شتاء 1966: ظلال السيدة زينب

شتاء 1966: ظلال السيدة زينب

الجزء الأول: الجارة التي تبخرت

القاهرة، ديسمبر 1966.

كان البرد نادرًا في القاهرة، لكنه حين يأتي في ديسمبر يفرض نفسه على الأزقة القديمة كضيف ثقيل. في حي السيدة زينب كانت الشوارع الضيقة تكتسي بضباب خفيف مع اقتراب الفجر، وتختلط رائحة الفحم المحترق برائحة الخبز الخارج من الأفران البلدية.

في أحد البيوت العتيقة المطلة على شارع جانبي متفرع من ميدان السيدة زينب، كان يعيش رجل يدعى محمود السيوفي.

لم يكن أحد يلاحظ محمود كثيرًا.

كان في الخامسة والثلاثين من عمره، متوسط القامة، نحيل الوجه، دائم ارتداء بدلة رمادية قديمة تبدو أكبر من مقاسه بقليل. عيناه سوداوان هادئتان إلى درجة مقلقة، وصوته منخفض حتى إن بعض الناس كانوا يطلبون منه إعادة كلامه مرتين أو ثلاثًا.

عمل محمود موظفًا في أرشيف إحدى الدوائر الحكومية القريبة من القلعة.

كانت حياته تبدو عادية تمامًا.

يستيقظ في السادسة صباحًا.

يشرب الشاي.

يرتدي ملابسه.

يخرج إلى العمل.

يعود قبل المغرب.

ثم يغلق باب شقته ويبقى وحيدًا حتى صباح اليوم التالي.

الجيران كانوا يعتبرونه رجلًا محترمًا.

صامتًا.

مؤدبًا.

لا يسبب المشكلات.

لكنهم لم يكونوا يعرفون شيئًا عن الحقيقة.

الحقيقة أن محمود كان قاتلًا.

ليس قاتلًا محترفًا يعمل لحساب عصابات.

وليس مجرمًا هاربًا من العدالة.

بل كان شيئًا أكثر غرابة.

كان يقتل لأن القتل يمنحه شعورًا بالسيطرة.

بدأ الأمر قبل سبع سنوات.

في إحدى الليالي تشاجر مع رجل في حارة بعيدة قرب باب الشعرية.

انتهى الشجار بدفعة قوية سقط بعدها الرجل على حجر بارز فمات.

اعتبر الجميع الحادث قضاءً وقدرًا.

أما محمود فقد اكتشف في تلك الليلة إحساسًا جديدًا.

إحساسًا بأنه يستطيع أن يقرر من يبقى حيًا ومن يختفي.

ومنذ ذلك الحين صار يعيش حياتين.

الحياة الأولى يراها الناس.

موظف هادئ لا يلفت الانتباه.

والحياة الثانية يخبئها خلف باب شقته.

في غرفة صغيرة مغلقة بمفتاحين.

كانت الغرفة تحتوي على صندوق خشبي قديم.

داخل الصندوق احتفظ بتذكارات من ضحاياه.

زر قميص.

ساعة جيب.

منديل مطرز.

صورة ممزقة.

أشياء لا قيمة لها عند أي شخص آخر.

لكنها بالنسبة له كانت انتصارات.

ذكريات.

أدلة على قدرته على التحكم في مصائر الآخرين.

حتى ديسمبر 1966 لم يشك أحد فيه.

ولم تكن الشرطة قد ربطت بين أي حالة اختفاء وبين شخص بعينه.

فكل ضحاياه السابقين كانوا غرباء.

أشخاصًا بلا روابط واضحة.

لكن هذه المرة كان الأمر مختلفًا.

لأن الضحية القادمة تعيش في نفس المبنى.

في الطابق المقابل لشقته مباشرة.

اسمها فاطمة عبدالعال.

أرملة في الثانية والأربعين.

تعيش مع ابنتها الوحيدة سامية التي تدرس في المدرسة الثانوية.

كانت فاطمة معروفة في الحي.

امرأة طيبة.

كثيرة الكلام.

تساعد الجيران.

وتعرف أخبار الجميع.

وهذا بالتحديد ما جعلها خطرًا.

في البداية لم ينتبه محمود للأمر.

لكنه لاحظ شيئًا مزعجًا خلال الأسابيع الأخيرة.

كلما عاد إلى المنزل وجد فاطمة تراقب الداخلين والخارجين من شرفتها.

كانت تعرف مواعيد الجميع.

من عاد متأخرًا.

من استقبل ضيفًا.

من سافر.

من تشاجر.

وكانت تستمتع بحفظ التفاصيل.

ذات مساء بينما كان يصعد السلم، أوقفته.

قالت مبتسمة:

“إزيك يا أستاذ محمود؟”

أجاب بهدوء:

“الحمد لله.”

ثم أضافت:

“رجعت متأخر النهارده.”

تجمد لثانية.

سألها:

“متأخر؟”

قالت:

“آه. إنت عادة بترجع قبل المغرب. النهارده بعد العشا.”

ابتسم مجاملة وأكمل طريقه.

لكن كلماتها ظلت تدور في رأسه طوال الليل.

لقد لاحظت.

ربما لاحظت أكثر مما ينبغي.

وفي الأيام التالية بدأ يراقبها.

كان يخرج أحيانًا ليلًا.

يتجول في الشوارع.

ثم يعود قبل الفجر.

وفي كل مرة كان يجد ستارة نافذتها تتحرك قليلًا.

كأن عينًا تراقبه من الظلام.

أصبح منزعجًا.

ثم متوترًا.

ثم خائفًا.

نعم.

القاتل كان خائفًا.

لأن أكبر مخاوفه لم تكن الشرطة.

بل الأشخاص الفضوليون.

الذين يجمعون قطع الأحجية دون أن يدركوا قيمتها.

وفي مساء التاسع من ديسمبر حدث ما غير كل شيء.

عاد محمود من عمله فوجد رجالًا ونساء متجمعين أمام مدخل البيت.

كانوا يتحدثون بصوت مرتفع.

اقترب وسأل أحد الجيران:

“فيه إيه؟”

قال الرجل:

“فاطمة هانم اتخانقت مع صاحب البقالة.”

أومأ محمود وكأنه غير مهتم.

لكن الجار أكمل:

“وقالت قدام الناس إنها شافت حاجة غريبة.”

هنا شعر محمود ببرودة تسري في جسده.

سأل:

“حاجة إيه؟”

هز الرجل كتفيه.

“ماحدش عرف. كانت هتقول وبعدين سكتت.”

صعد محمود إلى شقته.

وأغلق الباب.

وجلس في الظلام.

لأول مرة منذ سنوات شعر بالخطر الحقيقي.

ماذا رأت؟

وماذا كانت تنوي أن تقول؟

هل رأته ليلة من الليالي؟

هل شاهدته يحمل شيئًا؟

هل تعرف أكثر مما ينبغي؟

في اليوم التالي حاول أن يبدو طبيعيًا.

لكن عقله كان يعمل بلا توقف.

وعند الظهيرة عاد مبكرًا على غير عادته.

صعد السلم ببطء.

وكانت المفاجأة أن فاطمة فتحت بابها في نفس اللحظة.

ابتسمت له.

ثم قالت:

“غريبة. أول مرة ترجع بدري كده.”

أجاب:

“الشغل خلص بدري.”

ظلت تنظر إليه.

ثوانٍ طويلة.

طويلة أكثر مما يجب.

ثم قالت:

“الإنسان لازم يبقى حريص الأيام دي.”

سألها:

“ليه؟”

قالت:

“الدنيا مليانة أسرار.”

ثم ضحكت ودخلت شقتها.

أما محمود فبقي واقفًا مكانه.

كان قلبه ينبض بقوة.

تلك الكلمات لم تغادر ذهنه.

الدنيا مليانة أسرار.

هل كانت تلمح إلى شيء؟

أم أنها مجرد مصادفة؟

طوال يومين ظل يفكر.

حتى اتخذ قراره.

القرار الذي سيقوده إلى أكبر خطأ في حياته.

ليلة الثاني عشر من ديسمبر كانت السماء ملبدة بالغيوم.

والشارع شبه خالٍ.

انقطعت الكهرباء عن الحي لبعض الوقت.

وغرق المبنى في الظلام.

في تلك الليلة خرجت فاطمة من شقتها.

كانت تحمل مصباحًا صغيرًا.

ونزلت إلى الطابق الأرضي لتطمئن على عداد الكهرباء.

هذا ما قاله الجيران لاحقًا.

أما ما حدث بعد ذلك فلم يره أحد.

عند منتصف الليل عادت الكهرباء.

لكن فاطمة لم تعد.

ظنت ابنتها أنها عند إحدى الجارات.

ثم ظنت أنها ذهبت لزيارة قريبة مريضة.

ثم بدأ القلق.

ومع حلول الصباح كانت الشقة في حالة فوضى.

سامية تبكي.

الجيران يتجمعون.

والأسئلة تتزايد.

أين ذهبت فاطمة؟

لماذا اختفت؟

وكيف يمكن لامرأة معروفة في الحي أن تتبخر دون أثر؟

كان محمود يقف بينهم.

هادئًا.

متماسكًا.

يشاركهم القلق المصطنع.

بل إنه تطوع للبحث عنها.

خرج مع الرجال.

سأل أصحاب المتاجر.

وتجول في الشوارع المجاورة.

وأدى دوره بإتقان.

لكن في داخله كان يعلم الحقيقة.

يعلم أنها لن تعود.

أبدًا.

مع ذلك لم يكن مرتاحًا.

كان هناك شيء يزعجه.

شيء لم يستطع تحديده.

وعندما عاد إلى شقته مساء ذلك اليوم اكتشف السبب.

وجد ورقة صغيرة مدسوسة تحت بابه.

ورقة بلا اسم.

بلا توقيع.

فتحها بيد مرتجفة.

وكان مكتوبًا عليها سطر واحد فقط:

“أنا أعرف أنك آخر شخص رآها.”

شحب وجهه.

وأعاد قراءة الجملة مرة.

ثم مرتين.

ثم عشر مرات.

من كتبها؟

وكيف عرف؟

وهل كانت مجرد خدعة؟

أم أن هناك شخصًا يراقبه منذ البداية؟

في الخارج كانت أصوات المارة تتلاشى مع حلول الليل.

أما داخل الشقة فقد جلس محمود في الظلام ممسكًا بالورقة.

لأول مرة منذ سنوات لم يشعر بأنه الصياد.

بل شعر بأنه الفريسة.

وفي مكان ما داخل حي السيدة زينب…

كان شخص مجهول يراقب القاتل.

وينتظر خطوته التالية.

انتهى الجزء الأول

تعليقات

لا تعليقات حتى الآن. لماذا لا تبدأ النقاش؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *