شتاء 1966: ظلال السيدة زينب الجزء 2

شتاء 1966: ظلال السيدة زينب الجزء 2

لغز اختفاء جارة في حي السيدة زينب بالقاهرة عام 1966

الجزء الثاني: الضابط الذي لا يصدق الصدف

القاهرة – حي السيدة زينب
15 ديسمبر 1966

لم ينم محمود السيوفي تلك الليلة.

كانت الورقة الصغيرة ما تزال فوق الطاولة أمامه.

“أنا أعرف أنك آخر شخص رآها.”

جملة واحدة فقط.

لكنها كانت كافية لتحويل حياته الهادئة إلى كابوس.

قرأها عشرات المرات.

فحص الخط.

شم الورقة.

قلبها بين أصابعه.

حاول أن يجد أي دليل يقوده إلى صاحبها.

لكن دون جدوى.

ومع اقتراب الفجر بدأ سؤال واحد يسيطر عليه:

من يراقبني؟


في صباح اليوم التالي كانت شوارع السيدة زينب تعج بالأحاديث.

اختفاء فاطمة عبدالعال أصبح حديث الحي كله.

أصحاب المقاهي.

الباعة.

الجيران.

حتى الأطفال كانوا يرددون قصتها.

البعض قال إنها هربت.

البعض قال إنها تعرضت للخطف.

والبعض بدأ يتحدث عن جريمة قتل.

لكن الشرطة لم تكن تملك أي دليل.

لا جثة.

لا شهود.

لا أثر.

فقط امرأة خرجت أثناء انقطاع الكهرباء ثم اختفت.

وكأن الأرض ابتلعتها.

لكن في قسم الشرطة كان هناك شخص واحد لا يقتنع بهذه الرواية.

الرائد عمر الشناوي.


كان عمر الشناوي في الثامنة والثلاثين من عمره.

طويل القامة.

حاد النظرات.

هادئًا بصورة تثير التوتر.

اشتهر بين زملائه بقدرته الغريبة على ملاحظة التفاصيل الصغيرة.

كان يقول دائمًا:

“المجرم لا يقع بسبب ما يخفيه… بل بسبب ما ينسى إخفاءه.”

وخلال السنوات الماضية نجح في حل قضايا استعصت على كثيرين.

حتى أصبح اسمه معروفًا داخل مديرية الأمن.

في صباح ذلك اليوم دخل مكتبه حاملاً ملف اختفاء فاطمة.

فتح الملف.

قرأ الصفحات القليلة.

ثم أغلقه بعد خمس دقائق.

نظر إلى معاونه الملازم حسن رشدي وقال:

“في حاجة غلط.”

سأل حسن:

“حضرتك شايف إنها جريمة؟”

أجاب عمر:

“أكيد.”

“لكن مفيش دليل.”

ابتسم عمر.

“وده بالضبط اللي مقلقني.”


بعد ساعات وصل الرائد عمر إلى المبنى الذي تسكن فيه فاطمة.

بدأ باستجواب الجيران واحدًا تلو الآخر.

طرح نفس الأسئلة.

متى رأيتموها آخر مرة؟

هل كانت لديها خلافات؟

هل كانت تنوي السفر؟

هل كانت خائفة من أحد؟

وجاءت الإجابات متشابهة.

لا.

لا.

لا.

لا.

حتى وصل إلى شقة محمود السيوفي.

طرق الباب.

فتح محمود.

وللحظة قصيرة جدًا التقت أعين الرجلين.

شعر محمود بشيء غريب.

كأن الضابط يقرأ ما خلف وجهه.

قال عمر بهدوء:

“حضرتك الأستاذ محمود؟”

“أيوه.”

“ممكن كام سؤال؟”

“اتفضل.”

دخل الضابط الشقة.

جلس.

وبدأ الحديث.

في الظاهر كان مجرد استجواب عادي.

لكن عمر كان يراقب كل شيء.

حركة اليد.

نبرة الصوت.

طريقة الجلوس.

سرعة الإجابة.

كل تفصيلة.

سأل:

“إمتى آخر مرة شوفت السيدة فاطمة؟”

أجاب محمود:

“قبل اختفائها بيوم تقريبًا.”

“كنتوا جيران من زمان؟”

“حوالي أربع سنين.”

“بينكم أي خلافات؟”

“أبدًا.”

هز الضابط رأسه.

ثم نظر فجأة إلى رف الكتب.

قال:

“بتحب القراءة؟”

تفاجأ محمود بالسؤال.

“أحيانًا.”

ابتسم عمر.

ثم نهض.

وانتهى اللقاء.

لكن قبل أن يغادر التفت فجأة وقال:

“الغريب إن الناس لما بتختفي بيكون فيه حد شاف حاجة.”

سكت قليلًا.

ثم أكمل:

“المشكلة إن الشاهد أحيانًا ما يعرفش إنه شاهد.”

وغادر.

أما محمود فبقي واقفًا في مكانه.

كان يشعر أن الرجل لم يأتِ ليسأل.

بل جاء ليتفحصه.


في المساء عاد عمر إلى القسم.

جلس أمام الملف.

وأخرج ورقة جديدة.

كتب عليها أسماء جميع سكان المبنى.

ثم بدأ يرسم خطوطًا بينهم.

كان يفعل ذلك دائمًا.

يرسم العلاقات.

ويبحث عن الحلقة المفقودة.

وفجأة توقف عند اسم واحد.

محمود السيوفي.

موظف أرشيف.

أعزب.

يعيش وحده.

علاقات محدودة.

لا أصدقاء تقريبًا.

لا زيارات.

لا نشاط اجتماعي.

ظل الاسم أمامه.

لا يوجد دليل ضده.

لكن شيئًا ما لم يعجبه.


في تلك الليلة قرر محمود اكتشاف صاحب الرسالة.

جلس خلف نافذته يراقب الشارع.

ساعة.

ساعتين.

ثلاث ساعات.

ثم رأى شيئًا.

شاب صغير يقترب من مدخل المبنى.

ينظر حوله.

ثم يضع شيئًا أسفل الدرج.

وينصرف بسرعة.

نزل محمود فورًا.

التقط الشيء.

كانت ورقة جديدة.

فتحها.

شعر بالدم يتجمد في عروقه.

“الشرطة وصلت متأخرة…
أما أنا فأراقبك منذ شهور.”

ارتجفت يداه.

هذه المرة لم يكن هناك شك.

شخص ما يعرف.

وربما يعرف أكثر مما يجب.


بدأ الذعر يتسلل إلى حياته.

صار ينظر خلفه في الشارع.

يراقب الوجوه.

يفحص النوافذ.

يتجنب النظر في أعين الناس.

ولأول مرة منذ سنوات فقد سيطرته.

أما الرائد عمر فكان يسير في اتجاه آخر تمامًا.

فخلال إعادة فحص المبنى اكتشف معلومة صغيرة.

معلومة تجاهلها الجميع.

في ليلة الاختفاء كان هناك شخص واحد عاد إلى المنزل أثناء انقطاع الكهرباء.

شخص واحد فقط.

محمود السيوفي.


عندما سمع عمر هذه المعلومة لم يتهمه.

بل ابتسم.

لأن القضية بدأت تتحرك.

طلب ملفًا آخر.

ثم آخر.

ثم آخر.

ملفات اختفاء قديمة حدثت خلال السنوات السابقة.

أشخاص اختفوا في مناطق مختلفة من القاهرة.

لا رابط واضح بينهم.

لكن عمر كان يبحث عن شيء محدد.

الجغرافيا.

المواعيد.

الصدف.

وبعد ساعات طويلة وجد ما أثار انتباهه.

في ثلاث قضايا اختفاء قديمة كان محمود يعمل أو يمر بالقرب من أماكن الأحداث.

قد تكون مصادفة.

لكن عمر لم يكن يؤمن بكثرة المصادفات.


في مساء اليوم نفسه استدعى الضابط محمود مرة أخرى.

جلس أمامه في القسم.

هذه المرة كان الجو مختلفًا.

قال عمر:

“إنت متوتر يا أستاذ محمود؟”

أجاب:

“طبيعي.”

“ليه طبيعي؟”

“عشان قضية اختفاء وجاريتي.”

ابتسم الضابط.

“ممكن.”

ثم فتح دفترًا صغيرًا.

وقال:

“فين كنت يوم 7 مايو سنة 1963؟”

شحب وجه محمود.

لم يتوقع السؤال.

حاول التماسك.

“مش فاكر.”

“و11 فبراير 1964؟”

“مش فاكر برضه.”

“و22 أغسطس 1965؟”

صمت.

راقبه عمر طويلًا.

ثم أغلق الدفتر.

وقال:

“أنا كمان مش فاكر.”

نهض من مكانه.

“تقدر تتفضل.”

خرج محمود وهو يشعر أن الأرض تميد تحت قدميه.

كان يدرك أن الضابط يبحث في الماضي.

والماضي هو أكثر شيء يخشاه.


في تلك الليلة عاد إلى شقته.

أغلق الباب.

فتح الصندوق الخشبي المخفي.

نظر إلى التذكارات القديمة.

سبع سنوات من الأسرار.

سبع سنوات من الجرائم.

ثم اتخذ قرارًا.

يجب التخلص من كل شيء.

الليلة.

قبل أن يعثر عليه أحد.


لكن بينما كان يستعد للمغادرة سمع صوتًا خارج الباب.

خطوات بطيئة.

تقترب.

ثم تتوقف.

تجمد مكانه.

مرت ثوانٍ ثقيلة.

ثم انزلق شيء أسفل الباب.

ورقة جديدة.

ورقة ثالثة.

اقترب بحذر.

التقطها.

فتحها.

وقرأ الكلمات.

هذه المرة لم يستطع منع نفسه من الارتعاش.

“لو فتحت الصندوق الخشبي الآن…
ستجد أنني سبقتك.”

نظر نحو الصندوق فورًا.

ركض إليه.

فتح الغطاء.

ثم شهق.

الصندوق كان مفتوحًا.

وبعض محتوياته اختفت.

شعر أن قلبه توقف.

كيف؟

متى؟

من دخل الشقة؟

ومن يعرف مكان الصندوق أصلًا؟

ولماذا لم يسرقه بالكامل؟

جلس على الأرض.

وجهه شاحب.

وعيناه مليئتان بالرعب.

لأن الحقيقة أصبحت واضحة.

هناك شخص لا يراقبه فقط.

بل دخل إلى عالمه السري.

وربما أصبح يملك دليلًا على جرائمه.


في نفس اللحظة تقريبًا كان الرائد عمر الشناوي يجلس في مكتبه.

يشرب قهوته بصمت.

عندما دخل الملازم حسن مسرعًا.

وقال:

“يا فندم…”

رفع عمر رأسه.

“خير؟”

قال حسن:

“وصلنا بلاغ غريب.”

“إيه هو؟”

أخرج ظرفًا بنيًا من جيبه.

ووضعه على المكتب.

فتح عمر الظرف.

وأخرج منه ساعة جيب قديمة.

ومعها ورقة.

قرأ السطر المكتوب.

فتغيرت ملامحه للمرة الأولى.

كان مكتوبًا:

“إذا أردت معرفة مصير فاطمة…
ابدأ بمحمود السيوفي.”

رفع الضابط عينيه ببطء.

ونظر إلى معاونه.

ثم قال جملة واحدة:

“أخيرًا ظهر اللاعب الجديد.”

لكن السؤال الأخطر لم يكن من هو محمود.

بل من هو الشخص الغامض الذي يطارده؟

وكيف عرف أسراره؟

وهل يريد مساعدة الشرطة…

أم أنه يخوض لعبة أكثر ظلامًا من القاتل نفسه؟

انتهى الجزء الثاني.

تعليقات

لا تعليقات حتى الآن. لماذا لا تبدأ النقاش؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *