
هناك حقيقة تعلمتها بعد سنوات من العمل الصحفي:
كلما بدا شخص ما عاقلًا جدًا، فغالبًا هو يخفي جنونًا صغيرًا في مكان ما.
أما إذا بدا مجنونًا منذ البداية، فالأفضل أن تعبر الشارع إلى الرصيف الآخر.
اسمي مصطفى.
صحفي في جريدة محلية لا يقرأها إلا ثلاثة أشخاص على الأرجح: رئيس التحرير، عامل المطبعة، وأمي.
مهمتي الرسمية هي البحث عن الأخبار الغريبة.
أما مهمتي الحقيقية فهي إقناع رئيس التحرير أن هناك فرقًا بين التحقيق الصحفي وبين مراقبة قطة ضالة لمدة أسبوع كامل لمعرفة سبب اختفائها كل يوم أربعاء.
في صباح يوم قائظ من صباحات الصيف التي تشبه العقاب الإلهي أكثر مما تشبه الطقس، كنت أجلس في المقهى المعتاد مع صديقي خالد عبد الناصر.
خالد خريج كلية العلوم.
وهذه معلومة يذكرها للجميع كل عشر دقائق تقريبًا.
إذا سألته عن الساعة أخبرك أولًا أنه خريج علوم.
إذا طلبت منه سيجارة أخبرك أنه خريج علوم.
إذا اندلعت حرب عالمية ثالثة فسيجد طريقة ليشرح أن كلية العلوم أعدته لهذا الموقف.
أما الصفة الثانية التي يعرفها الجميع عنه فهي التدخين.
الرجل لا يدخن السجائر.
هو يعيش معها علاقة عاطفية مستقرة.
كنت أحيانًا أشك أن الرئتين داخله مصنوعتان من الفحم.
قال خالد وهو يشعل سيجارته السادسة:
“أتعرف يا مصطفى؟ لو حصلت على وظيفة محترمة سأقلع عن التدخين.”
قلت:
“ولو حصلت على وظيفة محترمة فسأقلع عن الصحافة.”
قال:
“إذن سنموت معًا.”
وهنا ظهر محمود.
محمود من أولئك الأشخاص الذين لا تعرف ماذا يعملون بالضبط.
كل ما تعرفه أنهم دائمًا يعرفون شخصًا يعرف شخصًا آخر يستطيع إحضار أي شيء.
اقترب منا وهو يبتسم ابتسامة مريبة.
قال:
“أرى أن الصداع عاد إليك يا خالد.”
رفع خالد حاجبه.
“وكيف عرفت؟”
“وجهك يقول ذلك.”
قال خالد:
“وجهي يقول أشياء كثيرة هذه الأيام.”
جلس محمود وأخرج علبة معدنية صغيرة من جيبه.
فتحها بحركة مسرحية مبالغ فيها.
في الداخل كانت توجد ثلاث حبات رمادية اللون.
ليست كبسولات.
وليست أقراصًا عادية.
شيء بين الاثنين.
قال محمود:
“هذا علاج ممتاز.”
سأل خالد:
“للصداع؟”
ابتسم محمود.
“ولأشياء أخرى.”
كرهت الجملة فورًا.
في حياتي كلها لم أسمع أحدًا يقول “ولأشياء أخرى” ثم يحدث شيء جيد بعدها.
لكن خالد كان أقل حذرًا.
أو ربما أكثر يأسًا.
تناول إحدى الحبات.
نظر إليها لحظة.
ثم ابتلعها مع رشفة ماء.
قلت:
“إذا مت فسأخبر الشرطة أنني حذرتك.”
قال:
“إذا مت فلن أستطيع تأكيد كلامك.”
ثم ضحكنا جميعًا.
غادر محمود بعد دقائق.
أما خالد فبقي يدخن وينظر إلى المارة.
وفجأة قال:
“أشعر بغرابة.”
قلت:
“غثيان؟”
“لا.”
“دوخة؟”
“لا.”
ثم أضاف:
“كأن رأسي أخف.”
قلت:
“هذه أول مرة يحدث ذلك.”
نظر إلي باستياء.
لكن قبل أن يرد، حدث شيء غريب.
فنجان القهوة الموضوع أمامه تحرك.
ببطء شديد.
تحرك عدة سنتيمترات فوق الطاولة.
ثم توقف.
حدقت فيه.
وحدق خالد فيه.
ثم حدقنا في بعضنا.
قلت:
“هل رأيت ما رأيت؟”
قال:
“للأسف نعم.”
سقط الصمت بيننا.
ثم قلت:
“ربما الحرارة.”
قال:
“والطاولة أيضًا أصابتها ضربة شمس؟”
لم أجد جوابًا.
لكن الأمر لم يتكرر.
لذلك أقنعنا أنفسنا أنه مجرد وهم.
في المساء اتصل بي خالد.
كان صوته متوترًا.
قال:
“تعال فورًا.”
سألته:
“هل اشتعلت فيك الحبة؟”
قال:
“أسوأ.”
ذهبت إلى شقته.
وكان يعيش في الطابق الثالث من بناية قديمة.
استقبلني وهو شاحب الوجه.
دخلت.
وأغلقت الباب.
ثم سألته:
“ماذا حدث؟”
أشار إلى منفضة السجائر.
كانت على الطاولة.
قال:
“راقب.”
ركز نظره عليها.
ثانية.
ثانيتان.
ثلاث.
ثم ارتفعت المنفضة في الهواء.
ببطء.
كأن يدًا خفية تحملها.
شعرت أن معدتي انقلبت.
استمرت معلقة لثوانٍ.
ثم سقطت.
محدثة صوتًا قويًا.
لم أتكلم.
ولم يتكلم هو.
حتى قال أخيرًا:
“أعتقد أنني أصبت بالجنون.”
قلت:
“أتمنى ذلك.”
قال:
“لماذا؟”
قلت:
“لأن الاحتمال الآخر أسوأ بكثير.”
جلسنا ساعة كاملة نجرب.
في كل مرة يركز خالد على شيء صغير.
قلم.
ولاعة.
علبة سجائر.
فتتحرك.
أحيانًا عدة سنتيمترات.
وأحيانًا مترًا كاملًا.
وفي كل مرة يزداد ذهولي.
وفي كل مرة يزداد حماس خالد.
وهذا ما أخافني.
لأن الإنسان عندما يحصل على قوة غير طبيعية لا يفكر أولًا في الخير.
بل يفكر في الشخص الذي يزعجه.
وفي حالة خالد كان ذلك الشخص معروفًا جدًا.
المعلم درويش.
صاحب البقالة أسفل البناية.
رجل ضخم الحجم.
صوته أعلى من مكبرات المساجد.
ويعتبر أن تشغيل الأغاني الشعبية حتى منتصف الليل حق دستوري.
منذ سنوات وهو يخوض حربًا باردة مع سكان العمارة.
وفي مقدمتهم خالد.
قال خالد وهو يبتسم ابتسامة شريرة:
“أتعرف؟”
قلت:
“لا أحب هذه النبرة.”
قال:
“لدي فكرة.”
قلت:
“بالتأكيد.”
قال:
“سأؤدب درويش.”
وهكذا بدأت الكارثة.
في الليلة التالية وقفنا خلف نافذة شقته.
كانت البقالة مضاءة.
ودرويش يجلس أمامها كعادته.
يدخن الشيشة.
ويصرخ في عامل المحل.
ركز خالد نظره.
وبدأت أول تجربة انتقامية.
تحركت قبعة درويش من فوق رأسه.
ثم ارتفعت.
ثم هبطت داخل صندوق طماطم.
نظر الرجل حوله بدهشة.
ضحكت حتى كدت أسقط.
أما خالد فكان يصفق لنفسه.
بعدها بخمس دقائق تحركت الشيشة وحدها.
وانقلبت على الأرض.
قفز درويش مذعورًا.
أما العامل فبدأ يقرأ آيات من القرآن بصوت مرتفع.
وفي اليوم الثالث أصبح الأمر أكثر جرأة.
ارتفعت أكياس البطاطس وحدها.
وسقطت.
ثم تحرك الميزان.
ثم انطفأت الأنوار.
ثم اشتعلت.
أصبح درويش مقتنعًا أن محله مسكون.
أما سكان الحي فبدأوا يتحدثون عن جن غاضب يسكن البقالة.
ولأول مرة منذ سنوات اختفت الأغاني الصاخبة.
كان خالد سعيدًا بشكل لا يوصف.
لكنني لم أكن سعيدًا.
لأن شيئًا ما لم يكن طبيعيًا.
في كل مرة يستخدم فيها قوته، كانت تحدث أمور أخرى.
أشياء لا يتحكم بها.
ظلال تتحرك.
أصوات غريبة.
وشعور بوجود شخص يراقبنا.
وفي الليلة الخامسة حدث ما جعل الدم يتجمد في عروقي.
كنا نقف قرب النافذة نراقب البقالة.
عندما رأيت شخصًا يقف في الطرف الآخر من الشارع.
رجل طويل.
يرتدي معطفًا داكنًا رغم حرارة الصيف.
كان ينظر مباشرة إلى شقة خالد.
لا إلى البقالة.
ولا إلى الشارع.
إلينا نحن.
قلت:
“خالد… هل تعرف هذا الرجل؟”
التفت خالد.
لكن الشارع كان فارغًا.
اختفى الرجل.
كأنه لم يكن موجودًا أصلًا.
ضحك خالد.
وقال إنني أتخيل.
لكنني لم أكن أتخيل.
لأنني عندما التفت نحو الطاولة خلفنا رأيت شيئًا غريبًا.
شيئًا لم يكن موجودًا قبل دقائق.
علبة الحبوب الرمادية.
كانت فوق الطاولة.
رغم أننا متأكدان أنها نفدت منذ أيام.
وفوقها ورقة صغيرة.
التقطتها.
وفتحتها.
وكان مكتوبًا بخط أسود مرتجف:
“المرحلة الأولى اكتملت.”
عندها فقط أدركت أن ما حصل عليه خالد لم يكن مجرد قوة غريبة.
بل بداية شيء أكبر.
وأخطر بكثير.
هناك قاعدة قديمة تعلمتها من العمل الصحفي:
إذا وجدت ورقة مجهولة مكتوبًا عليها “المرحلة الأولى اكتملت”، فلا تنتظر المرحلة الثانية.
اهرب.
لكن للأسف، البشر لا يفعلون ما يجب عليهم فعله.
لهذا السبب كنت جالسًا في صباح اليوم التالي أمام خالد داخل مقهى شعبي، نحدق في علبة الحبوب الرمادية وكأنها قنبلة موقوتة.
قال خالد وهو يشعل سيجارة جديدة:
“أعتقد أن علينا معرفة مصدرها.”
قلت:
“وأعتقد أن علينا دفنها في الصحراء.”
قال:
“فكرة ممتازة بعد أن نعرف مصدرها.”
تنهدت.
كان خالد من النوع الذي يفتح الباب أولًا ثم يسأل إلى أين يؤدي.
أما أنا فكنت أفضل السؤال قبل الدخول.
وأحيانًا قبل الاقتراب أصلًا.
أخرجت الورقة التي وجدناها الليلة الماضية.
تأملها خالد للحظات.
ثم قال:
“نبدأ بمحمود.”
وجدنا محمود في المقهى نفسه الذي التقيناه فيه أول مرة.
كان يجلس ويلعب الطاولة مع رجل أصلع يبدو أنه يكره الحياة بشكل شخصي.
جلسنا أمامه.
فور أن رأى العلبة الرمادية اختفت الابتسامة من وجهه.
قال خالد:
“من أين حصلت عليها؟”
أشعل محمود سيجارة.
ثم أخرى.
ثم قال:
“لا أريد مشاكل.”
قلت:
“ممتاز. نحن أيضًا.”
رد:
“إذن انسوا الأمر.”
اقترب خالد للأمام.
وهنا لاحظت شيئًا غريبًا.
فنجان الشاي الموجود أمام محمود بدأ يهتز.
اهتز خفيفًا.
ثم أكثر.
ثم انزلق وحده عدة سنتيمترات.
اتسعت عينا محمود.
أما خالد فابتسم.
تلك الابتسامة التي تظهر عندما يكتشف طفل طريقة جديدة لإزعاج الناس.
قال بهدوء:
“من أين حصلت عليها؟”
ابتلع محمود ريقه.
وقال بسرعة:
“من يونس.”
كان الوصول إلى يونس أصعب مما توقعنا.
الرجل يعمل في بيع كل شيء تقريبًا.
هو ليس تاجر مخدرات بالمعنى التقليدي.
بل أقرب إلى وسيط بين العالم الطبيعي والعالم الذي يفضل القانون ألا يعرف بوجوده.
استغرق الأمر يومين كاملين حتى وجدناه.
كان يجلس داخل ورشة مهجورة على أطراف المدينة.
قصير القامة.
كثير الحركة.
وعيناه تتحركان باستمرار كأنهما تبحثان عن مخرج للطوارئ.
نظر إلينا بحذر.
ثم نظر إلى العلبة.
واختفى اللون من وجهه.
قال:
“من أعطاكم هذا؟”
أجاب خالد:
“السؤال هنا من أعطاك أنت.”
هز رأسه بعصبية.
“لا يمكنني.”
قلت:
“صدقني. يمكنك.”
قال:
“لا تعرفون مع من تتعاملون.”
رد خالد:
“ولا أنت.”
ثم رفع يده قليلًا.
وخلف يونس مباشرة ارتفعت مفكّات وأدوات معدنية من فوق الطاولة.
بدأت تدور ببطء في الهواء.
صرخ الرجل وقفز من مكانه.
أما أنا فشعرت أن الأمور خرجت عن السيطرة.
مرة أخرى.
بعد دقائق من الذعر والانهيار العصبي الخفيف، قرر يونس التعاون.
قال بصوت مرتجف:
“اسمه أيوب باشا.”
سألت:
“باشا؟”
قال:
“هذا ما ينادونه به.”
أضاف:
“لا أحد يعرف اسمه الحقيقي.”
“ولا أحد يعرف كيف يصنع الحبوب.”
“كل ما أعرفه أنه يعيش داخل مصنع قديم خارج المدينة.”
ثم صمت.
وأضاف:
“ومن يدخله لا يعود غالبًا.”
في المساء كنا نقف أمام المصنع.
مكان ضخم ومهجور.
مداخنه الصدئة ترتفع نحو السماء.
ونوافذه المحطمة تشبه عيونًا فارغة تراقب الداخل والخارج.
قلت:
“هذه فكرة سيئة.”
قال خالد:
“أعلم.”
قلت:
“سيئة جدًا.”
قال:
“أعلم.”
قلت:
“ورغم ذلك سندخل؟”
ابتسم.
“بالطبع.”
كرهت هذه الابتسامة.
تسللنا عبر باب جانبي مكسور.
كان الداخل أكثر غرابة مما توقعت.
لا توجد آلات.
لا توجد خطوط إنتاج.
بل ممرات طويلة وغرف مليئة بأجهزة زجاجية وأنابيب معقدة.
كأن مختبرًا علميًا تزوج مع فيلم رعب منخفض الميزانية.
سمعنا أصواتًا قادمة من الطابق العلوي.
فتقدمنا بحذر.
حتى وصلنا إلى قاعة ضخمة.
وهناك رأيناه.
أيوب باشا.
رجل في الستين تقريبًا.
نحيف.
يرتدي بدلة أنيقة بشكل مبالغ فيه.
وشعره الأبيض مصفف بعناية.
كان يقف أمام عشرات القوارير الزجاجية المليئة بسائل رمادي.
نظر إلينا.
ثم ابتسم.
كأنه كان ينتظرنا.
قال:
“أهلًا بخالد.”
تجمدنا.
سأل خالد:
“كيف تعرف اسمي؟”
ضحك الرجل.
“أعرف الكثير.”
ثم أضاف:
“وأنت تجربة ناجحة للغاية.”
لم تعجبني كلمة “تجربة”.
أبدًا.
قال خالد:
“ما هذه الحبوب؟”
ابتسم أيوب.
وقال:
“تطوير بسيط للعقل البشري.”
“البشر يستخدمون جزءًا ضئيلًا مما يملكون.”
“أنا فقط فتحت الأبواب المغلقة.”
قلت:
“وأي أبواب هذه؟”
نظر إلي.
ثم قال:
“الأبواب التي لا ينبغي فتحها.”
وهنا بدأت المشكلة.
من خلفنا ظهر رجال.
كثيرون.
أكثر مما يريحني بكثير.
ضخام الأجساد.
وجوههم خالية من التعبير.
وأيديهم مليئة بالعصي والأسلحة.
تنهدت.
وقلت:
“كنت أعلم أن الحديث المهذب لن يستمر.”
ابتسم أيوب.
وقال:
“للأسف لا أستطيع السماح لكم بالمغادرة.”
في الظروف الطبيعية كنت سأركض.
في الحقيقة أنا فكرت بالركض فعلًا.
لكن الرجال أغلقوا جميع المخارج.
نظر خالد إلي.
ثم إلى العصابة.
ثم قال:
“أظن أن الوقت مناسب.”
قلت:
“مناسب لماذا؟”
قال:
“للتجارب العملية.”
ثم رفع يده.
في البداية لم يحدث شيء.
ثم بدأت القاعة كلها تهتز.
المصابيح المعلقة في السقف ارتجفت.
القوارير الزجاجية تحركت.
والطاولات المعدنية انزلقت فوق الأرض.
أما رجال أيوب فبدأوا ينظرون حولهم في رعب.
أحدهم اندفع نحو خالد.
لكن قبل أن يصل إليه ارتفع في الهواء مترين كاملين.
ثم سقط فوق زميله.
بدأت الفوضى.
الكراسي تطير.
الصناديق تتحرك.
الأدوات المعدنية تدور كالسرب الغاضب.
وأنا أحاول فقط البقاء حيًا.
صرخ أحد الرجال:
“إنه ساحر!”
صرخ آخر:
“اهربوا!”
أما خالد فكان يقف وسط كل ذلك كقائد أوركسترا مجنون.
لأول مرة رأيته يستخدم قوته بهذا الحجم.
وكان الأمر مخيفًا.
مثيرًا للإعجاب.
ومخيفًا مرة أخرى.
حتى أيوب نفسه تراجع للخلف.
لكن الغريب أنه لم يبدُ خائفًا.
بل بدا سعيدًا.
سعيدًا جدًا.
قال بصوت مرتفع وسط الفوضى:
“مذهل!”
“أنت تجاوزت توقعاتي!”
صرخ خالد:
“ماذا فعلت بي؟”
ضحك أيوب.
ضحكة طويلة.
غريبة.
ثم قال:
“الحبة الأولى مجرد بداية.”
توقف خالد.
وتوقفت الأجسام المعلقة للحظة.
قال:
“ماذا تقصد؟”
ابتسم أيوب.
وأشار إلى جيبه.
وأخرج علبة أخرى.
لكن الحبوب داخلها لم تكن رمادية.
كانت سوداء بالكامل.
قال:
“هذه المرحلة الثانية.”
شعرت بقشعريرة تسري في ظهري.
كانت هناك نبرة في صوته لم أحبها.
نبرة شخص يعتقد أنه صنع شيئًا أكبر من قدرته على التحكم فيه.
وقبل أن يتمكن من قول المزيد، انفجرت إحدى القوارير خلفه.
ثم أخرى.
ثم ثالثة.
تحولت القاعة إلى فوضى كاملة.
استغللنا الفرصة.
أمسكت بذراع خالد.
وصرخت:
“الآن!”
ركضنا نحو المخرج.
وخلفنا أصوات الصراخ والزجاج المتحطم.
والانفجارات الصغيرة.
لم نتوقف حتى ابتعدنا مئات الأمتار عن المصنع.
ثم انهار كل منا على الرصيف يلهث.
ساد الصمت.
لدقائق.
ثم قلت:
“أرجوك أخبرني أنك لن تأخذ أي حبة أخرى.”
نظر خالد إلى الأرض.
ولم يجب.
وهذا الجواب كان أسوأ من أي إجابة أخرى.
لأنني عندما تبعت نظراته رأيت شيئًا جعل قلبي يهبط إلى معدتي.
كان يمسك في يده إحدى الحبوب السوداء.
ولا أملك أي فكرة متى أخذها.
ولا كيف وصلت إليه.
لكنني كنت متأكدًا من شيء واحد.
المشكلة لم تنته.
بل بدأت للتو.
هناك مشكلة أساسية في القوى الخارقة لا يتحدث عنها أحد.
في الأفلام يكتسب البطل قدرة مذهلة، ثم يتعلم استخدامها خلال خمس دقائق، وينقذ العالم قبل موعد العشاء.
أما في الواقع فالأمر يشبه إعطاء طفل صغير مفاتيح جرافة ضخمة ثم الطلب منه ألا يهدم الحي.
وهذا بالضبط ما حدث مع خالد.
بعد هروبنا من مصنع أيوب باشا بثلاثة أيام، لم يعد خالد كما كان.
في البداية ظننت أن الأمر نفسي.
ثم بدأت الأشياء الغريبة تحدث.
كثيرًا.
وبشكل مخيف.
كنت أجلس في شقته عندما انكسر كوب زجاجي داخل المطبخ.
بعدها بثوانٍ انطفأت الأنوار.
ثم اشتعلت.
ثم بدأ التلفاز يعمل وحده.
دون كهرباء أصلًا.
نظرت إلى خالد.
كان يجلس واضعًا رأسه بين يديه.
قال بصوت متعب:
“لا أتحكم بها.”
قلت:
“بماذا؟”
رفع رأسه.
وكانت عيناه محمرتين بشكل غير طبيعي.
قال:
“بالأشياء التي تحدث.”
سقطت سيجارة من فوق الطاولة.
ثم ارتفعت في الهواء.
ثم اشتعلت وحدها.
دون ولاعة.
دون نار.
دون أي شيء.
شعرت أن معدتي تنقبض.
قال خالد:
“أشعر بشيء يتحرك داخل رأسي.”
“كأن أحدًا يفتح أبوابًا جديدة.”
في تلك اللحظة تذكرت كلمات أيوب.
المرحلة الثانية.
ولم يعجبني الأمر إطلاقًا.
قررت العودة إلى المصنع.
كانت فكرة سيئة.
لكن معظم قراراتي المهمة في الحياة كانت سيئة.
لذلك حافظت على ثبات المستوى.
وصلنا ليلًا.
لكننا وجدنا شيئًا غير متوقع.
المكان شبه مدمر.
النوافذ محطمة.
الأبواب مخلوعة.
وآثار حريق في كل مكان.
كأن معركة وقعت هنا.
دخلنا بحذر.
حتى وصلنا إلى القاعة الرئيسية.
وهناك وجدنا شخصًا واحدًا فقط.
يونس.
كان يجلس على الأرض.
شاحبًا.
مرعوبًا.
وعندما رآنا نهض بسرعة.
وقال:
“لقد تأخرتم.”
سألته:
“أين أيوب؟”
نظر حوله وكأن مجرد ذكر الاسم قد يستدعيه.
ثم قال:
“لقد فقد السيطرة.”
تبادلنا النظرات.
قال خالد:
“على ماذا؟”
ابتلع يونس ريقه.
وقال:
“على نفسه.”
جلسنا معه ساعة كاملة.
وما سمعناه لم يكن مطمئنًا.
اتضح أن أيوب لم يكن مجرد عالم غريب الأطوار.
بل كان أول شخص جرّب الحبوب على نفسه.
منذ سنوات طويلة.
مرة.
ثم أخرى.
ثم عشرات المرات.
حتى بدأ يتغير.
في البداية ظهرت لديه القدرة على تحريك الأشياء.
ثم قراءة الأفكار.
ثم التأثير على الأحلام.
ثم أشياء أخرى لم يستطع أحد تفسيرها.
كل حبة كانت تضيف شيئًا جديدًا.
لكنها كانت تسلب شيئًا أيضًا.
جزءًا من إنسانيته.
جزءًا من عقله.
جزءًا من روحه.
وفي النهاية لم يعد أيوب إنسانًا بالكامل.
قال يونس:
“كان يريد صنع بشر مثله.”
“لكنه لم يفهم أنه هو نفسه لم يعد بشرًا.”
ساد الصمت.
ثم سأل خالد:
“وأين هو الآن؟”
أجاب يونس:
“في المكان الذي بدأ فيه كل شيء.”
كان المكان عبارة عن قصر مهجور خارج المدينة.
بناء قديم يعود لعقود طويلة.
تحيط به الأشجار اليابسة.
والضباب الكثيف.
وأجواء كئيبة مناسبة جدًا للأحداث التي نعيشها.
قلت لخالد ونحن نعبر البوابة الحديدية:
“هل لاحظت أن الشر دائمًا يسكن أماكن تحتاج إلى ترميم؟”
قال:
“ربما لأن المقاول هرب.”
حتى في تلك الظروف لم يفقد حسه الساخر.
وهذا أمر أحترمه فيه.
دخلنا القصر.
وكان الصمت مطبقًا.
لا أصوات.
لا حركة.
فقط شعور ثقيل يضغط على الصدر.
ثم سمعنا التصفيق.
بطيئًا.
هادئًا.
قادمًا من الطابق العلوي.
رفعنا رؤوسنا.
وكان أيوب واقفًا هناك.
ينظر إلينا.
ويبتسم.
لكن شيئًا ما تغير فيه.
بشرته أصبحت شاحبة جدًا.
وعيناه تلمعان بلون غريب.
كأن الكهرباء تتحرك داخلهما.
قال:
“كنت أعلم أنكما ستأتيان.”
صعدنا الدرج ببطء.
حتى أصبحنا أمامه.
سأل خالد:
“ماذا تريد؟”
ضحك أيوب.
وقال:
“أريد أن أكمل عملي.”
ثم نظر إليه مباشرة.
وأضاف:
“وأنت أفضل نجاح حققته.”
فجأة شعرت بشيء يضربني.
لكن لم يكن هناك أحد.
طرت عدة أمتار للخلف.
واصطدمت بالحائط.
صرخت من الألم.
أما خالد فحدق في أيوب بصدمة.
قال:
“لم تلمس شيئًا.”
ابتسم أيوب.
ورفع يده.
فانفجر الزجاج في القاعة كلها دفعة واحدة.
تناثرت الشظايا في الهواء.
ثم توقفت.
معلقة.
كأن الزمن تجمد.
قال أيوب:
“تحريك الأشياء؟”
“هذه مجرد البداية.”
ثم اندفعت الشظايا نحونا.
في اللحظة الأخيرة رفع خالد يده.
وتوقفت الشظايا في الهواء.
سمعت صوت احتكاك غريب.
كأن قوتين غير مرئيتين تتصارعان.
ثم انفجرت الشظايا في كل اتجاه.
وبدأت المعركة.
لم تكن معركة عادية.
كانت أشبه بكارثة طبيعية.
الأثاث يطير.
الجدران تتشقق.
الأبواب تقتلع من أماكنها.
في كل مرة يهاجم أيوب كان خالد يرد.
وفي كل مرة كان القصر يزداد دمارًا.
أما أنا فكنت أؤدي دوري التقليدي.
النجاة.
والاختباء.
والدعاء أن تنتهي الأمور قبل أن يسقط السقف فوق رأسي.
لكن شيئًا لفت انتباهي.
أيوب كان أقوى.
بوضوح.
لكنه كان يتعب.
كلما استخدم قدراته ظهرت رعشة في يده.
وكلما اشتدت المعركة ازداد اضطرابه.
بدأت أفهم.
القوة كانت تدمره.
من الداخل.
صرخت:
“خالد!”
التفت نحوي.
قلت:
“الحبوب!”
“هي مصدر القوة!”
فهم فورًا.
نظر إلى أيوب.
ثم إلى الطاولة الحجرية في آخر القاعة.
حيث كانت توجد عشرات القوارير السوداء.
مخزنه بالكامل.
مصدر كل شيء.
فهم أيوب أيضًا.
وهنا ظهر الخوف لأول مرة على وجهه.
صرخ:
“لا!”
لكن الأوان كان قد فات.
رفع خالد يديه بكل ما يملك من قوة.
اهتزت القاعة بالكامل.
وتحطمت القوارير دفعة واحدة.
انفجرت.
وتحول السائل الأسود إلى دخان كثيف.
صرخ أيوب.
صرخة لم أسمع مثلها من قبل.
وسقط على ركبتيه.
بدأ جسده يرتجف بعنف.
ثم ظهرت حوله أشياء غريبة.
ومضات.
ظلال.
وجوه.
كأن كل القوى التي جمعها طوال سنوات بدأت تغادره دفعة واحدة.
حاول الوقوف.
حاول المقاومة.
لكن جسده لم يعد يحتمل.
نظر إلى خالد.
ثم قال بصوت متقطع:
“كنت… قريبًا جدًا…”
ثم انهار.
وساد الصمت.
انتظرنا دقائق طويلة.
لكن أيوب لم يتحرك.
انتهى الأمر.
أخيرًا.
خرجنا من القصر قبل أن ينهار فوق رؤوسنا.
ومع شروق الشمس كنا نجلس على تل قريب.
متسخين.
مرهقين.
لكن أحياء.
وهو إنجاز لا بأس به بالنسبة لنا.
أشعل خالد سيجارة.
ثم توقف.
نظر إليها.
وابتسم.
وألقى بها بعيدًا.
قلت بدهشة:
“هل أقلعت عن التدخين؟”
قال:
“بعد كل ما حدث؟”
“أعتقد أن رئتي تستحقان فرصة ثانية.”
ضحكت.
ثم نظرت إليه.
سألته:
“وماذا عن القوى؟”
رفع يده.
حاول تحريك حجر صغير.
لم يحدث شيء.
ابتسم.
وقال:
“انتهت.”
شعرت براحة كبيرة.
راحة لم أشعر بها منذ أسابيع.
لكنها لم تدم طويلًا.
لأنني بينما كنا نغادر لمحت شيئًا بين الأعشاب قرب الطريق.
شيئًا صغيرًا.
لامعًا.
اقتربت.
وانحنيت.
ثم التقطته.
كانت حبة سوداء.
سليمة تمامًا.
لم تتحطم.
ولم تحترق.
نظرت إليها.
ثم أخفيتها داخل جيبي دون أن أخبر خالد.
ولا أعرف لماذا فعلت ذلك.
لكنني أعرف شيئًا واحدًا.
بعض القصص لا تنتهي حقًا.
هي فقط تنتظر شخصًا جديدًا يبتلع الحبة الأولى.
تمت.
