
ما وراء الطبيعة: القادم من جوف الأرض (الجزء الأول)
مقدمة: لم أكن أؤمن بالمستحيل
اسمي مصطفى، أعمل صحفيًا استقصائيًا منذ سنوات، واعتدت أن أبحث عن الحقيقة مهما بدت غامضة أو مستحيلة. طوال حياتي كنت أرفض تصديق قصص الأشباح والمخلوقات الخارقة، وكنت أرى أن لكل لغز تفسيرًا منطقيًا، حتى لو احتاج الأمر إلى أشهر من البحث.
لكنني اليوم أكتب هذه القصة وأنا أعلم أن كثيرين لن يصدقوا كلمة واحدة منها.
لا ألومهم.
فلو لم أعش تلك الأحداث بنفسي، لما صدقتها أنا أيضًا.
كل ما سأرويه حدث بالفعل، بدءًا من الليلة التي سمعت فيها لأول مرة عن الرجل الغامض الذي كان يظهر في الظلام ثم يختفي دون أن يترك أثرًا.
القضية التي غيرت حياتي
كنت أجلس في مكتبي داخل مقر الصحيفة عندما وصلتني مجموعة من الأخبار المتشابهة. مجرمون خطرون يُعثر عليهم فاقدي الوعي في أماكن مختلفة، دون وجود أي آثار لإطلاق نار أو اشتباك.
في البداية ظننت أنها مجرد مصادفة، لكن كلما قرأت أكثر، وجدت أن جميع الشهود يكررون الوصف نفسه.
رجل طويل القامة.
هادئ الملامح.
لا يتحدث كثيرًا.
ويختفي قبل وصول الشرطة بدقائق.
أغلقت الملفات أمامي وقلت لنفسي:
“هذه ليست مصادفة… هناك شخص واحد يقف خلف كل ذلك.”
لم أكن أعرف أنني بدأت أخطر تحقيق صحفي في حياتي.
أول زيارة إلى مسرح الجريمة
في صباح اليوم التالي ذهبت إلى أحد مواقع الحوادث.
كانت الشرطة قد انتهت من عملها، لكنني كنت أبحث عن شيء قد يكون أغفله الجميع.
لفت انتباهي تشقق عميق في الإسفلت، وكأن شيئًا هائلًا ارتطم بالأرض.
انحنيت لأتفحص المكان، فوجدت قطعة سوداء صغيرة تشبه الحجر، لكنها كانت دافئة بصورة غريبة.
وضعتها في جيبي دون أن أعرف سبب شعوري بأنها ستكون مفتاح اللغز.
وأثناء مغادرتي، راودني إحساس غريب بأن أحدًا يراقبني.
التفت حولي أكثر من مرة، لكنني لم أر أحدًا.
لقاء غير متوقع مع نشوى
بعد يومين تلقيت اتصالًا من امرأة عرّفت نفسها باسم نشوى.
قالت إنها تمتلك معلومات عن الرجل الذي أبحث عنه، وطلبت مقابلتي في أحد المقاهي.
وصلت في الموعد المحدد، وكانت تبدو مترددة، وكأنها تخشى أن يصفها أحد بالجنون.
جلست أمامي وقالت:
“لن تصدق ما سأخبرك به.”
ابتسمت وقلت:
“طبيعة عملي تجعلني أسمع أغرب القصص.”
أخرجت هاتفها، وعرضت علي صورة لرجل يقف أمام أحد المباني.
لم تكن الصورة واضحة، لكنها كانت مطابقة تمامًا لأوصاف الرجل الغامض.
ثم بدأت تحكي لي ما شاهدته بنفسها.
الرجل الذي لا يتصرف كبقية البشر
قالت نشوى إن جارًا جديدًا يُدعى آدم انتقل إلى البناية منذ أشهر.
كان قليل الكلام، لا يختلط بالسكان، ولا يكاد يخرج إلا ليلًا.
لكن الأمر الذي أثار شكوكها أنها لم تره يومًا يشتري طعامًا أو يستقبل ضيفًا.
وفي إحدى الليالي، شاهدت ثلاثة رجال يحاولون الاعتداء عليه.
انقطع التيار الكهربائي للحظات.
وعندما عاد الضوء، كان الرجال الثلاثة ملقين على الأرض، بينما غادر آدم المكان بهدوء.
كنت أستمع إليها باهتمام، ورغم غرابة القصة، فإنها تطابقت مع كل ما جمعته من معلومات.
كلما اقتربت من الحقيقة زادت الأسئلة
بعد لقائي مع نشوى بدأت أبحث عن آدم في السجلات الرسمية.
قضيت ساعات طويلة أمام قواعد البيانات الحكومية.
لكن المفاجأة كانت صادمة.
لا يوجد سجل ميلاد.
ولا توجد شهادة دراسية.
لا توجد وظيفة.
ولا أي معلومة عنه قبل عام واحد فقط.
أغلقت الحاسوب وأنا أردد:
“كيف يمكن لإنسان أن يعيش بلا ماضٍ؟”
في تلك اللحظة فقط بدأت أفكر في احتمال كنت أرفضه دائمًا.
ربما لم يكن هذا الرجل إنسانًا عاديًا.
الحجر الأسود يكشف أول الأسرار
أرسلت القطعة السوداء التي وجدتها في موقع الحادث إلى أحد أساتذة الجيولوجيا.
بعد يومين تلقيت التقرير.
قرأته أكثر من مرة لأنني لم أصدق ما كُتب فيه.
أكد الخبير أن العينة لا تنتمي إلى أي تكوين جيولوجي معروف على سطح الأرض، وأنها تحتوي على عناصر لم تُسجل في المختبرات من قبل.
وضعت التقرير أمامي، وشعرت لأول مرة أنني أقف أمام قضية تتجاوز حدود العلم.
ليلة المراقبة
اقترحت عليّ نشوى أن نراقب تحركات آدم.
لم أكن أحب التجسس على الناس، لكن الفضول الصحفي كان أقوى.
اختبأنا في سيارة متوقفة قرب المبنى.
عند منتصف الليل خرج آدم بهدوء، وسار في الشارع وكأنه يعرف وجهته مسبقًا.
تبعناه حتى وصل إلى منطقة صناعية مهجورة.
هناك رأيت بعيني ما لم أكن أتصور أنه ممكن.
كانت مجموعة من المجرمين تحاصر الرجل.
ظننت أن نهايته اقتربت.
لكن خلال ثوانٍ فقط تغير كل شيء.
سقط أفراد العصابة واحدًا تلو الآخر.
لم أر آدم يوجه لهم أي ضربة واضحة، ومع ذلك كانوا يتطايرون كما لو أن قوة خفية تضربهم.
تجمدت في مكاني.
ولأول مرة في حياتي، لم أجد تفسيرًا منطقيًا لما أراه.
شعور غريب بأن الرجل يعرفني
بينما كنت أراقب المشهد، استدار آدم فجأة ونظر مباشرة إلى المكان الذي كنت أختبئ فيه.
كانت المسافة بعيدة، ومن المستحيل أن يراني وسط الظلام.
ومع ذلك، شعرت وكأنه ينظر إلى عيني مباشرة.
ابتسم ابتسامة هادئة، ثم استدار واختفى بين الأزقة.
في تلك اللحظة تسلل إلى داخلي شعور لم أختبره من قبل.
لم يكن الخوف…
بل كان إحساسًا بأنه يعرفني، وربما كان يعرف كل خطوة أخطوها.
أول مرة أفكر في المستحيل
عدت إلى منزلي في تلك الليلة وأنا أعيد المشاهد في ذهني.
حاولت إقناع نفسي بأن هناك تفسيرًا علميًا، لكن كل الاحتمالات كانت تنهار واحدة تلو الأخرى.
من يكون هذا الرجل؟
كيف يمتلك تلك القوة؟
ولماذا لا يستهدف سوى المجرمين؟
كانت الأسئلة أكثر من الإجابات، لكنني كنت متأكدًا من شيء واحد.
لن أتراجع عن هذا التحقيق مهما كان الثمن.
رسالة غامضة تغير كل شيء
في صباح اليوم التالي، فتحت باب منزلي فوجدت ظرفًا أبيض على الأرض.
لم يكن عليه اسم مرسل.
فتحته بحذر، فوجدت بداخله ورقة كُتب عليها بخط واضح:
“إذا أردت أن تعرف حقيقتي… تعال الليلة إلى النفق القديم، وتعال وحدك.”
أعدت قراءة الرسالة مرات عديدة.
لم أخبر نشوى بما حدث.
وضعت الورقة في جيبي، ونظرت إلى ساعتي.
كنت أشعر أن الليلة القادمة ستكون بداية فصل جديد في حياتي… وربما النهاية لكل ما كنت أؤمن به.
لقاء الكائن القادم من الأعماق
لم أنم في تلك الليلة إلا دقائق معدودة.
كانت الرسالة التي وصلتني ما تزال داخل جيبي، وكلما أخرجتها وقرأت كلماتها ازداد يقيني أنني اقتربت من الحقيقة التي كنت أبحث عنها منذ أسابيع.
“إذا أردت أن تعرف حقيقتي… تعال الليلة إلى النفق القديم، وتعال وحدك.”
لم أخبر نشوى بالأمر، رغم أنني كنت أعلم أنها ستصر على مرافقتي. شعرت أن صاحب الرسالة يريد مقابلتي وحدي، وأن أي تصرف متهور قد يضيع فرصة لن تتكرر.
مع اقتراب منتصف الليل، حملت كاميرتي الصغيرة، ومسجل الصوت، ومصباحًا يدويًا، ثم انطلقت نحو النفق المهجور الواقع في أطراف المدينة.
لم أكن أعرف أنني على وشك مقابلة مخلوق سيغير نظرتي إلى العالم كله.
النفق الذي يخفي سرًا قديمًا
كان النفق مهجورًا منذ عشرات السنين، وتقول الروايات إنه كان جزءًا من مشروع قديم لتوسعة شبكة القطارات قبل أن يتوقف العمل فيه فجأة.
كل خطوة كنت أخطوها كانت تزيد من برودة المكان.
الصمت كان ثقيلًا، ولا يُسمع سوى صوت قطرات الماء وهي تتساقط من سقف النفق.
وفجأة رأيت ضوءًا أزرق خافتًا ينبعث من عمق الممر.
تقدمت بحذر حتى توقفت في مكاني.
كان آدم يقف أمام بوابة صخرية ضخمة، تتخللها خطوط مضيئة تتحرك ببطء، وكأنها كائن حي يتنفس.
نظر إليّ بهدوء وقال:
“كنت أعلم أنك ستأتي يا مصطفى.”
تجمدت في مكاني.
لم أخبر أحدًا بقدومي.
كيف عرف اسمي؟
نظرت إليه بدهشة وسألته:
“من أخبرك باسمي؟”
ابتسم ابتسامة هادئة، ثم أجاب:
“لم يخبرني أحد… لقد قرأت أفكارك.”
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
ظننت أنه يمزح، لكن قبل أن أنطق بكلمة أخرى قال:
“وأنت الآن تفكر في الهرب، لكن فضولك أقوى من خوفك.”
تراجعت خطوة إلى الخلف.
لقد كان يردد ما يدور في رأسي حرفيًا.
عندها فقط أدركت أن كل ما سمعته عنه كان صحيحًا.
الحقيقة التي لم أتوقعها
اقترب مني آدم ببطء، وقال بصوت هادئ:
“أنا لست إنسانًا كما تظن.”
انتظرت أن يكمل حديثه.
قال:
“أنتمي إلى حضارة تعيش في أعماق الأرض منذ آلاف السنين، بعيدًا عن البشر. عالمنا أكثر تطورًا من عالمكم، لكننا اخترنا العيش في عزلة حتى لا تتحول معرفتنا إلى وسيلة للدمار.”
كنت أستمع إليه غير قادر على المقاطعة.
ثم أشار إلى البوابة المضيئة خلفه.
“وراء هذه الصخور توجد مدينتي.”
سر القوى الخارقة
سألته:
“كيف تستطيع قراءة العقول؟”
أجاب وهو ينظر إلى السقف الصخري:
“أدمغتنا تطورت بطريقة مختلفة. نحن لا نسمع الكلمات فقط، بل نستقبل الإشارات العصبية مباشرة.”
ثم رفع حجرًا كبيرًا من الأرض بيد واحدة وكأنه يحمل ورقة.
أكمل حديثه:
“القوة الجسدية أيضًا جزء من طبيعتنا، لكنها ليست أهم ما نملكه.”
لم أصدق ما أراه.
كنت أمام شخص يستطيع قراءة الأفكار، ويمتلك قوة خارقة، ويتحدث عن مدينة كاملة مختبئة في جوف الأرض.
لماذا يعيش بين البشر؟
كان السؤال الذي يشغلني أكثر من غيره.
قلت له:
“إذا كان عالمكم موجودًا بالفعل، فلماذا تعيش هنا؟”
ساد الصمت للحظات.
ثم قال:
“جئت في مهمة.”
سألته:
“وما هي؟”
أجاب:
“منع كارثة.”
لكن قبل أن يشرح أكثر، تغيرت ملامحه فجأة.
نظر إلى أحد الممرات المظلمة وقال:
“لقد وجدونا.”
ظهور رجال مجهولين
خرج من الظلام خمسة رجال يرتدون ملابس سوداء ويحملون أسلحة متطورة لم أر مثلها من قبل.
تقدم أحدهم وقال:
“انتهت مهمتك يا آدم.”
وقبل أن أفهم ما يحدث، انطلقت أشعة زرقاء من أسلحتهم.
قفز آدم أمامي بسرعة مذهلة، وصد الهجوم بيده.
ارتطم الضوء بجدار النفق فانفجر جزء من الصخور.
اختبأت خلف عمود حجري وأنا أراقب المشهد في ذهول.
لم يكن هؤلاء رجال شرطة.
ولم يكونوا مجرمين عاديين.
معركة داخل النفق
تحرك آدم بسرعة لم تستطع عيناي متابعتها.
خلال ثوانٍ كان قد أسقط اثنين من المهاجمين.
لكن البقية واصلوا إطلاق النار.
كان يستخدم قوة غريبة تجعل الصخور تتحرك من أماكنها لتشكل حاجزًا أمامه.
لم أر شيئًا كهذا في حياتي.
شعرت أنني أشاهد معركة بين عالمين مختلفين.
وفجأة أمسك قائد المجموعة جهازًا صغيرًا وضغط عليه.
اهتزت الأرض بعنف.
واختفى الضوء الأزرق الذي كان يخرج من البوابة.
نظر آدم إليه بغضب لأول مرة.
إنقاذ حياتي
انهار جزء من سقف النفق فوق رأسي.
لم أتمكن من الحركة.
وفي اللحظة الأخيرة، أمسك آدم بذراعي وسحبني بعيدًا قبل أن تسقط الصخور في المكان الذي كنت أقف فيه.
قال وهو يلهث:
“لم يعد هذا المكان آمنًا.”
ركضنا عبر الممرات القديمة حتى خرجنا إلى سطح الأرض.
عندما التفت خلفي، كان مدخل النفق قد انهار بالكامل.
وكأنه لم يكن موجودًا أصلًا.
اعتراف لم أكن أتوقعه
جلسنا فوق تل صغير يطل على المدينة.
كان الفجر يقترب.
قال آدم بصوت منخفض:
“الرجال الذين رأيتهم ليسوا من عالمي.”
سألته بدهشة:
“إذن من هم؟”
أجاب:
“إنهم مجموعة انفصلت عن حضارتنا منذ سنوات، ويريدون السيطرة على سطح الأرض باستخدام التكنولوجيا التي نملكها.”
ثم نظر إليّ وأضاف:
“ولهذا أقضي على المجرمين.”
استغربت كلامه.
قال:
“هم يبحثون دائمًا عن أشخاص يمكن استغلالهم، لذلك أمنعهم من بناء شبكات إجرامية تساعدهم.”
بدأت أفهم أخيرًا سبب ظهوره في أماكن الجرائم.
نشوى تدخل الأحداث
في صباح اليوم التالي عدت إلى منزلي.
كانت نشوى تنتظرني أمام الباب.
بدت غاضبة.
قالت:
“أين كنت؟”
حاولت التهرب من الإجابة، لكنها لاحظت الغبار على ملابسي والخدوش في يدي.
قالت:
“لقد ذهبت لمقابلته، أليس كذلك؟”
لم أستطع الكذب.
أخبرتها بجزء مما حدث، لكنها لم تصدق أن مدينة كاملة توجد في أعماق الأرض.
وقبل أن أكمل حديثي، انطفأت جميع الأنوار في الشارع.
ظهرت سيارة سوداء في نهاية الطريق.
ونزل منها رجل يرتدي الملابس نفسها التي رأيتها داخل النفق.
عندها فقط أدركت أن الخطر لم يعد يطارد آدم وحده…
بل أصبح يطاردنا نحن أيضًا.
عندما أصبحت الحقيقة أخطر من الخيال
لم أعد ذلك الصحفي الذي كان يبحث عن سبق صحفي أو قصة مثيرة. بعد لقائي بآدم، تغير كل شيء في حياتي. أصبحت مطاردًا من أشخاص لا أعرف هويتهم، وأصبحت الحقيقة التي أملكها أخطر من أن تُنشر في صحيفة.
في تلك الليلة، وبعد أن ظهرت السيارة السوداء أمام منزل نشوى، أدركت أن المواجهة الأخيرة قد بدأت، وأن أحدنا لن يخرج منها كما دخل.
رجال الظل يلاحقوننا
توقفت السيارة على بعد أمتار قليلة، ونزل منها أربعة رجال يرتدون الملابس السوداء نفسها التي رأيتها داخل النفق.
لم يكن في وجوههم أي تعبير.
قال أحدهم بصوت بارد:
“سلّموا آدم… ولن يصيبكم أذى.”
نظرت إلى نشوى، فوجدت الخوف واضحًا في عينيها.
لكن قبل أن أجيب، ظهر آدم من نهاية الشارع، وكأنه كان يعلم بكل ما سيحدث.
قال بهدوء:
“اتركوهما… أنا من تبحثون عنه.”
بداية المواجهة الأخيرة
رفع الرجال أسلحتهم الغريبة، وانطلقت منها أشعة زرقاء أضاءت الشارع بالكامل.
اندفع آدم نحوهم بسرعة لم تستطع عيناي متابعتها.
خلال لحظات تحولت الأرض إلى ساحة معركة.
كانت السيارات تهتز، وأعمدة الإنارة تتساقط، بينما كان آدم يتجنب الهجمات بسهولة مذهلة.
رأيت أحد المهاجمين يحاول إصابته من الخلف، لكن آدم استدار قبل أن يقترب منه.
أدركت أنه لم يره بعينيه.
لقد قرأ أفكاره قبل أن يتحرك.
عندها فهمت أن قدرته على قراءة العقول كانت أقوى سلاح يمتلكه.
السر الحقيقي لحضارة جوف الأرض
بعد أن انسحب المهاجمون مؤقتًا، اصطحبنا آدم إلى مكان مهجور خارج المدينة.
جلس أمامنا وقال:
“حان الوقت لتعرفا الحقيقة كاملة.”
أخبرنا أن الحضارة التي ينتمي إليها تعيش منذ آلاف السنين داخل شبكة هائلة من المدن الواقعة في أعماق الأرض.
كانوا يمتلكون علومًا وتقنيات سبقت البشر بقرون، لكنهم قرروا عدم التدخل في حياة سكان السطح.
إلا أن مجموعة صغيرة منهم رفضت هذا القرار.
أرادوا السيطرة على العالم، واستغلال الحروب والجريمة لنشر نفوذهم.
أما آدم، فقد كُلّف بإيقافهم قبل أن يصلوا إلى هدفهم.
لماذا كان يهاجم المجرمين؟
سألته السؤال الذي شغلني منذ البداية:
“لماذا كنت تستهدف العصابات فقط؟”
ابتسم وقال:
“لأن الجماعة المنشقة كانت تستخدمهم لتنفيذ مخططاتها.”
وأوضح أن أفراد تلك الجماعة كانوا يجندون المجرمين، ويزودونهم بتكنولوجيا متطورة مقابل تنفيذ أوامرهم.
ولهذا كان يطاردهم قبل أن يصبحوا جزءًا من الخطة الكبرى.
فهمت أخيرًا أن كل ما كنت أعتقد أنه اعتداءات غامضة، لم يكن سوى محاولات لإنقاذ المدينة.
نشوء صداقة غير متوقعة
خلال الأيام التالية بدأت أقضي وقتًا أطول مع آدم.
كان يحدثني عن عالمه، وعن المدن المضيئة الموجودة تحت القشرة الأرضية، وعن أنهار الطاقة التي تمنحهم الحياة.
في المقابل، كنت أحدثه عن البشر، وعن الصحافة، وعن الموسيقى، والكتب، والأحلام البسيطة التي يعيشها الناس.
رغم اختلاف عالمينا، اكتشفنا أننا نتشابه في أشياء كثيرة.
لم يعد بالنسبة لي مجرد كائن غامض.
أصبح صديقًا حقيقيًا.
أما نشوى، فقد بدأت تثق به بعدما رأت بنفسها كيف خاطر بحياته لإنقاذنا أكثر من مرة.
الهجوم الأخير
لم يدم الهدوء طويلًا.
في إحدى الليالي اهتزت المدينة كلها.
انقطعت الكهرباء، وامتلأت السماء بأضواء زرقاء غريبة.
قال آدم وهو ينظر إلى السماء:
“لقد فتحوا البوابة.”
توجهنا إلى النفق القديم، لكننا وجدناه قد عاد للظهور من جديد، وكأن انهياره لم يحدث أبدًا.
كانت البوابة الصخرية مفتوحة، ويخرج منها ضوء ساطع.
وعلى الجانب الآخر وقف قائد الجماعة المنشقة.
قال لآدم:
“لقد انتهى زمن الاختباء.”
معركة بين عالمين
لم أشاهد في حياتي معركة كتلك.
كانت الصخور ترتفع في الهواء.
والطاقة الزرقاء تملأ المكان.
أما آدم، فكان يقاتل وحده عشرات المهاجمين.
رغم قوته الهائلة، بدأت علامات الإرهاق تظهر عليه.
فجأة اقترب قائد الجماعة من البوابة، ووضع جهازًا صغيرًا داخلها.
صرخ آدم:
“ابتعدوا!”
ركضت أنا ونشوى إلى الخلف.
وفي اللحظة التالية، انفجر الضوء الأزرق بقوة هائلة.
اهتزت الأرض، وانهار جزء كبير من النفق.
التضحية الأخيرة
وسط الغبار الكثيف رأيت آدم يتجه نحو الجهاز المزروع داخل البوابة.
كان يعلم أن إيقافه يعني إغلاق الممر بين العالمين.
لكنه كان يعلم أيضًا أنه لن يستطيع العودة بعد ذلك.
التفت نحوي للمرة الأخيرة.
ابتسم وقال:
“أخبر البشر أننا لسنا جميعًا أعداء.”
ثم دفع الجهاز بكل قوته إلى داخل البوابة.
انفجر الضوء مرة أخرى.
واختفى كل شيء.
اختفاء الكائن القادم من جوف الأرض
عندما هدأ كل شيء، لم نجد أي أثر لآدم.
اختفت البوابة.
واختفى المهاجمون.
ولم يبق سوى الصخور المحطمة وآثار الانفجار.
بحثت عنه أيامًا طويلة.
عدت إلى النفق مرات لا تُحصى.
لكنني لم أعثر على أي دليل.
كأن الأرض ابتلعته من جديد.
التقرير الذي لم أنشره
عدت إلى مكتبي، وبدأت أكتب كل ما حدث بالتفصيل.
كانت تلك أهم قصة صحفية في حياتي.
لكن عندما انتهيت منها، لم أستطع نشرها.
كنت أعلم أن أحدًا لن يصدقني.
بل ربما يتهمني الجميع بالجنون.
وضعت الملف داخل درج مكتبي، وأغلقت عليه بالمفتاح.
ليظل سرًا بيني وبين نشوى.
خاتمة: هل انتهت القصة فعلًا؟
مرت سنوات على تلك الأحداث.
عدت إلى عملي، وعادت الحياة إلى طبيعتها.
لكنني لم أنسَ آدم يومًا.
وفي إحدى الليالي، بينما كنت أسير بالقرب من المكان الذي كان يوجد فيه النفق، شعرت بشخص يقف خلفي.
التفت بسرعة.
لم يكن هناك أحد.
لكنني سمعت صوتًا هادئًا أعرفه جيدًا يقول:
“لا تزال تطرح الأسئلة يا مصطفى.”
ابتسمت دون أن ألتفت مرة أخرى.
رفعت بصري نحو السماء، ثم واصلت السير.
لا أعلم إن كان آدم قد عاد إلى عالمه، أم أنه ما زال يعيش بيننا متخفيًا في هيئة إنسان عادي.
لكنني تعلمت شيئًا واحدًا من هذه الرحلة…
ليست كل الأساطير خيالًا، وليست كل الحقائق قابلة للإثبات.
وربما، في مكان ما تحت أقدامنا، توجد حضارة كاملة تراقبنا بصمت، منتظرة اللحظة المناسبة لتكشف عن وجودها.
النهاية
