماد.

مكان مهجور يقع خارج المسارات التجارية المعروفة.

وتحيط به عشرات القصص المرعبة.

يقال إن السحرة القدماء استخدموه لإخفاء أسرارهم.

ويقال أيضًا إن كثيرين دخلوه ولم يعودوا أبدًا.

بالنسبة لي بدت هذه بداية ممتازة لمغامرة سيئة.

عبرنا البوابة السحرية.

وفي لحظة واحدة تغير كل شيء.

اختفت الأبراج.

واختفت المدن.

وحلت محلها أرض قاحلة تمتد حتى الأفق.

السماء رمادية.

والهواء يحمل رائحة احتراق قديمة.

أما الصمت فكان ثقيلًا بصورة غير مريحة.

أطلال الحضارة المنسية

بعد ساعات من السير ظهرت أولى الآثار.

أعمدة حجرية ضخمة.

تماثيل مكسورة.

ونقوش غريبة محفورة على الصخور.

اقتربت من أحد الجدران.

ثم لمست الرمز المنقوش عليه.

وفجأة ظهرت أمام عيني خطوط طاقة خفية.

كانت موهبتي تتطور.

أصبحت رؤية المسارات أوضح من أي وقت مضى.

تتبعت الخيوط المتوهجة.

واكتشفت أنها تتجه نحو بناء قديم نصف مدفون تحت الرمال السوداء.

أشرت إليه.

وقال العميد:

“أحسنت.”

ثم أمر الحراس بفتح الطريق.

بدأنا إزالة الأنقاض.

وبعد ساعات طويلة انكشفت بوابة حجرية ضخمة.

كانت تحمل شعارًا مألوفًا.

الشعار نفسه الذي رأيته داخل كتاب تاريخ الوريث.

دهاليز المعرفة المحرمة

ما إن فتحنا البوابة حتى اندفعت رياح باردة من الداخل.

نزلنا عبر درج حلزوني طويل.

كلما تعمقنا أكثر ازدادت الرموز السحرية على الجدران.

شعرت وكأن المكان ينتظرنا منذ قرون.

وصلنا أخيرًا إلى قاعة دائرية واسعة.

وفي مركزها وجدنا منصة حجرية.

فوقها صندوق معدني قديم.

اقترب العميد بحذر.

ثم فتح الغطاء.

ظهر كتاب أسود مغطى بالغبار.

نظر إلي.

وقال:

“هذه هي المخطوطة.”

تقدمت ببطء.

ثم فتحت الصفحة الأولى.

وكان السطر الأول كافيًا لإرباكي.

“إذا قرأت هذه الكلمات، فقد عاد الظلام إلى العالم.”

أسرار ملك الظلال

بدأت أقرأ.

ومع كل صفحة كانت الصورة تزداد تعقيدًا.

اكتشفت أن ملك الظلال لم يكن وحشًا كما تصور الروايات الحديثة.

بل كان أحد أقوى حماة العالم السحري.

قاد حربًا قديمة ضد قوة مجهولة هددت الوجود نفسه.

لكن في نهاية الصراع تعرض للخيانة.

اجتمع سبعة سحرة عظماء ضده.

واستخدموا الأختام القديمة لسجنه.

أغلقت الكتاب ببطء.

ثم نظرت إلى العميد.

قلت:

“إذا كان حاميًا… فلماذا يخشاه الجميع؟”

أجاب بهدوء:

“لأن التاريخ يكتبه المنتصرون.”

لم تعجبني الإجابة.

لكنها بدت منطقية أكثر مما ينبغي.

كمين أبناء الليل

قبل أن نغادر الموقع تعرضنا لهجوم جديد.

اهتزت الأرض فجأة.

ثم ظهرت دوائر سحرية حمراء في كل الاتجاهات.

عرفنا فورًا من يقف خلف الأمر.

أبناء الليل.

هذه المرة لم يرسلوا مجموعة صغيرة.

بل جيشًا كاملًا.

خرج عشرات المقاتلين من بين الأنقاض.

وفي مقدمتهم وقف الرجل المقنع نفسه.

قائد التنظيم السري.

نظر نحوي مباشرة.

ثم قال:

“لقد قرأت الحقيقة أخيرًا.”

أجبت:

“ما زلت لا أعرف ما الذي يحدث.”

ضحك.

وقال:

“لأنهم لا يريدونك أن تعرف.”

معركة وادي الرماد

اندلع القتال بعنف غير مسبوق.

اشتعلت السماء بالتعاويذ.

وتحولت الرمال إلى أمواج من الطاقة.

رأيت علي يستخدم قدرته الجديدة لامتصاص هجمات خصومه.

بينما كانت ليلى تقاتل بسرعة مذهلة.

أما أنا فاعتمدت على رؤية المسارات.

كنت أرى نقاط الضعف داخل التعاويذ.

وأتعقب حركة الطاقة قبل أن تكتمل.

لأول مرة شعرت أن موهبتي ليست مجرد قدرة غريبة.

بل سلاح حقيقي.

لكن شيئًا آخر حدث.

شيئًا لم أكن مستعدًا له.

القوة المجهولة

خلال المعركة أصابتني تعويذة مباشرة.

سقطت أرضًا.

وشعرت بأن العالم يدور حولي.

في تلك اللحظة سمعت الصوت نفسه الذي يظهر في أحلامي.

الصوت العميق القادم من خلف الأبواب الحجرية.

قال:

“استيقظ.”

ثم انفجرت طاقة هائلة من جسدي.

تراجعت الظلال.

وتحطمت التعويذات.

حتى قائد أبناء الليل بدا مصدومًا.

نظر إلي وكأنه يرى شبحًا.

ثم همس:

“إذن بدأت القوة بالعودة.”

قبل أن أسأله عما يقصده، أصدر أمر الانسحاب.

واختفى الجميع خلال ثوانٍ.

تحذير من المستقبل

عدنا إلى جامعة أركان ومعنا المخطوطة.

لكن الأمور أصبحت أكثر تعقيدًا.

اجتمع مجلس السحرة بصورة طارئة.

وأغلقت أجزاء كاملة من برج الأركان.

أما أنا فكنت أعيش وسط دوامة من الأسئلة.

في إحدى الليالي زارني العميد داخل غرفتي.

جلس بصمت لثوانٍ.

ثم قال:

“هناك شيء يجب أن تعرفه.”

انتظرت.

أكمل:

“سقوط الأختام ليس الهدف الحقيقي.”

سألته:

“إذن ما الهدف؟”

نظر عبر النافذة نحو السماء المظلمة.

ثم قال:

“هناك بوابة.”

شعرت بالبرودة تسري في جسدي.

تابع حديثه:

“إذا تحطمت جميع الأختام، ستُفتح البوابة.”

“وماذا يوجد خلفها؟”

ساد الصمت.

ثم أجاب:

“شيء لم يكن من المفترض أن يعود أبدًا.”

نهاية الفصل الثالث

في الليلة نفسها رأيت حلمًا مختلفًا.

لم تكن هناك أبواب حجرية.

ولا سلاسل.

ولا ظلال.

بل مدينة كاملة تحترق.

وأبراج تنهار.

وجيوش تتقاتل تحت سماء حمراء.

وفي وسط الفوضى رأيت شخصًا يقف فوق جبل من الأنقاض.

كان يرتدي درعًا أسود.

ويمسك سيفًا غريبًا.

لم أرَ وجهه.

لكنني شعرت أنني أعرفه.

ثم استدار نحوي.

وقال جملة واحدة فقط:

“اقترب الموعد.”

استيقظت مذعورًا.

والعرق يغطي وجهي.

لكن الصدمة الحقيقية لم تكن الحلم.

بل ما وجدته فوق مكتبي.

ريشة سوداء ضخمة لم تكن موجودة قبل النوم.

وبجانبها رسالة قصيرة.

مكتوبة بحبر أحمر.

“نحن نعرف أين أنت يا وريث الظلال.”

عندها فقط أدركت أن الحرب لم تعد تقترب.

لقد بدأت بالفعل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top