
بداية القصة
اسمي أنس، وعمري سبعة عشر عامًا. لو أخبرني أحد قبل عام أنني سأعيش في منزل تتقاطع فيه طرق عالم الإنس وعالم الجن، وأنني سأكوّن صداقات لم أتخيلها يومًا، لكنت اعتبرت الأمر مجرد قصة خيالية. في ذلك الوقت كانت حياتي بسيطة وعادية؛ مدرسة في الصباح، واجبات دراسية في المساء، وبعض الوقت مع الأصدقاء أو أمام شاشة الحاسوب.
لكن كل شيء تغير عندما قرر والدي شراء منزل قديم على أطراف المدينة.
بدأ الأمر في إحدى أمسيات الصيف عندما عاد والدي إلى المنزل وعلى وجهه ملامح حماس لم أرها منذ فترة طويلة. جمعنا حول مائدة العشاء وقال إنه وجد منزلًا مناسبًا للعائلة، أكبر من شقتنا الحالية وأكثر راحة.
لم تكن أختي الصغيرة سارة مهتمة إلا بسؤال واحد:
“هل فيه حديقة؟”
ضحك والدي وأجاب:
“حديقة كبيرة جدًا.”
أما أمي فسألت عن السعر، وعندما أخبرها بدا عليها الاستغراب. كان المنزل أرخص من المتوقع بكثير.
لم أفكر في الأمر حينها، لكنني سأدرك لاحقًا أن بعض الصفقات الرخيصة تخفي وراءها أسرارًا كثيرة.
الوصول إلى المنزل القديم
بعد أسبوعين من الإجراءات والتجهيزات، وصلنا إلى منزلنا الجديد.
توقفت الشاحنة أمام سور حجري مرتفع تتسلقه نباتات كثيفة. خلف السور ظهر المنزل الكبير بواجهته الرمادية ونوافذه الطويلة وسقفه المائل.
نزلت من السيارة ببطء وأنا أتأمل المكان.
كان مختلفًا عن كل منزل رأيته من قبل.
لم يكن مهجورًا، لكنه بدا وكأنه يحمل تاريخًا طويلًا لا نعرف عنه شيئًا.
الأشجار العالية التي تحيط به جعلته يبدو معزولًا عن بقية العالم، وكأن له عالمه الخاص.
وقف والدي بجانبي وقال مبتسمًا:
“ما رأيك؟”
قلت بعد لحظة صمت:
“يشبه منزلًا من رواية غامضة.”
ضحكت سارة، لكن أمي ظلت تنظر إلى المنزل بصمت.
لاحظ والدي ذلك.
“هل هناك مشكلة؟”
هزت رأسها وقالت:
“لا أعلم… فقط أشعر أن المكان غريب.”
ابتسم والدي مطمئنًا:
“ستتغيرين رأيك عندما ترين الداخل.”
استكشاف المنزل الجديد
بمجرد دخولنا أدركت أن المنزل أكبر مما يبدو من الخارج.
كان هناك بهو واسع تتدلى من سقفه ثريا قديمة.
يتفرع منه ممران طويلان يقودان إلى عدة غرف.
أما السلم الخشبي الكبير فكان يمتد نحو الطابق الثاني في انحناءة جميلة.
بدأ العمال بنقل الأثاث، بينما انطلقت سارة تستكشف المكان بحماس.
أما أنا فقررت القيام بجولة خاصة.
دخلت غرفة الجلوس أولًا.
كانت واسعة وتطل على الحديقة.
ثم وجدت مكتبة فارغة تحتوي على رفوف خشبية تمتد من الأرض حتى السقف.
شعرت فورًا بأنها ستكون غرفتي المفضلة.
واصلت التجول بين الغرف.
كل زاوية في المنزل بدت وكأنها تخفي قصة قديمة.
حتى رائحة المكان كانت مختلفة.
مزيج من الخشب العتيق والكتب القديمة والهواء البارد.
ورغم جمال المنزل، لم يفارقني ذلك الشعور الغريب.
إحساس خفيف بأننا لسنا أول من يعيش هنا.
ولعلنا لسنا وحدنا أيضًا.
الغرفة المغلقة
أثناء تجولي في الطابق الثاني وصلت إلى نهاية ممر طويل.
هناك وجدت بابًا مختلفًا عن بقية الأبواب.
كان أقدم وأكثر سماكة.
ويبدو أنه لم يُفتح منذ سنوات.
أمسكت بالمقبض وحاولت فتحه.
لكنه لم يتحرك.
حاولت مرة أخرى دون جدوى.
في تلك اللحظة ظهر والدي خلفي.
قال مبتسمًا:
“وجدت الغرفة المغلقة.”
استدرت نحوه.
“ما قصتها؟”
اقترب من الباب ونظر إليه.
“لا أعرف الكثير عنها. المالك السابق قال إنها مجرد غرفة تخزين قديمة.”
لم أقتنع.
كان هناك شيء في ذلك الباب لا يشبه أبواب غرف التخزين العادية.
سألت:
“وأين المفتاح؟”
هز كتفيه.
“يبدو أنه ضاع منذ سنوات.”
لم أقل شيئًا، لكن فضولي استيقظ منذ تلك اللحظة.
شعرت أن هذا الباب سيصبح مهمًا في المستقبل.
أول مساء في المنزل الغامض
مع اقتراب الغروب انتهى العمال من عملهم.
بدأ المنزل يبدو مأهولًا بالحياة.
الأثاث في أماكنه.
والصناديق موزعة في الغرف.
ورائحة الطعام تملأ المطبخ.
جلسنا جميعًا لتناول أول عشاء لنا في المنزل الجديد.
كان والدي سعيدًا للغاية.
رفع كوب العصير وقال:
“إلى بدايتنا الجديدة.”
رفعنا أكوابنا معه.
حتى أمي بدت أكثر ارتياحًا.
أما أنا فكنت أراقب النوافذ الكبيرة التي بدأت الظلال تتجمع خلفها مع اختفاء الشمس.
لا أعرف لماذا، لكن المنزل بدا مختلفًا تمامًا بعد حلول الظلام.
كأنه ارتدى وجهًا آخر.
وجهًا لا يظهر إلا ليلًا.
أصوات في منتصف الليل
توجه الجميع إلى غرفهم مبكرًا بسبب التعب.
أما أنا فاستلقيت على سريري أحدق في السقف.
كانت غرفتي تطل على الحديقة الخلفية.
ومن نافذتي كنت أرى الأشجار تتحرك ببطء تحت ضوء القمر.
في البداية ظننت أنني سأغفو بسرعة.
لكن النوم لم يأتِ.
كان هناك شيء يزعجني.
صوت خافت.
ثم صوت آخر.
استمعت جيدًا.
كان أشبه بخطوات بعيدة.
تتحرك في مكان ما داخل المنزل.
جلست في السرير.
أنصت.
اختفى الصوت.
عدت للاستلقاء.
ثم عاد من جديد.
هذه المرة كان أوضح.
خطوات خفيفة جدًا.
كأن شخصًا يسير حافي القدمين فوق الأرضية الخشبية.
شعرت بقشعريرة خفيفة.
أقنعت نفسي بأن الأمر طبيعي.
المنزل قديم.
والمنازل القديمة تصدر أصواتًا كثيرة.
لكن شيئًا داخلي لم يقتنع بهذا التفسير.
مرّت عدة دقائق.
ثم سمعت ما بدا وكأنه ضحكة قصيرة.
خفيفة جدًا.
وسريعة جدًا.
حتى إنني شككت في أنني تخيلتها.
نهضت من السرير.
واتجهت نحو الباب.
وضعت أذني عليه.
كان الممر هادئًا.
هادئًا أكثر مما ينبغي.
عدت إلى سريري وأنا أحاول طرد الأفكار الغريبة من رأسي.
لكن النوم لم يعد بسهولة.
شعور بالمراقبة
في مرحلة ما من الليل استيقظت فجأة.
لم أعرف السبب.
لكنني شعرت أن هناك شيئًا غير طبيعي.
نظرت حول الغرفة.
كل شيء كان في مكانه.
المكتب.
الخزانة.
النافذة.
لكن الإحساس لم يختفِ.
كان إحساسًا غريبًا يصعب وصفه.
كأن أحدًا يراقبني.
ليس من داخل الغرفة.
بل من مكان قريب.
مكان لا أستطيع رؤيته.
بقيت مستيقظًا عدة دقائق.
أراقب الظلال.
وأستمع إلى الصمت.
ثم اختفى ذلك الشعور تدريجيًا.
وأخيرًا غلبني النعاس.
صباح اليوم التالي
استيقظت على أشعة الشمس المتسللة عبر النافذة.
بدا كل شيء طبيعيًا من جديد.
حتى أحداث الليل بدت أقل رعبًا تحت ضوء النهار.
نزلت إلى المطبخ حيث كانت أمي تعد الإفطار.
قالت مبتسمة:
“كيف كانت أول ليلة؟”
ترددت قليلًا.
ثم قلت:
“هل سمعتِ أي أصوات غريبة؟”
رفعت حاجبيها باستغراب.
“أي أصوات؟”
هززت رأسي.
“لا شيء.”
جلست إلى المائدة وأنا أنظر عبر النافذة نحو الحديقة.
كانت الطيور تغرد فوق الأشجار.
والشمس تملأ المكان بالدفء.
للحظة ظننت أن كل ما حدث كان مجرد أوهام صنعها التعب.
لكن في أعماقي بقي ذلك الشعور.
شعور بأن المنزل يخفي أسرارًا لم نكتشفها بعد.
وأن الأصوات التي سمعتها لم تكن من نسج خيالي.
لم أكن أعلم حينها أن تلك الليلة كانت مجرد البداية.
وأن الأيام القادمة ستقودني إلى اكتشاف عالم كامل يعيش إلى جوار عالمنا.
عالم لم أؤمن بوجوده يومًا.
عالم سيغير حياتي إلى الأبد.
لكن كل مغامرة عظيمة تبدأ بخطوة صغيرة.
ومغامرتي بدأت لحظة عبرت فيها باب ذلك المنزل القديم.
أيام هادئة تخفي شيئًا غريبًا
مرت الأيام الأولى في منزلنا الجديد بهدوء ظاهري.
استأنفت دراستي في المدرسة، وانشغل والدي بترتيب أمور المنزل وإصلاح بعض الأشياء البسيطة التي اكتشفها بعد انتقالنا. أما أمي فكانت تقضي معظم وقتها في تنظيم الغرف وترتيب الأثاث، بينما وجدت سارة في الحديقة الواسعة عالمًا خاصًا بها.
كل شيء بدا طبيعيًا.
على الأقل خلال النهار.
لكن ما إن يحل المساء حتى يعود ذلك الشعور الغريب الذي راودني منذ الليلة الأولى.
كنت أحيانًا أجد نفسي أحدق في نهاية الممر الطويل في الطابق الثاني دون سبب واضح.
وأحيانًا أخرى أشعر وكأن أحدًا يراقبني من مكان قريب.
لم يكن هناك دليل حقيقي على أي شيء.
مجرد إحساس.
لكن الإحساس نفسه كان يتكرر باستمرار.
وفي كل ليلة كنت أسمع أصواتًا خافتة داخل المنزل.
أصوات لا يسمعها أحد غيري.
أشياء تختفي ثم تعود
في البداية كانت الأمور بسيطة.
ذات صباح أمضيت عشر دقائق أبحث عن سماعاتي.
فتشت غرفتي كاملة.
بحثت فوق المكتب.
وتحت السرير.
وفي حقيبتي المدرسية.
لكنني لم أجدها.
استسلمت في النهاية ونزلت لتناول الإفطار.
وعندما عدت إلى غرفتي بعد نصف ساعة وجدتها فوق المكتب مباشرة.
في المكان الذي بحثت فيه أكثر من مرة.
ظننت أنني كنت مشتت الذهن.
لكن الأمر تكرر.
مرة مع كتاب.
ومرة مع ساعة يدي.
ومرة مع مفاتيح والدي.
وفي كل مرة كانت الأشياء تظهر مجددًا في أماكن بحثنا فيها سابقًا.
بدأت أمي تشتكي من الأمر.
قالت أثناء ترتيب المطبخ:
“أقسم أنني وضعت هذه الأكواب هنا.”
أجابها أبي ضاحكًا:
“ربما بدأ النسيان مبكرًا.”
رمقته بنظرة حادة.
أما أنا فلم أضحك.
لأنني كنت أتذكر الأصوات الليلية.
وكان جزء مني يربط بين الأمرين.
قطتنا لوزة تتصرف بغرابة
لم أكن الوحيد الذي لاحظ أن هناك شيئًا غير طبيعي في المنزل.
كانت لدينا قطة رمادية اسمها لوزة.
هادئة بطبعها.
تقضي معظم وقتها نائمة قرب النوافذ.
لكن منذ انتقالنا إلى المنزل الجديد بدأت تتصرف بطريقة غريبة.
كانت أحيانًا تحدق في زوايا فارغة لفترات طويلة.
وتتبع بعينيها شيئًا لا نستطيع رؤيته.
وفي إحدى الأمسيات كنت أجلس في غرفة الجلوس أقرأ كتابًا عندما انتفضت لوزة فجأة من مكانها.
ثبتت نظرها على الممر المؤدي إلى المطبخ.
ثم بدأت أذناها تتحركان وكأنها تسمع شيئًا.
راقبتها بصمت.
فجأة وقفت.
وأخذت تتبع شيئًا بعينيها عبر الممر.
كأن شخصًا غير مرئي يسير أمامها.
شعرت ببرودة تسري في ظهري.
ثم أطلقت لوزة مواءً قصيرًا.
وركضت مبتعدة بأقصى سرعتها.
أغلقت كتابي ببطء.
ونظرت نحو الممر.
كان فارغًا تمامًا.
لكن للمرة الأولى بدأت أشعر أنني لست وحدي من يلاحظ غرابة هذا المكان.
نافذة الطابق الثاني
بعد يومين من حادثة لوزة وقع أمر آخر.
كنت أجلس في الحديقة الخلفية مع سارة بعد انتهاء واجباتنا المدرسية.
كانت الشمس تميل نحو الغروب.
والهواء لطيفًا.
فجأة توقفت سارة عن الكلام.
وأشارت نحو المنزل.
قالت:
“أنس.”
نظرت إليها.
“ماذا؟”
أشارت إلى نافذة غرفتي.
“هل يوجد أحد هناك؟”
التفت بسرعة.
كانت نافذة غرفتي في الطابق الثاني واضحة من مكاننا.
حدقت فيها.
لكنني لم أر شيئًا.
قلت:
“لا أرى أحدًا.”
ترددت سارة قليلًا.
ثم قالت:
“كنت أظن أن هناك شخصًا يقف خلف الزجاج.”
ضحكت محاولًا التخفيف من توترها.
“ربما كان انعكاس الشمس.”
هزت كتفيها.
لكنها لم تبد مقتنعة.
والحقيقة أنني أنا أيضًا لم أكن مقتنعًا.
قرار البقاء مستيقظًا
في تلك الليلة اتخذت قرارًا.
سأبقى مستيقظًا مهما حدث.
إذا كانت هناك أصوات حقيقية داخل المنزل فسأعرف مصدرها.
أغلقت الأنوار.
واستلقيت فوق السرير متظاهرًا بالنوم.
وضعت هاتفي بجانبي.
وراقبت الساعة.
مرت ساعة كاملة.
ثم ساعة أخرى.
بدأ النعاس يهاجمني بقوة.
لكنني قاومته.
وعند الواحدة تقريبًا سمعت الصوت.
كان واضحًا هذه المرة.
خطوات.
في الممر.
فتحت عيني فورًا.
وبقيت ثابتًا في مكاني.
استمعت جيدًا.
خطوة.
ثم أخرى.
ثم ثالثة.
كانت خفيفة جدًا.
لكنها حقيقية.
حقيقية تمامًا.
نهضت ببطء.
وتقدمت نحو الباب.
أول مواجهة مع المجهول
وضعت يدي على المقبض.
وترددت.
لم أكن خائفًا فقط.
بل كنت أخشى أن أكتشف أن كل شكوكي صحيحة.
فتحت الباب ببطء.
صدر صرير خافت.
ونظرت إلى الممر.
كان فارغًا.
لا أحد.
تنفست ببطء.
وشعرت بشيء من الراحة.
لكن قبل أن أعود إلى غرفتي سمعت صوتًا خلفي.
استدرت بسرعة.
كان باب خزانتي مفتوحًا.
تجمدت في مكاني.
كنت متأكدًا أنني أغلقته قبل ساعات.
اقتربت منه بحذر.
ونظرت إلى الداخل.
لم يكن هناك شيء غريب.
مجرد ملابسي المعلقة كالمعتاد.
أغلقت الباب.
ثم سمعت فجأة صوت ركض سريع في الممر.
استدرت مرة أخرى.
وفي نهاية الممر البعيدة رأيت شيئًا.
مجرد لمحة.
ظل صغير.
تحرك بسرعة واختفى خلف الزاوية.
شعرت بأنفاسي تتسارع.
ركضت نحوه مباشرة.
وصلت إلى الزاوية.
لكن المكان كان فارغًا.
لا أحد.
ولا أي أثر لأي شخص.
البحث في أنحاء المنزل
لم أعد إلى غرفتي.
بل بدأت أفتش الطابق الثاني بأكمله.
فتحت كل الأبواب.
تفقدت الحمامات.
وغرف التخزين.
وحتى الشرفة الخارجية.
لكنني لم أجد شيئًا.
كان المنزل هادئًا تمامًا.
كأن الظل الذي رأيته لم يكن موجودًا أصلًا.
عدت إلى غرفتي بعد أكثر من نصف ساعة.
لكنني لم أنم.
كنت متأكدًا من شيء واحد.
لقد رأيت شخصًا.
أو شيئًا يشبه الشخص.
ولم يكن ذلك مجرد خيال.
حديث لم يقنع أحدًا
في صباح اليوم التالي قررت إخبار والدي.
استمع إليّ بصبر حتى انتهيت من الكلام.
ثم ابتسم ابتسامة هادئة.
وقال:
“أعتقد أن خيالك يعمل بشكل ممتاز.”
تنهدت.
“أبي، أنا رأيته بعيني.”
قال:
“الانتقال إلى منزل جديد يسبب التوتر أحيانًا.”
تدخلت أمي:
“ربما تحتاج إلى النوم أكثر.”
حتى سارة لم تبد مقتنعة هذه المرة.
شعرت بالإحباط.
لكنني لم أستطع لومهم.
لو كنت مكانهم ربما لما صدقت القصة أيضًا.
صوت في غرفة الطعام
مر يومان آخران.
ثم وقع الحادث الذي غير كل شيء.
استيقظت في منتصف الليل على صوت ارتطام قوي.
كأن شيئًا معدنيًا سقط على الأرض.
قفزت من سريري فورًا.
كان الصوت قادمًا من الطابق السفلي.
أمسكت بمصباحي اليدوي.
وخرجت إلى الممر.
كان المنزل غارقًا في الظلام.
نزلت الدرج ببطء.
وكل درجة كنت أنزلها كانت تزيد من توتري.
وصلت إلى الأسفل.
واستمعت.
في البداية لم أسمع شيئًا.
ثم جاء صوت آخر.
خفيف جدًا.
من جهة غرفة الطعام.
تقدمت نحو الباب.
كان مفتوحًا قليلًا.
ومن خلال الفتحة رأيت ضوء القمر يتسلل عبر النافذة.
أمسكت بالمقبض.
ودفعت الباب ببطء.
كانت الغرفة فارغة.
لكن شيئًا جذب انتباهي فورًا.
علبة البسكويت التي اشترتها أمي في الصباح كانت مفتوحة.
وتناثرت بعض القطع فوق الطاولة والأرض.
حدقت فيها باستغراب.
ثم سمعت حركة خفيفة في الطرف الآخر من الغرفة.
رفعت المصباح بسرعة.
لكنني لم أر شيئًا.
فقط الظلال.
والكراسي.
والستائر التي تتحرك ببطء.
ومع ذلك كنت متأكدًا.
كان هناك أحد ما هنا قبل لحظات.
اقتراب الحقيقة
بقيت واقفًا وسط الغرفة عدة دقائق.
أستمع إلى الصمت.
وأحاول فهم ما يحدث.
كانت الأدلة تتجمع أمامي قطعة بعد أخرى.
الأصوات.
الأشياء التي تختفي.
تصرفات لوزة.
الظل الذي رأيته في الممر.
والآن علبة البسكويت المفتوحة.
كلها تشير إلى حقيقة واحدة.
لم نكن وحدنا في هذا المنزل.
كان هناك شخص آخر يعيش هنا.
شخص يتحرك في الظلام.
ويراقبنا منذ وصولنا.
لكن السؤال الأكبر لم يكن من هو.
بل ماذا يريد.
لم أكن أعلم أن الليلة التالية ستحمل الإجابة.
وأنني سألتقي وجهًا لوجه بذلك الزائر الغامض الذي سيقلب حياتي رأسًا على عقب.
ليلة الحسم
لم أستطع التوقف عن التفكير فيما حدث في غرفة الطعام.
طوال اليوم التالي ظل المشهد يتكرر في ذهني.
علبة البسكويت المفتوحة.
القطع المتناثرة على الأرض.
ذلك الإحساس القوي بأن أحدًا كان موجودًا هناك قبل وصولي بلحظات.
حاولت التركيز في المدرسة، لكن عقلي كان يعود باستمرار إلى المنزل.
حتى عندما كنت أجلس مع أصدقائي أثناء الاستراحة، وجدت نفسي شارد الذهن.
كان هناك لغز ينتظر الحل.
ولأول مرة منذ انتقالنا إلى المنزل، شعرت أنني اقتربت منه.
عندما عدت إلى المنزل بعد انتهاء الدوام، اتخذت قرارًا نهائيًا.
لن أكتفي بسماع الأصوات أو مطاردة الظلال بعد الآن.
سأمسك بالمتسلل مهما كان.
خطة لكشف الحقيقة
بعد العشاء صعد الجميع إلى غرفهم كالمعتاد.
أما أنا فبدأت أجهز خطتي.
أحضرت هاتفي المحمول.
وضعت تطبيق التصوير في وضع التسجيل الطويل.
ثم أخفيت الهاتف فوق أحد الرفوف في غرفة الطعام بحيث يستطيع تصوير الطاولة كاملة.
إذا كان شخص ما يدخل إلى الغرفة ليلًا، فسوف يظهر في التسجيل.
كانت الخطة بسيطة.
لكنها فعالة.
للمرة الأولى شعرت أن لدي وسيلة حقيقية لمعرفة ما يجري.
عدت إلى غرفتي.
وألقيت نظرة أخيرة على الساعة.
كانت تشير إلى الحادية عشرة إلا عشر دقائق.
تنفست بعمق.
ثم بدأت الانتظار.
أصوات تعود من جديد
مر الوقت ببطء شديد.
كانت عقارب الساعة تتحرك وكأنها تتعمد استفزازي.
الحادية عشرة.
ثم الثانية عشرة.
ثم الثانية عشرة والنصف.
كل شيء هادئ.
حتى بدأت أشعر أنني بالغت في الأمر.
ربما لن يحدث شيء الليلة.
ربما كانت مجرد سلسلة مصادفات غريبة.
لكن عند الواحدة تقريبًا سمعت الصوت.
خطوات.
واضحة هذه المرة.
في الطابق السفلي.
جلست فورًا.
أصغيت جيدًا.
نعم.
كانت خطوات حقيقية.
ليست أصوات الخشب.
وليست أصوات الريح.
بل خطوات شخص يتحرك داخل المنزل.
نهضت من سريري بسرعة.
وأمسكت بالمصباح اليدوي.
ثم خرجت من الغرفة.
النزول إلى الطابق السفلي
كان الممر مظلمًا تمامًا.
والمنزل ساكنًا على نحو غريب.
شعرت وكأنني الوحيد المستيقظ في العالم.
نزلت السلالم ببطء.
محاولًا ألا أصدر أي صوت.
كل خطوة كانت تجعل قلبي ينبض أسرع.
عندما وصلت إلى الطابق السفلي رأيت أن باب غرفة الطعام مفتوح.
تسلل ضوء القمر عبر النافذة الكبيرة.
ورسم ظلالًا طويلة فوق الأرضية.
اقتربت أكثر.
ثم توقفت عند المدخل.
في البداية ظننت أنني أتخيل ما أراه.
لكنني لم أكن أتخيل.
كان هناك شخص يجلس فوق الطاولة.
بكل هدوء.
ويمسك قطعة بسكويت بين أصابعه.
ويأكلها.
تجمدت في مكاني.
أما هو فبدا منشغلًا بالطعام.
إلى أن رفع رأسه فجأة.
ورآني.
اللقاء الأول
اتسعت عيناه فورًا.
وتوقفت يده في الهواء.
حدق كل منا في الآخر.
وكأن الزمن توقف.
ثم صرخنا معًا:
“من أنت؟!”
قفز الفتى من فوق الطاولة بسرعة مذهلة.
وكادت علبة البسكويت تسقط أرضًا.
أما أنا فرفعت المصباح نحوه.
كان في مثل عمري تقريبًا.
شعره أسود كثيف.
وعيناه لامعتان بطريقة غريبة.
ويرتدي ملابس لم أرَ مثلها من قبل.
بدت قديمة وحديثة في الوقت نفسه.
قال وهو يحدق بي بصدمة:
“كيف استطعت رؤيتي؟”
رمشت عدة مرات.
“هذا سؤالي أنا!”
بدا مرتبكًا.
بل خائفًا.
وكأنه لم يتوقع أن يراه أحد.
ثم أشار نحوي بإصبعه.
وقال:
“أنت من البشر.”
أجبته باستغراب:
“طبعًا أنا من البشر!”
ازدادت حيرته.
وقال:
“لكن البشر لا يروننا.”
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
“يرونكم؟”
تردد للحظة.
ثم تمتم:
“يا للمشكلة…”
الهروب المستحيل
قبل أن أتمكن من طرح سؤال آخر، استدار الفتى فجأة.
وركض بأقصى سرعة نحو الجدار المقابل.
ركضت خلفه مباشرة.
لكن ما حدث بعد ذلك جعلني أتوقف فجأة.
وصل الفتى إلى الجدار.
وكان من المفترض أن يصطدم به.
لكنه اختفى.
ببساطة مر عبره.
كما لو كان دخانًا.
أو كما لو أن الجدار لم يكن موجودًا أصلًا.
وقفت أحدق في المكان غير مصدق.
اقتربت بحذر.
وضعت يدي على الجدار.
كان صلبًا.
باردًا.
وحقيقيًا.
لم يكن هناك باب.
ولا ممر سري.
ولا أي تفسير منطقي.
فقط جدار عادي.
لكن الفتى اختفى داخله أمام عيني.
الدليل القاطع
في صباح اليوم التالي فتحت تسجيل الهاتف.
كنت متوترًا إلى درجة أن يدي كانت ترتجف.
إذا ظهر شيء في الفيديو فسيتغير كل شيء.
بدأ التسجيل.
مرت عدة دقائق دون شيء مهم.
ثم ظهر.
الفتى نفسه.
خرج من زاوية الغرفة.
وتقدم نحو الطاولة.
ثم بدأ يأكل البسكويت.
بهدوء تام.
شعرت بالصدمة.
لأن التسجيل أكد ما رأيته.
لم يكن حلمًا.
ولم يكن خيالًا.
كان حقيقيًا.
حقيقيًا تمامًا.
أعدت مشاهدة الفيديو ثلاث مرات.
وفي كل مرة كنت أزداد يقينًا.
هناك شخص يعيش في المنزل.
شخص لا ينتمي إلى عائلتي.
ولا يبدو أنه إنسان عادي.
انتظار الليلة التالية
قضيت بقية اليوم أفكر.
هل أخبر والدي؟
أعرض عليهم التسجيل؟
أبحث عن تفسير على الإنترنت؟
في النهاية قررت شيئًا مختلفًا.
سأتحدث معه.
إذا عاد الليلة فسأمنعه من الهرب.
وسأعرف الحقيقة منه مباشرة.
حل المساء ببطء.
ثم نام الجميع.
أما أنا فجلست في غرفة الطعام منذ منتصف الليل.
أطفأت الأنوار.
واختبأت خلف أحد الأبواب.
أنتظر.
مرت ساعة كاملة.
ثم ساعة أخرى.
وبدأت أشك في أنه لن يأتي.
لكن عند الواحدة تقريبًا حدث شيء غريب.
تموج الهواء قرب الجدار.
كما لو أن سطح الماء اهتز للحظة.
ثم ظهر الفتى فجأة.
خرج من الجدار نفسه.
وكأنه يعبر بابًا غير مرئي.
حديث بين عالمين
قفزت من مكاني.
وأشعلت المصباح مباشرة.
تراجع الفتى خطوة إلى الخلف.
وقال بتوتر:
“أنت مجددًا!”
قلت بسرعة:
“لن أؤذيك.”
ظل مترددًا.
ثم سأل:
“ماذا تريد؟”
أجبته:
“الحقيقة.”
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم أشرت إلى أحد الكراسي.
“اجلس.”
نظر إليّ بحذر.
لكنه جلس في النهاية.
جلست أمامه.
وأخذ كل منا يراقب الآخر.
قال أولًا:
“اسمي سليم.”
أجبته:
“أنا أنس.”
هز رأسه.
ثم قال:
“حسنًا يا أنس… يبدو أننا نواجه مشكلة.”
ابتسمت رغم توتري.
“بالتأكيد.”
سر عالم الجن
بدأ سليم يشرح ما يحدث.
في البداية ظننته يمزح.
لكن كل كلمة قالها كانت تفسر الأحداث الغريبة التي عشناها.
قال إن هناك عالمًا آخر يعيش بمحاذاة عالم البشر.
عالم الجن.
وقال إن منزلي يحتوي على نقاط عبور نادرة تجعل المسافة بين العالمين أضعف من المعتاد.
لهذا السبب استطاع الوصول إلى هنا.
ولهذا السبب استطعت رؤيته.
حدقت فيه طويلًا.
ثم سألت السؤال الذي كان يدور في رأسي منذ البداية:
“هل أنت… من الجن؟”
أومأ بهدوء.
“نعم.”
للمفاجأة، لم أشعر بالخوف.
بل بالفضول.
كان يبدو طبيعيًا جدًا.
أقرب إلى فتى عادي من كونه مخلوقًا مخيفًا كما تصوره القصص.
مفاجأة أكبر
سألته:
“هل أنت من كان يصدر الأصوات في الليل؟”
ابتسم بخجل.
“بعضها.”
رفعت حاجبي.
“بعضها؟”
تنهد.
ثم قال:
“لست وحدي هنا.”
شعرت بأنفاسي تتباطأ.
“ماذا تقصد؟”
نظر نحوي مباشرة.
وقال:
“هناك عائلة كاملة تعيش في هذا المنزل.”
تجمدت في مكاني.
“عائلة؟”
“نعم.”
“من الجن؟”
أومأ برأسه.
ثم أضاف:
“ونحن نسكن هنا منذ سنوات طويلة.”
حاولت استيعاب الأمر.
عائلة كاملة.
تعيش معنا.
في المنزل نفسه.
منذ سنوات.
بداية الصداقة
ساد الصمت للحظات.
ثم قلت أخيرًا:
“إذن أنتم تعتقدون أننا اقتحمنا منزلكم.”
ابتسم سليم.
وقال:
“بصراحة… نعم.”
ضحكت رغم غرابة الموقف.
وفوجئت بأنه ضحك أيضًا.
لأول مرة منذ انتقالنا إلى المنزل، شعرت أن الخوف بدأ يختفي.
ويحل محله شيء آخر.
الفضول.
والرغبة في معرفة المزيد.
لم أكن أعلم أن هذا اللقاء سيكون بداية صداقة غير متوقعة.
ولا أن أفراد عائلة سليم سيصبحون جزءًا مهمًا من حياتنا.
ولم أكن أعلم أنني سألتقي قريبًا بفتاة ستغير عالمي كله.
فتاة من عالم الجن.
اسمها ريحانة.
ليلة لم تنتهِ كما توقعت
بعد أن أخبرني سليم بأنه من الجن، وأن عائلته تعيش في المنزل منذ سنوات طويلة، لم أعد أعرف ما الذي يجب أن أفكر فيه.
لو حدث هذا قبل أسبوع واحد فقط لكنت ضحكت واعتبرته مزحة سخيفة.
أما الآن فقد كنت أجلس أمام فتى خرج من جدار صلب أمام عيني مرتين، ورأيته مسجلًا في هاتفي، وأستمع إليه وهو يتحدث عن عالم الجن وكأنه يتحدث عن مدينة مجاورة.
كانت كل قواعد الواقع التي أعرفها تتفكك تدريجيًا.
نظر سليم إلى وجهي وقال:
“أنت لا تبدو خائفًا.”
فكرت قليلًا قبل أن أجيب.
“أعتقد أنني تجاوزت مرحلة الخوف.”
ابتسم.
“جيد.”
ثم أضاف:
“لأن ما سأقوله الآن أغرب بكثير.”
شعرت أن قلبي ينبض أسرع.
“أغرب من وجود الجن؟”
ضحك بخفة.
“بكثير.”
كيف يرى الجن البشر؟
جلسنا في غرفة الطعام لساعات.
وللمرة الأولى بدأت أفهم بعض الأمور التي لم أكن أتخيل وجودها.
أخبرني سليم أن عالم الجن ليس عالمًا منفصلًا بالكامل كما يعتقد الناس.
بل هو عالم متداخل مع عالم البشر.
نعيش في المكان نفسه تقريبًا، لكن بيننا حواجز لا نستطيع رؤيتها.
قال:
“معظم البشر لا يروننا.”
سألته:
“ولماذا أراك أنا؟”
تردد قليلًا.
ثم قال:
“هذا ما نحاول فهمه.”
بدت إجابته غريبة.
“ألا تعرف السبب؟”
هز رأسه.
“ليس تمامًا.”
ثم أكمل:
“هناك أماكن قليلة تضعف فيها الحدود بين العالمين. وهذا المنزل واحد منها.”
نظرت حولي.
الجدران القديمة.
النوافذ العالية.
الممرات الطويلة.
فجأة لم يعد المنزل يبدو مجرد منزل قديم.
بدأ يبدو كأنه يحمل سرًا أكبر بكثير.
اكتشاف الممر الخفي
في منتصف الحديث نهض سليم من مكانه.
وأشار إليّ أن أتبعه.
شعرت بالتردد.
لكن فضولي كان أقوى.
تبعته إلى الجدار الذي اختفى داخله سابقًا.
وقف أمامه.
ثم وضع يده على سطحه.
بدأت خطوط خافتة تظهر فوق الحجر.
خطوط لم أرها من قبل.
كانت تشكل أشكالًا هندسية معقدة.
بدت وكأنها تتوهج للحظات.
ثم اختفت.
قال سليم:
“هذا أحد الممرات.”
اقتربت بحذر.
“أين يقود؟”
أجاب:
“إلى الجزء الذي نعيش فيه.”
حدقت فيه.
“تقصد عالم الجن؟”
أومأ.
شعرت بالدهشة.
كان هناك عالم كامل خلف هذا الجدار طوال الوقت.
على بعد خطوات من غرفتنا.
وعشنا هنا أيامًا دون أن نعلم شيئًا.
سؤال عن عائلته
عدنا إلى الطاولة.
وبدأت أطرح عشرات الأسئلة.
كل إجابة كانت تفتح بابًا جديدًا من الفضول.
ثم خطر سؤال مهم في ذهني.
“إذا كانت عائلتك تعيش هنا… لماذا لم تظهروا من قبل؟”
ابتسم سليم.
“لأننا كنا نحاول تجنبكم.”
ضحكت.
“حقًا؟”
قال:
“بالنسبة لنا أنتم الغرباء الذين انتقلوا فجأة إلى المنزل.”
فكرت بالأمر للحظة.
ثم أدركت غرابة الموقف.
طوال الأيام الماضية كنت أظن أننا أصحاب المنزل وأن هناك مخلوقات غامضة تتسلل إليه.
بينما كانت عائلة سليم تعتقد أننا المتطفلون.
قال:
“أمي كانت تظن أنكم سترحلون بعد أيام.”
“وأبوك؟”
ابتسم.
“كان يراقبكم ويحاول معرفة إن كنتم خطرًا.”
لم أتمالك نفسي من الضحك.
كانت الصورة مضحكة فعلًا.
عائلتان تعيشان في المنزل نفسه.
كل واحدة تراقب الأخرى من بعيد.
وكل منهما تظن أنها المالكة الحقيقية للمكان.
أول خطأ كبير
بينما كنا نتحدث، سمعنا فجأة صوتًا من الطابق العلوي.
تجمد سليم في مكانه.
أما أنا فالتفت نحو السلالم.
ثم جاء صوت آخر.
كان صوت باب يُفتح.
همس سليم:
“أحدهم استيقظ.”
شعرت بالتوتر فورًا.
إذا نزل أحد أفراد عائلتي الآن فسيجدني جالسًا مع فتى غريب في منتصف الليل.
ولن أستطيع شرح الأمر بسهولة.
قال سليم بسرعة:
“يجب أن أذهب.”
نهض من مكانه.
لكن قبل أن يصل إلى الجدار، ظهر شخص عند أعلى السلم.
كانت سارة.
وقفت هناك للحظة.
ثم نظرت نحونا.
اتسعت عيناها.
وبقيت صامتة.
أما أنا وسليم فتجمدنا في مكاننا.
مرت ثوانٍ طويلة.
ثم قالت:
“أنس…”
أشرت إليها بعصبية.
“اهدئي.”
نظرت إلى سليم.
ثم إليّ.
ثم عادت لتنظر إلى سليم.
وأخيرًا قالت:
“إذن كنت تقول الحقيقة.”
سر ينكشف داخل العائلة
بعد نصف ساعة كنا نجلس جميعًا في غرفة الجلوس.
أنا.
وسارة.
وسليم.
لم يكن هناك فائدة من الإنكار.
لقد رأته بعينيها.
ورغم أنني توقعت أن تصرخ أو تركض لإيقاظ والدينا، فإن رد فعلها كان مختلفًا تمامًا.
كانت مندهشة.
ومتشوقة لمعرفة المزيد.
طرحت على سليم أسئلة أكثر مما طرحت أنا.
عن عالم الجن.
وعن حياتهم.
قدراتهم.
وعن سبب وجودهم هنا.
حتى إن سليم بدأ يضحك من كثرة الأسئلة.
قال:
“أنتم البشر فضوليون جدًا.”
ردت سارة فورًا:
“وأنت تأكل البسكويت الذي اشترته أمي.”
ضحكنا جميعًا.
ولأول مرة بدا الوضع طبيعيًا بشكل غريب.
كأن وجود جني داخل المنزل أمر عادي.
القرار الصعب
عندما اقترب الفجر بدأ سليم يستعد للمغادرة.
لكن قبل أن يرحل سألته:
“هل ستخبر عائلتك عنا؟”
فكر قليلًا.
ثم قال:
“لا أستطيع إخفاء الأمر.”
تنهدت.
“وأنا أيضًا.”
ساد الصمت للحظات.
كنا ندرك جميعًا أن المرحلة القادمة ستكون مختلفة.
لم يعد السر مقتصرًا على شخصين.
الآن أصبحت هناك عائلتان.
عائلة بشرية.
وعائلة من الجن.
وكلتاهما تعرف بوجود الأخرى.
قال سليم:
“أعتقد أن والدي لن يكون سعيدًا.”
ابتسمت.
“وأعتقد أن أمي ستُغمى عليها.”
ضحكنا مرة أخرى.
لكن خلف الضحك كان هناك توتر حقيقي.
لم نكن نعرف كيف ستكون ردة فعل الكبار.
صباح مليء بالمفاجآت
في صباح اليوم التالي بالكاد استطعت التركيز.
كنت أراقب والدي وأمي أثناء الإفطار.
وأتساءل كيف سأشرح لهما الأمر.
لكنني لم أحتج إلى فعل ذلك.
لأن المفاجأة جاءت من جهة أخرى.
عندما عدت من المدرسة بعد الظهر وجدت سليم ينتظرني قرب الجدار السري.
بدا متوترًا.
قلت:
“ما الأمر؟”
أجاب:
“أبي يريد مقابلتك.”
توقفت في مكاني.
“ماذا؟”
“اليوم.”
شعرت بأن معدتي انقبضت.
مقابلة والد سليم لم تكن ضمن خططي.
خصوصًا إذا كان لا يثق بالبشر.
سألته:
“هل هو غاضب؟”
ابتسم ابتسامة صغيرة.
“هذا يعتمد على ما ستقوله.”
لم يكن ذلك الجواب مطمئنًا أبدًا.
خطوة نحو المجهول
وقفت أمام الجدار السري.
أحدق في الأحجار القديمة.
وأفكر في كل ما حدث خلال الأيام الماضية.
انتقلنا إلى منزل جديد.
سمعت أصواتًا غريبة.
طاردت ظلالًا مجهولة.
ثم اكتشفت وجود فتى من الجن يعيش هنا.
والآن أنا على وشك مقابلة عائلته.
عائلة كاملة من الجن.
تنفست بعمق.
ثم نظرت إلى سليم.
قال مبتسمًا:
“هل أنت مستعد؟”
أجبته:
“لا.”
ضحك.
“ممتاز. أنا أيضًا لست مستعدًا.”
ثم وضع يده على الجدار.
وبدأت الخطوط المتوهجة تظهر من جديد.
شيئًا فشيئًا.
حتى بدأ الممر السري ينفتح أمامنا.
وفي تلك اللحظة أدركت أنني أقف على عتبة عالم جديد بالكامل.
عالم لم أكن أحلم بوجوده.
وعالم سيقودني قريبًا إلى أشخاص سيصبحون جزءًا من حياتي…
ومن بينهم فتاة لم أكن أعرف أن اسمها سيبقى عالقًا في قلبي طويلًا.
فتاة تدعى ريحانة.
- فندق العودة: الفندق الغامض الذي يعيد الشباب | ملفات ما وراء الطبيعة
- قصص ما وراء الطبيعة: الرجل الذي يختفي من الصور
- قصص ما وراء الطبيعة: الرجل الذي لا يعرف الهزيمة وقوة خارقة تخفي سرًا مرعبًا
- عالم الأحلام | البوابة السوداء التي فتحت طريقًا إلى عقول البشر
- وريث الإمبراطورية المنسية: الهاتف الذي فتح بوابة عالم آخر الفصل 2
