القضية الأولى: الرجل الذي لا يعرف الهزيمة

اسمي مصطفى.
أعمل صحفيًا منذ أكثر من عشر سنوات، وخلال تلك السنوات سمعت مئات القصص الغريبة.
بعضها كان مجرد شائعات.
وبعضها كان أكاذيب متقنة.
لكن القليل منها فقط جعلني أشعر بأن هناك شيئًا غير طبيعي يحدث فعلًا.
هذه القصة واحدة من تلك الحالات.
بدأ الأمر برسالة وصلت إلى بريدي الإلكتروني في صباح يوم هادئ.
كان عنوان الرسالة قصيرًا وغريبًا:
“إذا أردت قصة حقيقية، ابحث عن سامر.”
في البداية لم أهتم.
أتلقى عشرات الرسائل المشابهة كل أسبوع.
لكن ما لفت انتباهي هو محتوى الرسالة.
لم تحتوِ سوى سطر واحد:
“سامر يحمل سيارة بيديه عندما لا يراه أحد.”
ضحكت.
أغلقت الرسالة.
وعدت إلى عملي.
لكن الغريب أن الرسالة لم تغادر ذهني.
ربما لأن كاتبها لم يحاول إقناعي.
لم يطلب مني شيئًا.
لم يقدم أدلة.
فقط ترك الجملة واختفى.
وفي المساء قررت البحث.
وجدت أن سامر لاعب كمال أجسام معروف في المدينة.
يملك صالة رياضية متوسطة الحجم.
شارك في بطولات محلية عديدة.
وحصل على عدة ميداليات.
كل شيء طبيعي.
لكن كلما تعمقت في البحث وجدت شيئًا غريبًا.
لا يوجد شخص واحد تحدث عنه بسوء.
الجميع يصفه بالطريقة نفسها.
هادئ.
محترم.
منعزل.
لا يحب الشهرة.
ولا يشارك كثيرًا في المناسبات العامة.
شعرت بالفضول.
وفي اليوم التالي قررت زيارته.
كانت الصالة الرياضية تقع في منطقة صناعية بعيدة نسبيًا عن وسط المدينة.
بناء قديم من طابقين.
لافتة بسيطة.
ولا شيء يوحي بأن المكان مميز.
دخلت.
كان الوقت مبكرًا.
بضعة متدربين فقط كانوا موجودين.
وأصوات الأوزان المعدنية تملأ المكان.
لاحظته فورًا.
حتى لو لم أر صورته من قبل لكنت عرفته.
كان أطول من الجميع.
وأعرض من الجميع.
كتفاه بديا كأنهما منحوتان من الحجر.
وذراعاه كانتا أكبر مما رأيته عند معظم الرياضيين المحترفين.
ومع ذلك لم يكن يبدو متفاخرًا.
كان يساعد أحد المبتدئين على أداء تمرين معين.
ثم انتقل إلى شخص آخر.
ثم أعاد ترتيب بعض المعدات بنفسه.
اقتربت منه.
عرفت بنفسي.
ابتسم وصافحني.
كانت مصافحته قوية لكن ليس بشكل مبالغ فيه.
قلت:
“أنا مصطفى، صحفي.”
هز رأسه.
“تشرفت بمعرفتك.”
“أرغب بإجراء مقابلة قصيرة.”
ضحك.
“لا أعتقد أن حياتي مثيرة للاهتمام إلى هذه الدرجة.”
“هذا ما سأكتشفه.”
وافق بعد تردد بسيط.
جلسنا في مكتب صغير داخل الصالة.
بدأت أطرح الأسئلة المعتادة.
كيف بدأ التدريب؟
ما أهدافه؟
ما البطولات التي شارك فيها؟
كانت إجاباته عادية جدًا.
هادئة.
ومنطقية.
لكن شيئًا ما كان يزعجني.
شعور يصعب تفسيره.
كأن الرجل أمامي يخفي نصف الحقيقة دائمًا.
ثم جاء السؤال الذي كنت أنتظره.
قلت:
“هناك من يقول إن قوتك غير طبيعية.”
ابتسم.
لأول مرة لاحظت تغيرًا بسيطًا في تعبير وجهه.
اختفى خلال ثانية.
لكني رأيته.
قال:
“كل لاعب كمال أجسام يسمع هذا الكلام.”
“لكن البعض يقول إنك أقوى من أي إنسان طبيعي.”
ضحك مجددًا.
“البعض يبالغ دائمًا.”
انتهت المقابلة بعد دقائق.
غادرت الصالة.
لكن فضولي ازداد بدل أن يختفي.
وفي تلك الليلة حدث شيء غير متوقع.
تلقيت رسالة جديدة من المرسل المجهول نفسه.
هذه المرة كانت تحتوي على عنوان فقط.
عنوان مستودع مهجور.
وموعد.
الحادية عشرة مساءً.
أسفل العنوان كانت هناك جملة قصيرة:
“إذا أردت رؤية الحقيقة، كن هناك.”
كان ينبغي أن أتجاهل الأمر.
أي شخص عاقل كان سيفعل ذلك.
لكن الفضول الصحفي مرض لا علاج له.
وفي الحادية عشرة إلا ربعًا كنت أقف بالقرب من المستودع.
المنطقة كانت شبه خالية.
الشوارع مظلمة.
والرياح تحرك الأوراق الجافة فوق الأسفلت.
اختبأت خلف مجموعة من الحاويات المعدنية.
وانتظرت.
مرت عشر دقائق.
ثم عشر أخرى.
بدأت أشعر أنني وقعت ضحية لمقلب سخيف.
لكن عند الحادية عشرة تمامًا ظهر شخص.
عرفته فورًا.
كان سامر.
توقف أمام المستودع.
نظر حوله.
وكأنه يتأكد من أنه وحده.
ثم حدث شيء لم أستطع تفسيره.
كانت هناك شاحنة صغيرة متوقفة بجانب المبنى.
بدا أنها تعطلت.
أحد إطاراتها الأمامية غارق داخل حفرة عميقة.
اقترب سامر منها.
وضع يديه تحت المقدمة.
وتوقف للحظة.
في البداية ظننت أنه يفحص العطل.
لكن بعد ثانية واحدة فقط…
ارتفعت مقدمة الشاحنة بالكامل.
تجمدت في مكاني.
لم أصدق ما أراه.
الشاحنة لم ترتفع بضعة سنتيمترات.
بل ارتفعت بشكل كامل.
كأن وزنها لا يساوي شيئًا.
بقيت معلقة في الهواء عدة ثوانٍ.
ثم دفعها للخلف حتى خرجت من الحفرة.
وبعدها أنزلها برفق.
كل ذلك حدث بسهولة مرعبة.
شعرت أن عقلي يرفض تصديق الصورة.
ربما كانت زاوية الرؤية.
وربما هناك رافعة مخفية.
ربما خدعة ما.
بحثت بعيني عن أي تفسير منطقي.
لكنني لم أجد شيئًا.
وفجأة استدار سامر.
نظر مباشرة نحو مكاني.
توقف قلبي للحظة.
هل رآني؟
لم أتحرك.
لم أتنفس تقريبًا.
ظل ينظر لبضع ثوانٍ.
ثم أكمل طريقه واختفى في الظلام.
بقيت مختبئًا عدة دقائق إضافية.
وعندما تأكدت أنه رحل خرجت من مكاني.
اقتربت من الشاحنة.
تفحصتها.
لم أجد شيئًا غير طبيعي.
لا أسلاك.
ولا أجهزة.
لا أي دليل على وجود خدعة.
وفي تلك اللحظة أدركت أنني أمام قصة مختلفة.
قصة لا تشبه أي شيء حققت فيه سابقًا.
لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن ما رأيته.
بل ما وجدته عندما عدت إلى منزلي.
كانت هناك رسالة جديدة تنتظرني.
وصلت قبل دقائق فقط.
فتحتها بسرعة.
لم يكن فيها سوى سطر واحد:
“الآن عرفت أنه يخفي قوته…”
ثم سطر آخر جعل الدم يتجمد في عروقي.
“لكن هل تعرف ممَّ يختبئ؟”
أعدت قراءة الجملة مرات عديدة.
كنت أظن أن سامر يخفي سره عن العالم.
لكن فجأة ظهرت إمكانية أخرى.
ماذا لو لم يكن يخفي قوته عن الناس فقط؟
ماذا لو كان يختبئ من شيء أخطر بكثير؟
جلست أمام الشاشة حتى ساعات الفجر.
أنظر إلى الرسالة.
وأفكر في الرجل الذي رفع شاحنة كما لو كانت لعبة أطفال.
ولم أكن أعلم أن مراقبة سامر ستقودني إلى اكتشاف لا علاقة له بكمال الأجسام.
بل إلى سر قديم يتجاوز حدود الطبيعة نفسها.
لم أنم في تلك الليلة.
كلما أغمضت عيني رأيت المشهد نفسه.
سامر يقف أمام الشاحنة.
ثم يرفعها بسهولة مستحيلة.
ثم تلك الرسالة.
“لكن هل تعرف ممَّ يختبئ؟”
لم أستطع إخراج الجملة من رأسي.
كنت مقتنعًا أنني اكتشفت سر القصة.
لكن الرسالة أوحت بأن ما رأيته ليس سوى جزء صغير من الحقيقة.
مع شروق الشمس قررت العودة إلى العمل بالطريقة التي أعرفها.
الحقائق أولًا.
ثم الاستنتاجات.
بدأت بالبحث عن سامر من جديد.
هذه المرة لم أبحث عن بطولاته الرياضية.
بل عن حياته الشخصية.
طفولته.
عائلته.
دراسته.
أي شيء قد يفسر ما يحدث.
بعد ساعات من البحث وجدت شيئًا غريبًا.
قبل خمسة عشر عامًا عاش سامر في قرية صغيرة تقع بالقرب من سلسلة جبال بعيدة.
قرية شبه مجهولة.
عدد سكانها قليل.
ولا يوجد فيها ما يستحق الاهتمام.
لكن اسم القرية ظهر أمامي أكثر من مرة أثناء البحث.
وكأن جميع الطرق تعود إليها.
اتصلت بأحد معارفي في الأرشيف الصحفي.
وطلبت منه البحث عن أي أحداث غير عادية مرتبطة بالمكان.
بعد ساعة فقط عاد إليّ باتصال مفاجئ.
قال:
“مصطفى، هناك شيء غريب.”
“ماذا وجدت؟”
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قال:
“قبل خمسة عشر عامًا اختفى أربعة أشخاص من القرية في الليلة نفسها.”
شعرت بالاهتمام فورًا.
“هل تم العثور عليهم؟”
“ثلاثة فقط.”
“والرابع؟”
“لم يظهر أبدًا.”
سألته عن اسمه.
فأجاب:
“محمود السالمي.”
دونت الاسم.
ثم سألته سؤالًا آخر.
“وهل كان سامر يعرفه؟”
أجاب بسرعة:
“كان والده.”
تجمدت يدي فوق دفتر الملاحظات.
والده؟
أعدت السؤال للتأكد.
لكن الإجابة بقيت نفسها.
والد سامر اختفى في ظروف غامضة.
ولم يعثر عليه أحد منذ ذلك اليوم.
أغلقت المكالمة.
وأخذت أنظر إلى الملاحظات أمامي.
شعرت أن أجزاء الصورة بدأت تتجمع.
لكن ما زال هناك الكثير من الفراغات.
وفي المساء اتخذت قرارًا بالسفر إلى القرية.
كانت تبعد عدة ساعات بالسيارة.
طريق طويل يمر بين الجبال والسهول الجافة.
كلما اقتربت شعرت أنني أعود إلى زمن مختلف.
المنازل قليلة.
الشوارع ضيقة.
والهدوء يسيطر على كل شيء.
وصلت قبل الغروب بقليل.
وبدأت أسأل السكان عن عائلة سامر.
في البداية كانوا متحفظين.
لكن بعد بعض الحديث وافق رجل مسن على الكلام.
جلسنا أمام منزله القديم.
وأشعل فنجان قهوة على موقد صغير.
ثم قال:
“سامر كان طفلًا مختلفًا.”
“كيف؟”
نظر نحوي طويلًا.
ثم قال:
“كانت تحدث حوله أمور غريبة.”
ابتسمت.
كنت أتوقع إجابة من هذا النوع.
لكنني لم أعلّق.
أكمل الرجل:
“عندما كان في العاشرة سقطت صخرة كبيرة من أعلى الجبل.”
“وكادت تقتل أحد الأطفال.”
“لكن سامر دفعها.”
كاد القلم يسقط من يدي.
“دفعها؟”
هز رأسه.
“هكذا قال الجميع.”
“لكن الناس ظنوا أنهم أخطأوا في التقدير.”
“أو أن الخوف جعلهم يبالغون.”
سألته:
“وأنت ماذا تعتقد؟”
أجاب بهدوء:
“أنا رأيت الأمر بعيني.”
لم أجد ما أقوله.
أخذ الرجل رشفة من القهوة.
ثم أضاف:
“بعد اختفاء والده تغير كل شيء.”
“ماذا تقصد؟”
“أصبح أكثر هدوءًا.”
“وأقل اختلاطًا بالناس.”
“وكأنه يحمل سرًا لا يريد لأحد معرفته.”
سكت للحظة.
ثم اقترب مني قليلًا.
وقال بصوت منخفض:
“لكن هذا ليس أغرب شيء.”
شعرت أن اهتمامي ازداد.
“ما هو إذن؟”
نظر حوله وكأنه يتأكد أن لا أحد يسمعه.
ثم قال:
“في الليلة التي اختفى فيها والده…”
“شوهد رجل غريب في القرية.”
سألته:
“أي رجل؟”
رد:
“لا أحد يعرف.”
“لم يكن من السكان.”
“ولم يره أحد بعدها.”
“لكن بعض الناس قالوا إنه كان يراقب منزل عائلة سامر.”
شعرت بقشعريرة خفيفة.
لأنني تذكرت الرسائل المجهولة.
وتذكرت شعور سامر عندما سألته عن قوته.
وكأن هناك شيئًا يطارده منذ سنوات.
عندما غادرت منزل الرجل كانت الشمس قد اختفت.
وبدأت الظلال تغطي القرية.
قررت العودة إلى الفندق الصغير الذي نزلت فيه.
لكن أثناء سيري في الشارع الترابي لاحظت شيئًا غريبًا.
رجل يقف بعيدًا.
على طرف الطريق.
يرتدي معطفًا داكنًا.
وينظر نحوي.
في البداية لم أهتم.
لكن عندما غيرت اتجاهي…
تحرك هو أيضًا.
توقفت.
فتوقف.
شعرت بأن الأمر ليس صدفة.
واصلت السير.
وواصل هو مراقبتي.
ازدادت دقات قلبي.
لكنني لم أظهر ذلك.
دخلت أحد المتاجر الصغيرة.
وبقيت داخله لدقائق.
ثم نظرت من النافذة.
كان ما يزال هناك.
في المكان نفسه.
يراقب.
خرجت بسرعة.
لكن عندما وصلت إلى الشارع اختفى.
كأنه تبخر.
بحثت بعيني في كل الاتجاهات.
لم أجده.
عدت إلى الفندق وأنا أشعر بالتوتر.
أغلقت الباب.
وألقيت حقيبتي فوق السرير.
ثم جلست أفكر.
هل كان مجرد شخص عابر؟
أم أنه يراقبني فعلًا؟
لم أملك إجابة.
لكنني كنت متأكدًا من شيء واحد.
كلما اقتربت من حقيقة سامر…
بدأت ألاحظ أشخاصًا لا أعرفهم.
وفي منتصف الليل تقريبًا استيقظت على صوت خافت.
صوت طرقات.
ثلاث طرقات بطيئة على باب الغرفة.
نهضت فورًا.
نظرت إلى الساعة.
كانت الثانية بعد منتصف الليل.
اقتربت بحذر من الباب.
وسألت:
“من هناك؟”
لم يجب أحد.
انتظرت.
ثم سمعت صوت خطوات تبتعد في الممر.
فتحت الباب بسرعة.
كان الممر فارغًا.
لكن شيئًا ما كان موضوعًا على الأرض.
ظرف أبيض صغير.
انحنيت والتقطته.
ثم عدت إلى الداخل وأغلقته.
فتحت الظرف.
وجدت ورقة واحدة فقط.
لا اسم.
ولا توقيع.
لا أي شيء.
مجرد جملة مكتوبة بخط واضح:
“إذا كنت تريد معرفة سر سامر…”
وتحتها سطر آخر:
“ابحث عن النفق الموجود تحت الجبل.”
حدقت في الورقة طويلًا.
ثم رفعت رأسي نحو النافذة.
كان الظلام يملأ الخارج.
وفي مكان ما خلف تلك الجبال…
كان هناك نفق.
وربما إجابات.
لكن إحساسي الصحفي أخبرني بشيء آخر.
أحيانًا لا تكون المشكلة في العثور على الحقيقة.
بل في النجاة بعد العثور عليها.
لم أستطع تجاهل الرسالة.
طوال الليل بقي الظرف الأبيض فوق الطاولة الصغيرة في غرفتي بالفندق، وكأنه يراقبني. كلما حاولت التفكير بمنطق، كانت الجملة المكتوبة عليه تعود إلى ذهني:
“ابحث عن النفق الموجود تحت الجبل.”
من أرسلها؟
ولماذا؟
وهل كان يريد مساعدتي أم دفعني نحو فخ؟
مع شروق الشمس كنت قد اتخذت قراري.
سأذهب إلى النفق.
لكن قبل ذلك احتجت إلى معرفة ما إذا كان موجودًا فعلًا.
خرجت من الفندق واتجهت إلى المقهى الوحيد في القرية. كان المكان هادئًا، ولم يكن فيه سوى عدد قليل من كبار السن.
طلبت قهوة وجلست أراقب الناس.
بعد دقائق دخل الرجل المسن الذي تحدثت معه بالأمس.
ابتسم عندما رآني.
ثم جلس أمامي.
قلت مباشرة:
“أريد أن أسألك عن شيء.”
نظر إلى وجهي.
ثم قال:
“النفق؟”
تجمدت للحظة.
“كيف عرفت؟”
ضحك بخفة.
“كل شخص يأتي إلى هذه القرية بحثًا عن الأسرار يسأل عنه في النهاية.”
شعرت بالفضول.
“إذن هو موجود.”
اختفت الابتسامة من وجهه.
وأجاب:
“للأسف نعم.”
“أين يقع؟”
نظر من نافذة المقهى نحو الجبال البعيدة.
ثم قال:
“في الجهة الشمالية.”
“لكن لا أحد يذهب إليه.”
“لماذا؟”
تنهد ببطء.
“لأن الناس الذين دخلوه عادوا مختلفين.”
لم تعجبني الإجابة.
كانت تشبه قصص الرعب الشعبية.
لكن الرجل بدا جادًا تمامًا.
سألته:
“مختلفين كيف؟”
هز كتفيه.
“بعضهم أصبح منعزلًا.”
“بعضهم غادر القرية.”
“وبعضهم رفض الحديث عما رآه.”
ثم أضاف بصوت منخفض:
“والبعض لم يعد أصلًا.”
انتهى الحديث بعد دقائق.
لكنني كنت قد اتخذت قراري بالفعل.
في الظهيرة استأجرت سيارة قديمة وانطلقت نحو الجبال.
كلما ابتعدت عن القرية أصبحت الطرق أكثر وعورة.
الصخور تحيط بي من كل جانب.
والهواء أصبح أكثر برودة.
بعد ساعة تقريبًا وصلت إلى منطقة شبه مهجورة.
وهناك رأيته.
مدخل النفق.
كان أكبر مما توقعت.
فتحة سوداء ضخمة داخل الجبل.
كأن الجبل نفسه تعرض لجرح عميق منذ زمن بعيد.
أوقفت السيارة.
وترجلت.
لسبب لا أعرفه شعرت بالتوتر فور رؤيتي للمكان.
أخرجت مصباحًا يدويًا من حقيبتي.
ثم بدأت التقدم.
في الداخل كان الهواء رطبًا.
والصمت مطبقًا.
حتى صوت خطواتي بدا غريبًا.
كل شيء في ذلك المكان أعطاني إحساسًا بأنني لست مرحبًا بي.
تابعت السير.
عشرة أمتار.
عشرون.
خمسون.
ثم لاحظت شيئًا على الجدار.
رموزًا غريبة محفورة في الصخور.
لم تكن كتابة أعرفها.
لكنها بدت قديمة جدًا.
أخرجت هاتفي والتقطت عدة صور.
ثم تابعت طريقي.
بعد دقائق وصل النفق إلى قاعة واسعة تحت الأرض.
توقفت فجأة.
لأنني رأيت شيئًا لم أكن أتوقعه.
كانت هناك معدات حديثة.
مصابيح.
أسلاك.
وصناديق معدنية.
شعرت بالدهشة.
هذا ليس موقعًا أثريًا مهجورًا.
أحدهم يستخدم المكان.
وربما منذ فترة طويلة.
بدأت أتفحص القاعة.
وفجأة سمعت صوتًا خلفي.
صوت خطوات.
استدرت بسرعة.
لكن لم يكن هناك أحد.
سلطت الضوء في كل الاتجاهات.
لا شيء.
عاد الصمت.
أقنعت نفسي أنني توترت أكثر من اللازم.
ثم اقتربت من أحد الصناديق المعدنية.
كان مفتوحًا جزئيًا.
وعندما نظرت داخله شعرت بقشعريرة.
كانت هناك عشرات الملفات.
قديمة وحديثة.
كلها تحمل أسماء أشخاص.
بدأت أتصفحها بسرعة.
وفي كل ملف صورة.
ومعلومات.
وتواريخ.
ثم وجدت اسمًا أعرفه.
سامر.
سحبت الملف فورًا.
فتحته.
وتوقفت أنفاسي.
في الصفحة الأولى كانت صورة سامر عندما كان طفلًا.
وفي الأسفل عبارة قصيرة:
“الحالة رقم 27.”
قلبت الصفحة التالية.
وجدت ملاحظات عديدة.
اختبارات.
قياسات.
تقارير.
لكن أغرب ما قرأته كان جملة واحدة:
“المؤشرات تؤكد نجاح المرحلة الثالثة.”
لم أفهم شيئًا.
نجاح أي مرحلة؟
وما المقصود بالحالة رقم 27؟
واصلت القراءة بسرعة.
ثم وجدت اسمًا آخر.
محمود السالمي.
والد سامر.
شعرت بقلبى يخفق بقوة.
فتحت الملف الثاني.
كانت أول صفحة تحتوي على صورة الرجل.
أما الصفحة التالية فحملت عبارة مخيفة:
“تم نقل العينة إلى الموقع البديل.”
عينة؟
هل يتحدثون عن إنسان؟
بدأت أشعر أنني أمام شيء أكبر مما تخيلت.
شيء لا علاقة له بالأساطير أو الأشباح.
بل بشيء أكثر خطورة.
فجأة دوى صوت قوي في القاعة.
كأن بابًا معدنيًا أغلق في مكان قريب.
قفزت من مكاني.
ثم سمعت صوتًا آخر.
خطوات.
هذه المرة لم تكن في خيالي.
كان هناك شخص يتحرك فعلًا.
أطفأت المصباح بسرعة.
واختبأت خلف أحد الصناديق.
اقتربت الخطوات.
ببطء.
ثم ظهر رجل.
كان يرتدي ملابس سوداء بالكامل.
ويمسك جهازًا إلكترونيًا صغيرًا.
توقف في منتصف القاعة.
ونظر حوله.
شعرت بأنفاسي تتسارع.
لو اكتشف وجودي فستكون لدي مشكلة حقيقية.
مرّت ثوانٍ طويلة.
ثم رفع الرجل الجهاز أمامه.
نظر إلى الشاشة.
وقال بصوت منخفض:
“هناك شخص دخل إلى الموقع.”
تجمد الدم في عروقي.
كان يتحدث عبر جهاز اتصال.
وصله رد لم أستطع سماعه.
لكنني سمعت إجابته بوضوح.
“نعم.”
ثم توقف لحظة.
وأضاف:
“أبلغوا المسؤول.”
وبعدها قال جملة جعلتني أنسى التنفس للحظة:
“يبدو أن الصحفي وصل إلى النفق.”
الصحفي.
كان يقصدني أنا.
عرفوا بوجودي.
بل كانوا يتوقعون مجيئي.
بقيت مختبئًا بينما بدأ الرجل يتقدم بين الصناديق.
أدركت أن بقائي يعني القبض علي.
لذلك تحركت ببطء نحو ممر جانبي لاحظته قبل قليل.
خطوة.
ثم أخرى.
ثم ثالثة.
ولحسن الحظ لم يلاحظني.
وصلت إلى الممر.
ثم بدأت أركض.
لم أعد أهتم بالهدوء.
كنت أسمع أصواتًا خلفي.
صرخات.
وخطوات متسارعة.
لكنني واصلت الجري.
حتى رأيت ضوء النهار في نهاية النفق.
خرجت أخيرًا.
وقفزت إلى السيارة.
وأدرت المحرك بأقصى سرعة.
لم أتوقف إلا بعد أن ابتعدت عدة كيلومترات عن الجبل.
هناك فقط سمحت لنفسي بالتنفس.
أوقفت السيارة على جانب الطريق.
وأخرجت الملف الذي سرقته أثناء الهروب.
كان ملف سامر ما يزال معي.
نظرت إلى الغلاف.
ثم فتحته من جديد.
وفي الصفحة الأخيرة وجدت شيئًا لم أره سابقًا.
صورة حديثة التقطت قبل بضعة أشهر.
لسامر.
وبجانبه رجل مجهول.
لكنني لم أهتم بالرجل.
لأن الملاحظة المكتوبة أسفل الصورة كانت أخطر بكثير.
“المراقبة مستمرة.”
“الموضوع لا يعلم حقيقة قدراته الكاملة بعد.”
حدقت في الجملة طويلًا.
ثم أعدت قراءتها مرة ثانية.
وسامر نفسه…
لا يعرف قدراته الكاملة؟
إذا كان ذلك صحيحًا…
فإن الرجل الذي رفع شاحنة بيديه ليس سوى بداية القصة.
أما الحقيقة الحقيقية…
فما تزال مخفية في مكان ما داخل ذلك الجبل.
نهاية القضية الأولى
- فندق العودة: الفندق الغامض الذي يعيد الشباب | ملفات ما وراء الطبيعة
- قصص ما وراء الطبيعة: الرجل الذي يختفي من الصور
- قصص ما وراء الطبيعة: الرجل الذي لا يعرف الهزيمة وقوة خارقة تخفي سرًا مرعبًا
- عالم الأحلام | البوابة السوداء التي فتحت طريقًا إلى عقول البشر
- وريث الإمبراطورية المنسية: الهاتف الذي فتح بوابة عالم آخر الفصل 2
