
مقتطف من القصه
“كابتن بحري بخبرة ثلاثين عامًا يصادف جزيرة لا وجود لها في أي خريطة، حيث تتوقف البوصلة عن العمل ويتوقف الزمن عن الانتظام. حين يكتشف طاقمه أن الشاطئ الذي وصلوا منه قد اختفى، يدركون أنهم ليسوا وحدهم من يعرف سر هذه الجزيرة المتنقلة.”
(قصة خيالية بحتة من وحي أساطير البحارة القديمة، لا تمثل حقائق علمية)
كان الكابتن يوسف الشامي قد أمضى أكثر من ثلاثين عامًا في البحر، منذ أن كان صبيًا يافعًا يعمل على متن سفن الصيد التقليدية في سواحل عُمان، وصولًا إلى قيادته الحالية لسفينة أبحاث بحرية صغيرة تابعة لمركز دراسات علمي مستقل. كان يفخر دائمًا بمعرفته الدقيقة لكل بقعة في بحر العرب والمحيط الهندي المحيط بها، حتى تلك الليلة التي غيّرت كل يقينه.
كانت السفينة “أم القرى” تبحر في مهمة روتينية لجمع عينات مياه لدراسة تغيرات درجة حرارة المحيط، على بعد نحو مئتي ميل بحري جنوب شرق سواحل عُمان، في منطقة يعرفها يوسف جيدًا، بحارًا عميقًا مفتوحًا، لا جزر فيه على مدى مئات الأميال وفق كل الخرائط البحرية الرسمية التي راجعها آلاف المرات عبر مسيرته المهنية.
في تلك الليلة، وبينما كان يوسف يراقب شاشة الرادار في غرفة القيادة أثناء نوبته الليلية، لاحظ ظهور نقطة صغيرة على الشاشة، في موقع لم يسبق أن رصد فيه أي شيء من قبل. ظن للحظة أنها سفينة أخرى أو حطام عائم، لكن حين رفع نظره إلى الأفق عبر النافذة الأمامية، رأى بأم عينه ما بدا وكأنه كتلة أرضية داكنة تلوح في الظلام، حيث لا يجب أن تكون هناك يابسة إطلاقًا.
نادى يوسف على مساعده الشاب، البحّار سالم، وطلب منه التحقق من الأمر. راجع سالم الخرائط الرقمية المحدثة على الحاسوب المحمول، وقال بحيرة واضحة: “يا كابتن، الخريطة لا تُظهر أي شيء هنا. حتى صور الأقمار الصناعية المخزنة على النظام لا تُظهر أي يابسة في هذا الموقع بالتحديد.”
قرر يوسف، مدفوعًا بفضول بحّار قديم لا يقاوم أمام لغز بحري حقيقي، تغيير مسار السفينة قليلًا للاقتراب من تلك الكتلة الغامضة. مع اقتراب السفينة تدريجيًا، بدأت تفاصيل الجزيرة تتضح أكثر تحت ضوء القمر الخافت: شاطئ رملي أبيض ناصع، وخلفه كثافة من الأشجار الاستوائية الخضراء الداكنة، وكأنها جزيرة طبيعية تمامًا لا يشوبها أي غموض ظاهري.
لكن حين اقتربت السفينة أكثر، بدأت أجهزة الملاحة تتصرف بشكل غريب تمامًا: البوصلة بدأت تدور بشكل عشوائي دون استقرار على اتجاه ثابت، وتوقف نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) عن العمل تمامًا، معلنًا خطأ في الإشارة رغم أن السماء كانت صافية تمامًا من أي عوائق قد تفسر ذلك.
قال سالم بصوت يحمل قلقًا متزايدًا: “يا كابتن، ربما يجب أن نتراجع. شيء هنا غير طبيعي بالمرة.”
لكن يوسف، الذي كان قد سمع في شبابه حكايات قديمة من كبار البحارة العُمانيين عن “جزر لا تُرى إلا لمن يستحق رؤيتها”، حكايات كان يظنها خرافات بحرية تقليدية لا أساس علمي لها، شعر برغبة قوية في التحقق بنفسه. قرر إرسال قارب صغير مع ثلاثة من الطاقم، بمن فيهم هو شخصيًا وسالم، للاقتراب من الشاطئ واستكشافه عن قرب، تاركًا باقي الطاقم على متن السفينة الأم في حالة تأهب.
عند الاقتراب من الشاطئ، لاحظ يوسف أمرًا غريبًا آخر: لم تكن هناك أي طيور تحلق فوق الجزيرة، رغم أن المنطقة المحيطة بأكملها كانت معروفة بكثافة الطيور البحرية المهاجرة في هذا الموسم من السنة تحديدًا. كان الصمت التام يخيم على المكان بأكمله، صمت غير طبيعي حتى بالنسبة لجزيرة نائية غير مأهولة.
بمجرد أن لامست أقدامهم الرمال البيضاء الناعمة، شعر يوسف بإحساس غريب يصعب وصفه: وكأن الزمن نفسه تباطأ قليلًا، أو ربما تسارع، لم يكن متأكدًا تمامًا من الفرق. نظر إلى ساعته اليدوية، فوجد أن عقاربها تتحرك بشكل طبيعي ظاهريًا، لكن حين قارنها بساعة سالم، وجد فارقًا غريبًا يقارب سبع دقائق بينهما، رغم أنهما ضبطا ساعتيهما معًا قبل مغادرة السفينة بساعات قليلة فقط.
تقدم الفريق الصغير داخل الغابة الاستوائية الكثيفة، ولاحظوا تدريجيًا أن النباتات المحيطة بهم لا تشبه تمامًا أي نوع نباتي مألوف لهم، رغم تشابهها السطحي مع النباتات الاستوائية المعتادة. كانت الأوراق تحمل أنماطًا هندسية دقيقة بشكل غير طبيعي، وألوانًا تميل قليلًا نحو درجات أرجوانية خفيفة لم يعتد يوسف رؤيتها في أي غابة استوائية طبيعية زارها من قبل.
وصل الفريق إلى منطقة مكشوفة وسط الغابة، حيث وجدوا ما أذهلهم تمامًا: دائرة حجرية كبيرة، تتكون من أعمدة حجرية منتصبة بارتفاع يقارب المترين، مرتبة بدقة هندسية مذهلة تشبه إلى حد كبير آثار حجرية قديمة معروفة في مناطق أخرى من العالم، لكن بتصميم فريد لم يره أي منهم من قبل، تحمل الأعمدة نقوشًا دقيقة تبدو وكأنها خرائط فلكية أو تقويمات زمنية معقدة.
قال سالم بصوت متهدج وهو يلمس أحد الأعمدة بحذر: “يا كابتن، هذا المكان… لا يبدو مهجورًا تمامًا. انظر، لا يوجد غبار أو طحالب تراكمت على الحجارة كما نتوقع من مكان قديم مهجور. وكأن أحدًا يعتني بهذا المكان.”
بينما كان الفريق يتفحص النقوش الحجرية بدهشة متصاعدة، لاحظ يوسف تغيرًا مفاجئًا في الإضاءة المحيطة: بدأت السماء فوق الجزيرة، رغم صفائها الظاهري، تكتسب توهجًا خافتًا غريبًا يشبه ألوان الشفق القطبي، رغم أنهم كانوا في منطقة استوائية بعيدة كل البعد عن القطبين. توقف الفريق بأكمله، مندهشين من هذا المشهد السماوي غير المعتاد إطلاقًا في هذا الموقع الجغرافي.
في تلك اللحظة بالتحديد، بدأ صوت غريب يتصاعد من الأعماق، أشبه بطنين منخفض التردد يتردد عبر الأرض نفسها تحت أقدامهم، متزامنًا بشكل غريب مع تصاعد التوهجات اللونية في السماء. شعر يوسف بدوار خفيف مفاجئ، وشعر وكأن المشهد من حوله يهتز قليلًا، أشبه بموجة حرارة تشوه الرؤية في يوم صيفي حار للغاية.
صرخ سالم فجأة، مشيرًا نحو حافة الغابة القريبة: “الشاطئ! يا كابتن، الشاطئ اختفى!”
استدار يوسف بسرعة، ليجد أن المكان الذي أتوا منه، حيث تركوا قاربهم الصغير على الرمال البيضاء، لم يعد موجودًا؛ بدلًا من الشاطئ، امتدت الغابة الكثيفة في كل الاتجاهات المرئية، وكأن الجزيرة بأكملها قد أعادت ترتيب نفسها جغرافيًا خلال دقائق معدودة فقط.
في تلك اللحظة، تذكر يوسف حكايات جده القديمة عن “الجزر المتنقلة”، الحكايات التي كان يرويها له في طفولته كقصص تحذيرية للبحارة، عن أماكن لا تخضع لقوانين الجغرافيا المعتادة، تظهر وتختفي وفق دورات زمنية غامضة، وتُقال إنها نقاط تقاطع نادرة بين عالمنا وأبعاد أخرى موازية، لا يمكن الوصول إليها أو مغادرتها إلا في لحظات محددة للغاية يصعب التنبؤ بها.
بدأ الفريق الصغير بالتراجع بحذر شديد نحو الاتجاه الذي ظنوا أنه يقودهم للشاطئ، وسط توتر متصاعد وشعور عميق بفقدان الاتجاه رغم استخدامهم لأجهزة تحديد الاتجاه اليدوية الاحتياطية، التي بدأت هي الأخرى تتصرف بشكل غير منطقي تمامًا.
وفجأة، وبينما كانوا يشقون طريقهم عبر كثافة الأشجار الغريبة، توقف يوسف فجأة، محدقًا في مساحة فارغة بين الأشجار، حيث بدأ الهواء نفسه يتموج بشكل مرئي، أشبه بستارة شفافة تتلألأ بألوان الشفق التي رأوها سابقًا في السماء. من خلف هذا التموج الغريب، بدأت تتضح ملامح مشهد آخر تمامًا، مختلف كليًا عن الغابة المحيطة بهم: مدينة ساحلية غريبة، بمبانٍ ذات تصميم معماري لم يره يوسف في أي حضارة بشرية معروفة، تحت سماء تحمل لونًا أرجوانيًا طبيعيًا، وكأنها نافذة حقيقية تطل على عالم آخر بأكمله.
وقف الفريق الصغير مشدوهًا أمام هذا المشهد المذهل، مدركين أنهم ربما يقفون الآن أمام أول اتصال حقيقي موثق مع عالم موازٍ لعالمهم، عبر بوابة طبيعية نادرة تظهر وتختفي وفق قوانين لا يفهمها أحد بعد، تاركين للقارئ التساؤل: هل سيقرر يوسف وفريقه اجتياز تلك البوابة الغامضة نحو المجهول الكامل، أم أن الحذر سيدفعهم للبحث عن طريق عودة آمن إلى عالمهم المألوف، قبل أن تُغلق النافذة الغريبة وتعيد الجزيرة نفسها إلى الاختفاء الذي عُرفت به عبر القرون؟
اقراء ايضا …..
