سلسلة العوالم المخفية

القصة الأولى: خلف الجدار الأبيض
(قصة خيالية بحتة، مستوحاة من أساطير وخرافات قديمة حول القارة الجنوبية، لا تمثل حقائق علمية)
كانت الرياح في محطة “فوستوك” البحثية تعوي كوحش جائع، تضرب جدران المبنى المعدني بعنف يكاد يقتلع المسامير من مكانها. كانت درجة الحرارة في الخارج قد هبطت إلى واحد وستين درجة تحت الصفر، رقم اعتاد عليه فريق البعثة بعد ثمانية أشهر من العزلة التامة في قلب القارة القطبية الجنوبية، لكن عواء الريح تلك الليلة كان يحمل نبرة مختلفة، وكأن الطبيعة نفسها تحاول أن تحذّرهم من شيء ما.
الدكتورة ليلى حسني، عالمة الجيولوجيا الجليدية التي أمضت خمسة عشر عامًا في دراسة طبقات الجليد القطبي، كانت تراجع بيانات الحفر للمرة العاشرة تلك الليلة، غير مصدقة ما تراه أمامها على الشاشة. أزالت نظارتها، فركت عينيها المتعبتين، ثم أعادت ارتداءها لتتأكد أن ما تراه ليس نتيجة إرهاق أو خلل في جهاز الاستشعار.
منذ ثلاثة أسابيع، بدأ فريقها البحثي حفر عينة جليدية جديدة على عمق غير مسبوق، ضمن مشروع دولي لدراسة تغير المناخ عبر العصور الجليدية الماضية. كانت المهمة روتينية في جوهرها: استخراج أعمدة جليدية تحمل فقاعات هواء محبوسة منذ آلاف السنين، لتحليل تركيبة الغلاف الجوي القديم. لكن بدل الوصول إلى الصخر الأساسي كما توقعوا عند عمق ثلاثة كيلومترات، اصطدم المثقاب بشيء صلب بشكل مفاجئ، شيء ذو بنية منتظمة تمامًا، لا يشبه أي تكوين جيولوجي طبيعي رصدته الأبحاث السابقة في المنطقة بأكملها.
نادت ليلى على زميلها البروفيسور كريم راشد، رئيس البعثة، رجل في الخمسينيات من عمره قضى حياته المهنية بين القطبين الشمالي والجنوبي، ونادرًا ما كان يُفاجأ بأي اكتشاف علمي. لكن حين وقف خلفها ونظر إلى الشاشة، تغيرت ملامح وجهه بشكل واضح.
قالت ليلى، وصوتها يحمل مزيجًا من الحماس والقلق: “هذا ليس صخرًا يا كريم. البنية الداخلية للعينة تُظهر أنماطًا متكررة، طبقات متوازية بدقة هندسية، وكأنها… مبنية.”
نظر كريم إلى الشاشة بقلق متزايد، وهو يحرك إصبعه على شاشة اللمس ليكبّر الصورة أكثر، ثم قال بصوت متردد: “ربما تكون بقايا تكوين بركاني قديم تجمد بطريقة غير معتادة؟”
هزت ليلى رأسها رافضة بحزم: “البراكين لا تترك أنماطًا هندسية متناظرة بهذه الدقة يا كريم. انظر إلى زوايا التقاطع هنا، وهنا. هذا يشبه… جدارًا. جدارًا حقيقيًا مبنيًا بأيدٍ، أو بشيء يمتلك ذكاءً كافيًا للبناء.”
ساد صمت طويل في الغرفة الصغيرة المكتظة بالأجهزة، يقطعه فقط صوت مولد الكهرباء الخارجي وعواء الريح المستمر. أخيرًا، قرر كريم إرسال روبوت استكشافي صغير، مزود بكاميرات عالية الدقة وأجهزة استشعار حرارية، إلى داخل فتحة الحفر العميقة التي وصلت إليها المعدات.
استغرق الأمر ساعات من الانتظار المتوتر، حيث تجمع كل أعضاء البعثة الاثني عشر حول الشاشة الرئيسية في الغرفة المشتركة، يتابعون بصمت تقدم الروبوت عبر النفق الضيق. وأخيرًا، وصلت أول الصور الحية. كانت مروعة وباهرة في آن واحد: نفق طبيعي هائل يمتد تحت الجليد لمسافات غير معروفة، جدرانه أملس بشكل غريب، وكأن شيئًا نحته بعناية فائقة عبر آلاف السنين. وفي نهاية النفق الظاهرة على الشاشة، ما بدا وكأنه بوابة حجرية ضخمة، ارتفاعها يقارب عشرة أمتار، منحوتة برموز غريبة لا تشبه أي حضارة معروفة في التاريخ الإنساني المسجل، لا المصرية القديمة، ولا السومرية، ولا حتى حضارات أمريكا اللاتينية القديمة التي عرفتها ليلى جيدًا من خلال دراستها الجانبية للآثار.
أرسل الفريق تقريرهم الأولي إلى الجهات الممولة للبعثة في اليوم التالي، متوقعين ردًا حماسيًا يليق بحجم الاكتشاف. لكن ما حدث كان معاكسًا تمامًا لكل توقعاتهم: وصلت خلال ساعات قليلة تعليمات صارمة وغير معتادة بوقف الحفر فورًا، وإرسال كل البيانات والصور المسجلة إلى جهة حكومية غير محددة الهوية، مع تحذير واضح وصريح بعدم مشاركة أي معلومات مع الصحافة أو الجمهور تحت طائلة المساءلة القانونية.
شعرت ليلى بغضب شديد يغلي في صدرها، وقالت لكريم وهي تمسك بالرسالة المطبوعة بيد مرتجفة: “لماذا يريدون إخفاء هذا؟ هذا اكتشاف قد يغير فهمنا للتاريخ الإنساني بأكمله، وربما فهمنا لمكاننا في هذا الكون! لماذا كل هذا التكتم المفاجئ؟”
أجابها كريم بصوت هادئ لكنه مضطرب بوضوح، وهو يجلس على الكرسي المقابل لها: “في مسيرتي المهنية الطويلة يا ليلى، رأيت مرتين فقط حالات مشابهة من التكتم الحكومي المفاجئ على اكتشافات علمية. كلاهما كان مرتبطًا بشيء أكبر من مجرد سرية عسكرية عادية. ربما لأن بعض الاكتشافات لا تُخفى لأنها كاذبة أو غير مهمة، بل لأنها خطيرة جدًا لدرجة أن الحقيقة نفسها قد تشكل تهديدًا لفهمنا المستقر للعالم.”
في تلك الليلة، وبينما كانت المحطة تغرق في عاصفة ثلجية شديدة غير متوقعة حتى بمعايير القطب الجنوبي القاسية، حدث ما لم يتوقعه أحد من أعضاء البعثة: انقطعت كل الاتصالات مع العالم الخارجي فجأة وبشكل كامل، الأقمار الصناعية، الراديو، كل شيء. وفي الوقت نفسه تقريبًا، بدأت أجهزة القياس الزلزالي الحساسة المنتشرة حول المحطة تسجل اهتزازات غريبة، منتظمة، متكررة بفواصل زمنية شبه ثابتة، وكأنها نبضات قادمة من عمق الأرض نفسها، لا تشبه أي نشاط زلزالي طبيعي معروف.
جلس فريق البعثة بأكمله في اجتماع طارئ تلك الليلة، والخوف بادٍ على معظم الوجوه. اقترح بعض الأعضاء الأصغر سنًا الانتظار حتى تعود الاتصالات وطلب التعليمات الرسمية، لكن ليلى، مدفوعة بفضول علمي لا يمكن كبحه وشعور متنامٍ بأن هذا الاكتشاف قد يكون أهم من أي اعتبار مهني أو بيروقراطي، اقترحت النزول بأنفسهم إلى النفق لاستكشافه عن قرب، رغم كل التحذيرات الرسمية التي وصلتهم.
بعد نقاش طويل ومتوتر، وافق كريم على مضض، واختير معهما اثنان من فريق الأمن المرافق للبعثة، رجلان يحملان خبرة في الاستكشاف تحت الأرض: عمر، شاب في الثلاثينيات كان قد عمل سابقًا في استكشاف الكهوف الجليدية في جرينلاند، وسارة، ضابطة أمن سابقة تحولت للعمل في الدعم اللوجستي للبعثات العلمية.
استغرقت الرحلة داخل النفق الجليدي أكثر من أربع ساعات متواصلة، سيرًا على الأقدام مع معدات تسلق خفيفة وأجهزة إضاءة قوية. لاحظ الفريق بأكمله ظاهرة غريبة تتصاعد كلما تعمقوا أكثر في النفق: الهواء يزداد دفئًا تدريجيًا، بشكل يتناقض تمامًا مع كل ما تعرفه العلوم الجيولوجية عن طبقات الأرض المتجمدة في تلك المنطقة القطبية، حيث يفترض أن تنخفض الحرارة أكثر كلما اقتربوا من قلب الجليد القاري القديم، لا العكس.
قالت سارة بصوت متوتر وهي تتحقق من مقياس الحرارة المثبت على معصمها: “درجة الحرارة هنا الآن أعلى من الخارج بعشرين درجة كاملة. هذا مستحيل جيولوجيًا.”
عند وصولهم أخيرًا إلى البوابة الحجرية الضخمة التي رصدها الروبوت سابقًا، وجدوا أنها ليست جدارًا مغلقًا كما بدت في الصور الأولى، بل مدخلًا انفتح جزئيًا بمقدار متر ونصف تقريبًا، وكأن شيئًا أو أحدًا فتحه من الداخل مؤخرًا جدًا، ربما في الساعات القليلة الماضية فقط، إذ لاحظت ليلى غبارًا حجريًا حديثًا لا يزال متناثرًا على الأرض عند حافة الفتحة.
تبادل الفريق نظرات قلقة صامتة، ثم قرر كريم أن يتقدم أولًا، وتبعته ليلى، ثم عمر وسارة في المؤخرة يحملان أسلحة الطوارئ الخفيفة المخصصة أصلًا لمواجهة الحيوانات القطبية النادرة.
تسلل الفريق عبر الفتحة الضيقة، ليجدوا أنفسهم فجأة في مشهد يفوق كل تصور علمي أو منطقي كان لديهم: كهف طبيعي هائل الاتساع، يمتد لمئات الأمتار في كل اتجاه، مضاء بضوء أخضر خافت لكنه كافٍ للرؤية، مصدره كائنات نباتية متوهجة غريبة الشكل تنمو بكثافة على جدران الكهف وسقفه، تشبه الأشنات المضيئة لكن بحجم أكبر بكثير من أي نوع معروف على سطح الأرض. ودرجة الحرارة هناك كانت معتدلة تمامًا، أقرب لمناخ ربيعي، وكأن الفريق قد انتقل فجأة عبر بوابة إلى مناخ مختلف تمامًا عن القطب الجنوبي المتجمد الذي يعلوهم على بعد كيلومترات قليلة فقط.
وفي عمق الكهف الواسع، رأى الفريق آثار مبانٍ حجرية متآكلة جزئيًا بفعل الزمن، لكنها لا تزال قائمة بشكل ملحوظ، تحمل نقوشًا دقيقة لحضارة لم يرها أو يوثقها أحد من قبل في أي سجل تاريخي معروف: رسومات لكائنات إنسانية الشكل تقريبًا، لكن بأطراف طويلة نحيلة بشكل غير طبيعي مقارنة بجسم الإنسان المعتاد، تقف في تشكيلات جماعية بجانب رموز فلكية دقيقة للغاية تصور خريطة نجمية مختلفة تمامًا عن سماء الأرض المعروفة حاليًا، وكأنها رُسمت في حقبة زمنية سحيقة تغيرت فيها مواقع النجوم بشكل ملحوظ عبر آلاف أو ملايين السنين.
همس كريم بصوت مرتجف واضح، وهو يمرر يده بحذر شديد فوق إحدى النقوش الحجرية القديمة: “ليلى… انظري إلى طبقات التآكل حول هذه النقوش، وقارنيها بمعدل التآكل المعروف لهذا النوع من الصخور الجيرية. هذا يشير إلى عمر يتجاوز مئة ألف سنة على الأقل، ربما أكثر بكثير.”
كانت ليلى تحاول التقاط صور بكاميرتها المحمولة بيد ترتجف قليلًا من الإثارة الممزوجة بالخوف، حين سمع الفريق بأكمله صوتًا واضحًا يقطع صمت الكهف: خطوات بطيئة، ثقيلة نسبيًا لكن منتظمة الإيقاع، تقترب تدريجيًا من عمق الكهف باتجاههم، مصحوبة بضوء أزرق خافت يتراقص بشكل متموج على الجدران البعيدة، مختلف تمامًا عن الضوء الأخضر الثابت للنباتات المتوهجة المحيطة بهم.
توقف الجميع في أماكنهم فورًا، متجمدين بين الرهبة الشديدة والخوف الغريزي، رفع عمر وسارة أسلحتهما بحذر شديد دون توتير الزناد، بينما تمسكت ليلى بذراع كريم بقوة لا إرادية.
من عمق الظلام النسبي في الجهة المقابلة من الكهف، ظهرت تدريجيًا هيئة طويلة نحيلة بشكل ملحوظ، يبلغ طولها التقديري أكثر من مترين ونصف، ذات عينين كبيرتين نسبيًا تعكسان الضوء الأخضر المحيط بشكل يشبه انعكاس عيون بعض الحيوانات الليلية، تقترب ببطء شديد ومدروس نحو الفريق المذهول والمرتجف في آن واحد.
لم يكن هذا الكائن عدائيًا في حركته أو لغة جسده الظاهرة، بل بدا وكأنه يراقب الفريق بفضول هادئ يقارب فضولهم هم أنفسهم، بعد ما بدا أنه قرون طويلة، ربما آلاف السنين، من العزلة التامة عن أي تواصل خارجي. توقف الكائن على مسافة تقارب عشرة أمتار من الفريق، ثم مال رأسه الطويل قليلًا إلى جانب، بحركة تشبه إلى حد بعيد فضول الأطفال حين يرون شيئًا جديدًا كليًا عليهم.
توقفت ليلى عن التنفس تقريبًا للحظات طويلة، وهي تدرك بعمق أن هذا اللقاء، مهما كانت نتيجته النهائية، قد يكون بداية شيء أكبر بكثير من أي اكتشاف علمي عرفته البشرية من قبل في تاريخها المسجل بأكمله. شعرت في تلك اللحظة بمزيج غريب من الرهبة العلمية الخالصة والخوف الإنساني الفطري، وهي تتساءل بصمت إن كانت البشرية مستعدة فعلًا لمواجهة حقيقة قد تقلب كل ما تعتقد أنها تعرفه عن تاريخها ومكانها الحقيقي في هذا الكون الواسع.
نظر كريم إليها بصمت، وكأنه يقرأ نفس الفكرة في عينيها، بينما ظل الكائن الغريب واقفًا على مسافته الآمنة، ينتظر، وكأنه يمنحهم الوقت الكافي لاتخاذ قرارهم التالي: التقدم نحو المجهول الكامل، أم التراجع بحثًا عن مأمن مؤقت في عالم لم يعد بريئًا كما كان قبل ساعات قليلة فقط.
اقراء ايضا …..
