قصص ما وراء الطبيعة : عالم الجن والسحر الجزء الاؤل

الفصل الأول: الرجل الذي يبيع أرواح الآخرين

كانت رائحة القهوة الباردة تملأ مكتبي الصغير في الطابق الثالث من مبنى الجريدة، حين وضعت يدي على الملف الأصفر الذي أرسله لي المحرر صباح هذا اليوم. اسمي مصطفى، صحفي في قسم التحقيقات، وأنا معتاد على القصص الغريبة، لكن هذا الملف كان مختلفًا.

“منصور الجوهري” – هذا هو الاسم المكتوب بخط عريض على الغلاف. رجل في الأربعينيات من عمره، يملك شركة استثمارية ضخمة، وقصرًا يطل على النيل، ونفوذًا يمتد إلى أروقة لا يجرؤ أحد على ذكرها بصوت مرتفع. لكن ما جذبني لم يكن ثراءه، بل الشكاوى الغامضة التي وصلت للجريدة من ثلاثة رجال أعمال، كلهم عارضوا مشاريعه، وكلهم أصيبوا بانهيارات عصبية غريبة، أو حوادث لا تفسير لها، في غضون أسابيع من رفضهم التعامل معه.

قلت لنفسي وأنا أتصفح الأوراق: “صدفة. مجرد صدفة تجارية قذرة، وربما بعض الرشاوى لأطباء نفسيين لتلفيق تقارير.” لكن جزءًا صغيرًا في داخلي، ذلك الجزء الذي لا يثق أبدًا بالتفسيرات السهلة، كان يهمس لي بشيء آخر.

اتصلت بصديقي القديم، الدكتور سامي حبيب، أستاذ علم النفس بجامعة القاهرة، وطلبت منه أن يلقي نظرة على الحالات الثلاث. جاءني رده بعد يومين عبر الهاتف، وصوته كان مضطربًا بشكل لا يشبهه:

“يا مصطفى، الحالات الثلاث متطابقة تمامًا. أرق شديد، هلاوس سمعية تتحدث عن ‘ظل يتبعهم’، ورفض قاطع من الثلاثة لذكر التفاصيل. هذا ليس نمطًا نفسيًا معروفًا. أنا… لا أعرف كيف أصنّفه.”

هذا كان كافيًا لأقرر الذهاب بنفسي.

قصر منصور الجوهري لم يكن كما توقعت. لم تكن هناك حراسة مبالغ فيها، ولا كاميرات في كل زاوية، بل هدوء غريب يخيم على المكان، وكأن البيت نفسه يحبس أنفاسه. استقبلني خادم عجوز، وجهه شاحب كأنه لم ير الشمس منذ سنوات، وأرشدني إلى صالة واسعة مزينة بتحف نادرة، بعضها يبدو فرعونيًا، وبعضها الآخر لا أعرف من أي حضارة أتى.

جلست منتظرًا، وبعد دقائق طويلة دخل منصور.

كان رجلاً طويل القامة، أنيقًا بشكل مفرط، ذا عينين سوداوين تلمعان بذكاء بارد. ابتسم لي ابتسامة لم تصل إلى عينيه أبدًا، وجلس على مقعده الفخم وهو يقول:

“الصحفي مصطفى. سمعت عنك. رجل يحب أن يفتح الملفات المغلقة.”

قلت محاولًا أن أبدو واثقًا: “أحب أن أعرف الحقيقة يا أستاذ منصور. وصلتنا شكاوى من أشخاص تعاملوا معك، وأصابهم بعدها مكروه.”

ضحك ضحكة قصيرة جافة، ثم قال بهدوء يقطر تهديدًا مبطنًا: “الحياة يا مصطفى مليئة بالمصائب. من قال إن لي علاقة بمصائب الآخرين؟ أنا رجل أعمال، ولست قدرًا يُصيب من يشاء.”

لكنني لاحظت شيئًا غريبًا. كلما تحدث، كان الهواء في الغرفة يزداد برودة، رغم أن المكيفات كانت مغلقة. وفي زاوية الصالة، رأيت الستائر تتحرك، رغم أن كل النوافذ كانت مغلقة بإحكام.

سألته مباشرة: “هل تستخدم السحر يا أستاذ منصور؟”

توقف الابتسام على وجهه للحظة، ثم عاد أوسع وأكثر برودة من قبل. قال وهو ينظر في عيني مباشرة: “أنت رجل ذكي يا مصطفى، لكن الذكاء وحده لا يكفي في هذا العالم. هناك أشياء لا تُكتب في الجرائد، وهناك أبواب من الأفضل ألا تُفتح.”

نهض واقفًا، إشارة إلى انتهاء اللقاء. وبينما كنت أتجه نحو الباب، همس في أذني بصوت لا يخلو من التحذير: “أنصحك أن تكتب عن الفساد الحكومي، أو عن أسعار الخبز. مواضيع أكثر أمانًا لك ولعائلتك.”

خرجت من القصر وقلبي يخفق بسرعة غير معتادة. لم يكن ما قاله تهديدًا مباشرًا، لكنه كان كافيًا لأشعر أن هذا الرجل يعرف عني أكثر مما ينبغي.

في طريق عودتي، اتصل بي صديقي الوحيد الذي أثق به في هذه الأمور الغامضة: الشيخ عبد الغفور، رجل دين أزهري متقاعد، قضى حياته يدرس علم الجن والروحانيات من منظور شرعي، وساعدني في قضايا غريبة سابقة رفض العلم تفسيرها.

حين حكيت له ما حدث، ساد صمت طويل على الخط، ثم قال بصوت جاد: “يا مصطفى، اسمع كلامي جيدًا. إذا كان هذا الرجل يستخدم ما أظنه، فهو لا يتعامل مع أرواح ضعيفة. هذا النوع من السحرة يعقد صفقات مع كائنات لا ترحم، وثمن خدماتها دائمًا أغلى مما يتخيل الإنسان. أنصحك أن تتراجع.”

لكنني كنت أعرف نفسي جيدًا. التراجع لم يكن خيارًا بالنسبة لي، ليس بعد أن رأيت الخوف الحقيقي في عيني منصور الجوهري، خلف كل تلك الثقة المصطنعة. كان هناك شيء يقلقه هو أيضًا، شيء أكبر منه ربما.

في تلك الليلة، وأنا جالس في شقتي أراجع ملاحظاتي، سمعت صوت خدش خفيف على النافذة. نظرت فلم أجد شيئًا سوى الظلام الدامس في الخارج. لكن حين عدت لأوراقي، وجدت أن صورة منصور التي كانت أمامي قد احترقت أطرافها، دون أن ألمس عودًا واحدًا من الكبريت.

فهمت في تلك اللحظة أن هذه القصة لن تكون كباقي القصص التي حققت فيها من قبل. كان هذا مجرد بداية لصراع طويل بيني وبين رجل يظن أن الجن يمكن أن تشتري له كل شيء، حتى العدالة.

الفصل الثاني: الظل الذي لا يُرى

لم أنم تلك الليلة. جلست في شقتي حتى الفجر، وعيناي مثبتتان على الصورة المحروقة الأطراف، أحاول أن أقنع نفسي بتفسير منطقي: ربما كانت شمعة نسيت إشعالها، أو خلل كهربائي في المصباح القريب. لكن في قرارة نفسي، كنت أعرف أن كل هذه التفسيرات هزيلة أمام ما رأيته بعيني.

في الصباح، قررت أن أزور الشيخ عبد الغفور شخصيًا بدل الاكتفاء بمكالمة هاتفية. سكن الشيخ في شقة متواضعة بحي السيدة زينب، محاطة بالكتب من الأرض حتى السقف، بعضها بخط اليد وبعضها مطبوع منذ عقود. استقبلني بابتسامة هادئة، لكن عينيه كانتا تحملان قلقًا لم أعتده منه.

“أخبرني بكل التفاصيل، ولا تُخفِ عني شيئًا مهما بدا لك تافهًا”، قال وهو يصب لي الشاي.

حكيت له عن الصورة المحترقة، وعن برودة الغرفة عند منصور، وعن حركة الستائر دون ريح. استمع بصمت، ثم نهض وأحضر كتابًا قديم الأوراق، صفحاته مصفرة، وفتحه على صفحة محددة كأنه يعرف مكانها عن ظهر قلب.

قال وهو يشير إلى سطر مكتوب: “هذا يسمى ‘التابع’. جني يرتبط بساحر معين، يخدمه مقابل ثمن، وغالبًا ما يكون الثمن أرواحًا أو دماءً أو نذورًا لا يعرفها إلا الساحر نفسه. حرق الصورة طريقة قديمة لإرسال رسالة تحذير، أو لتتبع من يحمل الصورة.”

سألته: “هل يعني هذا أن منصور يعرف أنني أحقق معه؟”

أجاب الشيخ بجدية: “بل يعني أن التابع نفسه يعرف. وهذا أخطر، لأن الساحر قد يتحكم في حدود، لكن الجني له إرادته الخاصة، ورغبته في إيذاء من يقترب من سيده قد تفوق حسابات منصور نفسه.”

خرجت من عند الشيخ وأنا أشعر بثقل جديد يضاف إلى القضية. لم يعد الأمر مجرد تحقيق صحفي عن رجل أعمال فاسد، بل صار مواجهة مع قوى لا أفهم قواعدها.

قررت أن أستكمل التحقيق من زاوية أخرى: عائلات الضحايا. أول من زرته كان الحاج كمال، رجل أعمال متقاعد، أحد الثلاثة الذين رفضوا صفقة مع منصور. وجدته في شقته، جالسًا في الظلام رغم أن الساعة كانت بعد الظهر، ووجهه شاحب كأنه لم ير الشمس منذ أسابيع.

حين ذكرت اسم منصور، ارتجفت يداه، وقال بصوت متهدج: “اطلب منك، يا ابني، لا تذكر هذا الاسم في بيتي. هو يسمع. أقسم لك إنه يسمع.”

حاولت أن أطمئنه وأسأله عن التفاصيل، لكنه رفض الحديث أكثر، واكتفى بأن يهمس: “كل ليلة، أرى ظلًا يقف عند باب غرفتي. لا يتحرك، فقط يقف وينظر. طبيبي يقول إنه هلوسة، لكن الهلوسة لا تترك خدوشًا على الحائط يا ابني.”

نظرت إلى حيث أشار، ورأيت بالفعل خدوشًا عميقة في الطلاء، أربعة خطوط متوازية، كأن مخلبًا مر عليها.

غادرت بيت الحاج كمال وأنا أشعر بخوف حقيقي بدأ يتسلل إلى قلبي، لكن معه أيضًا إصرار أكبر على كشف حقيقة منصور الجوهري.

في طريق عودتي، قررت أن أزور مصدرًا آخر: فتحية، امرأة عجوز عملت خادمة في قصر منصور لسنوات طويلة قبل أن تُطرد فجأة دون سبب واضح. وجدتها تعيش في غرفة صغيرة بحي شعبي، وعندما ذكرت اسم سيدها السابق، تجمدت ملامحها.

قالت بعد صمت طويل: “منصور لم يكن دائمًا هكذا. كان شابًا فقيرًا يعمل نجارًا في قرية صغيرة بالصعيد. تغير كل شيء بعدما سافر إلى مكان ما، لم يخبر أحدًا أين، وعاد بعد سنة كاملة رجلاً آخر تمامًا: ثريًا، متغطرسًا، وله… رفيق.”

سألتها: “أي رفيق؟”

خفضت صوتها حتى صار همسًا بالكاد أسمعه: “كنت أراه أحيانًا في الليل، ظلًا يمشي خلفه في الممرات، لا يظهر في المرايا أبدًا. ذات مرة، حاولت تنظيف غرفته الخاصة، فسمعت صوتًا يخرج من الحائط نفسه، صوتًا يقول اسمي بالضبط، بنبرة سيدي نفسها. طردني منصور في اليوم التالي، وقال لي إنني إن تحدثت لأي أحد، فلن أرى أحفادي مرة أخرى.”

عندما سألتها إن كانت تعرف اسم هذا “الرفيق”، ارتجفت يداها بشدة، وهزت رأسها رافضة: “لا تسألني عن اسمه يا بني. الأسماء لها قوة، وأنا لا أريد أن أستدعيه.”

عدت إلى شقتي في تلك الليلة، ورأسي مليء بالأسئلة أكثر من الإجابات. كان واضحًا أن منصور لم يولد شريرًا، بل تحول إلى ما هو عليه الآن بعد صفقة ما، في مكان ما، مع كائن لا يظهر في المرايا ويعرف الأسماء والأسرار.

جلست أكتب ملاحظاتي، وفجأة انطفأ المصباح فوق رأسي دون سبب. جلست في العتمة للحظات، قلبي يخفق بعنف، ثم سمعت، بوضوح لا يقبل الشك، صوت أنفاس بطيئة قادمة من زاوية الغرفة المظلمة، حيث لا يوجد أحد سواي.

هذه المرة، لم أكن قادرًا على إقناع نفسي بأنها مجرد صدفة.

اقراء ايضا ……

حرب الجن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top