
رحلة خلف الجدار الجليدي – الجزء الأول
مقدمة: كيف بدأت رحلتي إلى ما وراء العالم المعروف؟
اسمي عبد الرحمن بن يحيى البغدادي، وقد ولدت في بغداد خلال العصر العباسي، في زمن كانت فيه مدينتنا أعظم مدن الأرض وأكثرها علمًا وثروة. كانت القوافل تصل إليها من الصين والهند وبلاد الروم، وكان العلماء يتناقشون في المساجد والقصور حول أسرار الكون والنجوم والبحار.
لكن رغم كل ما عرفه الناس في ذلك الزمان، كنت أشعر دائمًا أن هناك شيئًا مجهولًا لم تكتشفه البشرية بعد.
لم أكن أعلم أن القدر سيقودني إلى رحلة تتجاوز حدود الخرائط، وتكشف لي أسرارًا لم يسمع بها أحد من قبل.
اكتشاف الخريطة الغامضة في بغداد
بدأت القصة في أحد أيام الشتاء عندما كنت أتجول بين دكاكين الوراقين في بغداد.
كنت أبحث عن مخطوطات نادرة تتحدث عن الرحلات القديمة، فقد كنت مولعًا بقصص المستكشفين والبحارة.
وفي زاوية مهملة داخل متجر صغير لفت انتباهي صندوق خشبي قديم مغطى بالغبار.
سألت التاجر عنه.
ابتسم وقال:
“لا أحد يهتم بما فيه، يمكنك أخذه بثمن زهيد.”
فتحت الصندوق لأجد عشرات الأوراق البالية، لكن شيئًا واحدًا جذب انتباهي.
كانت خريطة مرسومة على جلد قديم.
عندما فردتها على الطاولة شعرت بالدهشة.
كانت الخريطة تُظهر العالم المعروف في ذلك العصر، لكن عند أقصى الشمال ظهر رسم هائل لجدار أبيض يمتد عبر الأفق.
وفوقه عبارة مكتوبة بخط قديم:
“وراء الجدار الجليدي تبدأ الأراضي المنسية.”
سر الجدار الجليدي في المخطوطات القديمة
عدت إلى منزلي وأنا أحمل الخريطة.
قضيت أسابيع أبحث في مكتبات بغداد الكبرى.
راجعت كتب الجغرافيا والرحلات.
قرأت مؤلفات العلماء والبحارة.
لكن المفاجأة أنني وجدت إشارات متفرقة إلى الجدار الجليدي في أكثر من مصدر.
إحدى المخطوطات تحدثت عن بحارة ضلوا طريقهم شمالًا حتى رأوا جدارًا من الجليد يلامس السماء.
ومخطوطة أخرى ذكرت وجود أراضٍ خصبة خلفه.
لكن جميع الروايات كانت تنتهي بالطريقة نفسها.
لم يعد أحد ممن حاولوا تجاوزه.
كلما قرأت أكثر ازداد فضولي.
بدأت أشعر أن الخريطة ليست مجرد أسطورة.
قرار الرحلة إلى أقصى الشمال
في إحدى الليالي جلست أتأمل الخريطة تحت ضوء المصباح.
كنت أعلم أن ما أفكر فيه قد يبدو جنونًا.
لكن فكرة اكتشاف المجهول سيطرت على عقلي بالكامل.
قررت أن أنطلق بنفسي.
بعت جزءًا من ممتلكاتي لتمويل الرحلة.
واشتريت المؤن والمعدات.
كما استعنت بأربعة رجال اشتهروا بالشجاعة والخبرة في السفر.
كان من بينهم:
- سالم البحار.
- يوسف الدليل.
- حسان الرامي.
- محمود الحداد.
عندما أخبرتهم عن وجهتنا نظروا إليّ باستغراب.
لكن الذهب الذي دفعته أقنعهم بالمشاركة.
وهكذا بدأت رحلتنا نحو المجهول.
عبور الأراضي البعيدة
غادرنا بغداد مع بداية الربيع.
في الأسابيع الأولى كانت الرحلة سهلة نسبيًا.
عبرنا القرى والمدن المأهولة.
ثم بدأنا ندخل مناطق لم يزرها إلا القليل من الناس.
كلما اتجهنا شمالًا أصبحت الطبيعة أكثر قسوة.
الغابات أصبحت أكثر كثافة.
والطرق اختفت تدريجيًا.
وفي بعض الليالي كنا نسمع أصواتًا غريبة قادمة من أعماق الأشجار.
لكننا واصلنا التقدم.
مر شهران.
ثم ثلاثة.
ثم ستة أشهر كاملة.
وبدأت المؤن تنفد.
أولى الإشارات إلى العالم المفقود
بعد مرور قرابة عام على انطلاقنا وصلنا إلى قرية صغيرة تقع في أقصى الشمال.
كان سكانها يختلفون عن أي شعب رأيته من قبل.
بشرتهم شاحبة بسبب البرد.
ويرتدون ملابس مصنوعة من فراء الحيوانات.
استقبلنا شيخ القرية بحذر.
وعندما رأى الخريطة تغير وجهه.
قال بصوت منخفض:
“من أين حصلت على هذه؟”
أخبرته بالقصة.
فأطرق رأسه للحظات.
ثم قال:
“سمعت عنها من جدي.”
تسارعت نبضات قلبي.
تابع الشيخ حديثه:
“هناك بالفعل جدار من الجليد.”
“لكن لا تذهبوا إليه.”
سألته عن السبب.
فنظر نحوي بعينين مليئتين بالخوف.
وقال:
“لأن من يعبره لا يعود.”
الوصول إلى الجدار الجليدي
رغم تحذير الشيخ واصلنا رحلتنا.
وبعد أسابيع طويلة بدأت درجات الحرارة تنخفض بشكل غير مسبوق.
تحولت الأرض إلى طبقات من الثلج.
وأصبحت الرياح أشبه بسكاكين تقطع الوجوه.
ثم جاء اليوم الذي لن أنساه ما حييت.
كنا نسير فوق هضبة جليدية مرتفعة عندما توقف يوسف فجأة.
وأشار إلى الأفق.
رفعت رأسي.
وشعرت أن الزمن توقف.
كان هناك جدار هائل من الجليد.
لم يكن جبلًا.
ولم يكن سلسلة من المرتفعات.
بل جدارًا حقيقيًا يمتد من الشرق إلى الغرب بلا نهاية.
كان أعلى من أي بناء رأيته في حياتي.
وتنعكس عليه أشعة الشمس كأنه مصنوع من الألماس.
وقف الرجال مذهولين.
أما أنا فشعرت بأنني أقف أمام حدود العالم.
البحث عن طريق للعبور
أقمنا معسكرًا قرب الجدار.
وقضينا أيامًا طويلة نبحث عن ممر يسمح لنا بالعبور.
لكن الجدار بدا مستحيل الاختراق.
وفي اليوم السابع اكتشف سالم شيئًا غريبًا.
شقًا ضيقًا بين الكتل الجليدية.
اقتربنا منه بحذر.
كان يشبه نفقًا طبيعيًا يمتد داخل الجدار.
شعرت بالإثارة والخوف في آن واحد.
ربما كان هذا هو الطريق الذي بحثنا عنه طوال تلك الشهور.
لكن أحدًا لم يكن يعلم إلى أين يقود.
النفق الجليدي المظلم
في صباح اليوم التالي دخلنا النفق.
كانت جدرانه تتلألأ بألوان زرقاء غريبة.
وكل خطوة كنا نخطوها كانت تُحدث صدى عميقًا.
استمر السير لساعات طويلة.
ثم لاحظنا شيئًا غير طبيعي.
بدأ الهواء يصبح أكثر دفئًا.
نظر الرجال إلى بعضهم بدهشة.
كيف يمكن أن ترتفع الحرارة داخل جدار من الجليد؟
كلما تقدمنا أكثر ازداد الدفء.
حتى اختفى الجليد تدريجيًا.
ثم رأينا ضوءًا في نهاية النفق.
الصدمة خلف الجدار الجليدي
خرجنا من النفق ونحن نتوقع رؤية مزيد من الثلوج.
لكن ما رأيناه جعلنا نعجز عن الكلام.
أمامنا امتدت سهول خضراء لا نهاية لها.
أنهار واسعة تتدفق بين الحقول.
غابات ضخمة تغطي الأفق.
طيور ملونة تحلق في السماء.
ومناخ دافئ يشبه ربيع بغداد.
وقفت مذهولًا.
كيف يمكن أن يوجد هذا العالم خلف جدار من الجليد؟
لكن المفاجأة لم تنتهِ.
فعلى مسافة بعيدة رأينا شيئًا آخر.
أبراجًا شاهقة تلمع تحت أشعة الشمس.
مدينة ضخمة.
مدينة لم تظهر على أي خريطة عرفها البشر.
وفي تلك اللحظة أدركت أن رحلتنا الحقيقية بدأت الآن فقط.
وأن الأسرار التي تنتظرنا خلف الجدار الجليدي ستغير فهمنا للعالم إلى الأبد.
الفصل الثاني: مملكة الشمس الخفية
وقفت أنا ورفاقي فوق التلة المطلة على السهول الخضراء خلف الجدار الجليدي.
لم يكن أحد منا قادرًا على الكلام.
قبل ساعات فقط كنا نسير وسط الثلوج والعواصف.
أما الآن فكنا ننظر إلى عالم يشبه الجنة.
أنهار واسعة تتلألأ تحت الشمس.
غابات كثيفة تمتد حتى الأفق.
وأراضٍ خصبة لا نهاية لها.
لكن أكثر ما أثار دهشتي كان تلك الأبراج البعيدة التي رأيناها في الأفق.
كانت شاهقة بشكل لا يشبه أي بناء رأيته في بغداد أو أي مدينة أخرى.
شعرت أنني أمام اكتشاف سيغير تاريخ العالم.
الطريق نحو المدينة المجهولة
قررنا التوجه نحو الأبراج.
استغرق السير يومين كاملين.
وخلال الرحلة لاحظنا أمورًا غريبة.
كانت الأشجار أكبر من المعتاد.
وبعض الثمار التي وجدناها لم نرَ مثلها من قبل.
أما الحيوانات فبدت أكثر ألفة من حيوانات عالمنا.
حتى الطيور كانت ذات ألوان زاهية لم أرها في حياتي.
كل شيء هنا بدا مختلفًا.
وكأننا دخلنا أرضًا لم تمسها يد الزمن.
وفي مساء اليوم الثاني وصلنا إلى ضفة نهر عظيم.
كان أعرض من دجلة في بعض مناطقه.
ومياهه صافية إلى درجة أننا كنا نرى الأسماك تسبح في الأعماق.
قال سالم وهو ينظر حوله بدهشة:
“لو رأى أهل بغداد هذا المكان لما صدقوا أعينهم.”
أجبته وأنا أراقب الأبراج البعيدة:
“ما زلنا لم نرَ شيئًا بعد.”
اللقاء الأول بسكان ما وراء الجدار الجليدي
في صباح اليوم التالي حدث ما لم نتوقعه.
بينما كنا نعبر أحد المروج الواسعة ظهر أمامنا عشرة فرسان.
كانوا يمتطون حيوانات تشبه الخيول لكنها أكبر حجمًا وأكثر قوة.
أحاطوا بنا بسرعة.
أمسك حسان بقوسه.
لكنني طلبت منه التوقف.
لم يظهر على الفرسان أي عداء.
كانوا يرتدون دروعًا فضية لامعة.
وتزين خوذاتهم رموز ذهبية غريبة.
تقدم قائدهم نحونا.
كان طويل القامة وله شعر أشقر طويل.
تحدث بلغة لم نفهمها.
نظرنا إليه بصمت.
ثم حدث أمر مذهل.
أعاد كلامه بلغة عربية مكسرة.
وقال:
“أنتم… من خلف الجدار؟”
تبادلنا النظرات بدهشة.
كيف يعرف العربية؟
وكيف يعرف بوجود عالمنا أصلًا؟
أسرار اللغة القديمة
بعد ساعات من الحديث فهمنا جزءًا من الحقيقة.
أخبرنا القائد أن شعبه يحتفظ بمخطوطات قديمة تتحدث عن تجار ورحالة عبروا الجدار قبل قرون طويلة.
وقد نقلوا معهم بعض الكلمات والعلوم.
لذلك بقيت آثار من اللغة العربية معروفة لدى علمائهم.
شعرت بالذهول.
فهذا يعني أن التواصل بين العالمين حدث في الماضي.
لكن لسبب مجهول انقطع منذ زمن بعيد.
عندما أخبرته أنني من بغداد تغيرت ملامحه.
وقال:
“مدينة الحكمة.”
عندها أدركت أن أخبار حضارتنا وصلت إلى هذا العالم بطريقة ما.
دخول مملكة الشمس الخفية
اصطحبنا الفرسان إلى مدينتهم.
كلما اقتربنا منها ازدادت دهشتنا.
كانت أسوارها أعلى من أسوار بغداد.
وأبوابها مصنوعة من معدن ذهبي لامع.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت داخل المدينة.
الشوارع واسعة ونظيفة.
القنوات المائية تمر بين الأحياء.
والحدائق تنتشر في كل مكان.
أما المباني فكانت مزينة بأحجار براقة تعكس ضوء الشمس بطريقة مذهلة.
لم أرَ في حياتي مدينة بهذه الروعة.
كان عدد سكانها كبيرًا.
لكن ما لفت انتباهي أن الجميع كانوا ينظرون إلينا بدهشة.
واضح أنهم لم يشاهدوا غرباء قادمين من خلف الجدار من قبل.
لقاء الملك أوريان
بعد ساعات من وصولنا نُقلنا إلى القصر الملكي.
كان القصر أشبه بمدينة مستقلة.
يتكون من عدة أبراج ضخمة وحدائق واسعة.
وفي القاعة الرئيسية قابلنا الملك.
كان يُدعى أوريان.
رجل في الخمسين من عمره تقريبًا.
له لحية قصيرة وعينان حادتان.
استقبلنا باحترام كبير.
ثم طلب مني أن أقص عليه رحلتنا كاملة.
استمع باهتمام شديد.
وعندما انتهيت بقي صامتًا للحظات.
ثم قال:
“لقد انتظرنا وصول شخص من عالمكم منذ سنوات طويلة.”
شعرت بالدهشة.
سألته:
“لماذا؟”
تنهد الملك.
ثم أجاب:
“لأن الخطر عاد من جديد.”
الثروات التي تفوق الخيال
قبل أن يشرح قصده، أمر الملك بمرافقتنا في جولة داخل المدينة.
خلال الجولة رأيت أشياء يصعب تصديقها.
جبال كاملة من المعادن الثمينة.
ورش ضخمة لصناعة أدوات متطورة.
ومخازن مليئة بالأحجار الكريمة.
لكن أكثر ما أثار دهشتي كان وجود أنهار صغيرة تجري داخل بعض المناجم.
وعلى ضفافها كانت توجد قطع ذهبية ظاهرة على سطح الأرض.
في بغداد كان العثور على قطعة ذهب واحدة حدثًا مهمًا.
أما هنا فبدا الذهب كأنه حجر عادي.
سألته:
“كيف لم تصبحوا أغنى مملكة في العالم؟”
ابتسم وقال:
“لأننا معزولون عن العالم.”
المكتبة الأعظم في هذا العالم
قادني الملك إلى مكان قال إنه أثمن من الذهب.
كانت مكتبة ضخمة.
أكبر من أي مكتبة رأيتها في حياتي.
احتوت آلاف المخطوطات.
بعضها يعود إلى آلاف السنين.
بدأت أتصفح الكتب بسرعة.
وكانت المفاجأة أن بعضها تحدث عن حضارات سبقت التاريخ المعروف.
وحروب وقعت قبل آلاف السنين.
وأمم اندثرت بالكامل.
شعرت أنني أقف أمام كنز معرفي لا يقدر بثمن.
لكن شيئًا واحدًا تكرر في معظم المخطوطات.
اسم غامض.
“الظلال الشمالية.”
الحقيقة المخيفة وراء الجدار
في تلك الليلة دعاني الملك إلى اجتماع خاص.
جلسنا وحدنا داخل غرفة صغيرة.
ثم وضع أمامي خريطة قديمة.
وأشار إلى منطقة تقع شمال مملكته.
وقال:
“هناك يعيش أعداؤنا.”
سألته:
“من هم؟”
أجاب بصوت منخفض:
“الظلال الشمالية.”
ثم أوضح أنهم شعب محارب يمتلك قوة هائلة.
وكانت بينهم وبين مملكة الشمس حروب طويلة عبر التاريخ.
لكنهم اختفوا منذ عقود.
فظن الجميع أنهم انقرضوا.
ثم أضاف:
“منذ أشهر بدأوا يعودون.”
شعرت أن الأمر أخطر مما توقعت.
الهجوم المفاجئ
بينما كنا نتحدث دوى صوت بوق ضخم في أنحاء القصر.
قفز الحراس من أماكنهم.
وسمعت صرخات قادمة من الخارج.
ركض الملك نحو الشرفة.
وتبعته بسرعة.
وعندما نظرت إلى السهول المحيطة بالمدينة شعرت بالرعب.
في الأفق ظهرت آلاف المشاعل المشتعلة.
كانت تتحرك كبحر من النار.
جيش كامل يتقدم نحو المدينة.
جيش الظلال الشمالية.
ساد الذعر بين السكان.
أما الملك فبقي ينظر إلى المشهد بصمت.
ثم التفت نحوي وقال:
“يبدو أن وصولك لم يكن مصادفة يا عبد الرحمن.”
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
فقد أدركت أن رحلتي لم تعد مجرد استكشاف لأرض مجهولة.
لقد أصبحت جزءًا من حرب قديمة ستحدد مصير هذا العالم كله.
وفي تلك اللحظة بدأت طبول المعركة تُسمع من خلف الأسوار.
وعرفت أن الأيام القادمة ستكون الأخطر في حياتي.
الفصل الثالث: سر الجدار العظيم وحرب العالمين
وقفت فوق أسوار مملكة الشمس الخفية وأنا أحدق في الأفق المشتعل.
آلاف المشاعل كانت تتحرك في الظلام كأنها نهر من النار.
جيش الظلال الشمالية وصل أخيرًا.
وفي تلك اللحظة أدركت أن الرحلة التي بدأت بخريطة قديمة في أحد أسواق بغداد أصبحت معركة قد تحدد مصير عالم كامل.
كان الجنود يركضون فوق الأسوار.
والأبواق تدوي في أرجاء المدينة.
أما الملك أوريان فبقي واقفًا بجانبي يراقب المشهد بصمت.
ثم قال:
“لقد عادوا أسرع مما توقعنا.”
سألته:
“هل تستطيعون هزيمتهم؟”
نظر نحوي للحظات.
ثم أجاب:
“إذا كانت هذه قواتهم كلها فربما.”
صمت قليلًا قبل أن يضيف:
“لكنني أخشى أن يكونوا يبحثون عن الشيء نفسه الذي تبحث عنه أنت.”
بداية الحرب الكبرى
مع شروق الشمس بدأت المعركة.
تقدمت جيوش الظلال الشمالية نحو المدينة.
كانت أعدادهم هائلة.
يرتدون دروعًا سوداء قاتمة.
وتعلو راياتهم رموز لم أفهم معناها.
أمر الملك بإغلاق البوابات.
واصطف الرماة فوق الأسوار.
ثم بدأت السماء تمتلئ بالسهام.
لم أشهد حربًا بهذا الحجم من قبل.
في بغداد سمعت كثيرًا عن المعارك الكبرى.
لكن ما رأيته هنا تجاوز كل ما تخيلته.
استمرت المواجهة ساعات طويلة.
وكان الطرفان يتكبدان خسائر كبيرة.
لكن شيئًا غريبًا حدث مع اقتراب المساء.
تراجعت قوات الظلال الشمالية فجأة.
وكأنها حققت هدفها.
أو كأنها كانت تنتظر شيئًا أكبر.
المخطوطة السرية للملوك
في تلك الليلة استدعاني الملك أوريان إلى غرفة سرية أسفل القصر.
نزلنا عبر ممرات قديمة لم يرها معظم سكان المدينة.
حتى وصلنا إلى باب حجري ضخم.
عندما فُتح الباب ظهرت قاعة مليئة بالمخطوطات القديمة.
اقترب الملك من صندوق ذهبي موضوع في منتصف القاعة.
وأخرج منه لفافة جلدية ضخمة.
قال:
“حان الوقت لتعرف الحقيقة.”
فتح المخطوطة أمامي.
كانت تحتوي على رسومات قديمة للجدار الجليدي.
لكن المفاجأة أن الجدار لم يكن حاجزًا طبيعيًا كما ظننت.
بل كان بناءً هائلًا شُيّد منذ آلاف السنين.
سألته بدهشة:
“من الذي بناه؟”
تنهد الملك.
ثم قال:
“أجدادنا وأجدادكم معًا.”
سر العالمين المنفصلين
بدأ الملك يشرح ما حدث قبل آلاف السنين.
قال إن هذه الأراضي لم تكن معزولة في الماضي.
بل كانت جزءًا من عالم واحد مترابط.
كانت الحضارات تتبادل التجارة والعلم.
وكان الناس يسافرون بحرية بين الشرق والغرب والشمال والجنوب.
لكن مع مرور الزمن ظهرت قوة خطيرة.
إمبراطورية محاربة عُرفت باسم إمبراطورية الظلال.
امتلكت جيوشًا ضخمة وسعت للسيطرة على العالم بأسره.
اندلعت حروب مدمرة استمرت لعقود طويلة.
ومع اقتراب الهزيمة اتخذ الحكماء قرارًا مصيريًا.
بناء الجدار العظيم.
حاجز يفصل الأراضي الآمنة عن مناطق الحرب.
ويمنع الظلال من الوصول إلى بقية العالم.
نجحت الخطة.
لكن الثمن كان باهظًا.
فقد انقسم العالم إلى قسمين.
ومع مرور القرون نسي الجميع الحقيقة.
حتى أصبحت مجرد أسطورة.
الخريطة التي يبحث عنها الجميع
بعد ذلك أخرج الملك خريطة أخرى.
كانت أقدم من كل ما رأيته سابقًا.
وأشار إلى علامة حمراء تقع في أقصى الشمال.
وقال:
“هنا يكمن السر الحقيقي.”
سألته:
“أي سر؟”
فأجاب:
“مصدر القوة التي بنت الجدار.”
شعرت بالذهول.
تابع حديثه:
“إذا وقعت هذه القوة في يد الظلال الشمالية فسينهار الجدار.”
ثم أضاف:
“وسينفتح الطريق بين العالمين من جديد.”
فهمت أخيرًا سبب الهجوم.
لم يكونوا يريدون المدينة.
بل كانوا يبحثون عن هذه القوة القديمة.
الرحلة إلى وادي النجوم
في صباح اليوم التالي غادرت المدينة برفقة مجموعة من المحاربين.
كان هدفنا الوصول إلى المكان المحدد على الخريطة قبل جيش الظلال.
استمرت الرحلة أيامًا طويلة.
عبرنا أنهارًا هائلة.
وغابات لم تمسها يد البشر.
وجبالًا شاهقة تلامس السحاب.
وخلال الطريق اكتشفت المزيد من عجائب هذا العالم.
رأيت أشجارًا عملاقة يبلغ ارتفاعها عشرات الأمتار.
وبحيرات زرقاء تلمع ليلًا وكأنها مليئة بالنجوم.
وحيوانات لم تُسجل في أي كتاب عرفته البشرية.
لكن الخطر كان يقترب أيضًا.
فقد كانت دوريات الظلال تظهر في كل مكان.
وكأنهم يتتبعون خطانا.
الوصول إلى المدينة الذهبية
بعد أسبوع كامل وصلنا إلى وادٍ واسع تحيط به الجبال من كل الجهات.
وفي وسطه ظهرت مدينة مذهلة.
مدينة مصنوعة من حجر ذهبي لامع.
كانت أقدم من مملكة الشمس بكثير.
وأكثر فخامة أيضًا.
قال قائد المحاربين:
“هذه مدينة الحكماء.”
شعرت أنني أقف أمام أعظم اكتشاف في حياتي.
لكن المدينة كانت مهجورة.
لا سكان.
ولا حراس.
ولا أي أثر للحياة.
فقط الصمت.
وكأن الزمن توقف فيها منذ آلاف السنين.
اكتشاف قلب الجدار العظيم
في مركز المدينة وجدنا مبنى دائريًا ضخمًا.
دخلناه بحذر.
وفي أعماقه رأينا شيئًا لا يصدق.
كرة عملاقة من الضوء الأزرق.
كانت معلقة في الهواء.
وتنبض بطاقة هائلة.
شعرت بحرارة غريبة تسري في جسدي.
قال أحد المحاربين:
“هذا هو قلب الجدار العظيم.”
كانت هذه الطاقة هي التي تحافظ على الحاجز الجليدي منذ آلاف السنين.
لكن قبل أن نتمكن من الاقتراب أكثر سمعنا أصواتًا خلفنا.
التفتنا بسرعة.
وكانوا هناك.
جيش الظلال الشمالية.
لقد وصلوا.
المعركة الأخيرة
اندلعت أعنف معركة شهدتها حياتي.
امتلأت المدينة الذهبية بصوت السيوف وصيحات المحاربين.
كان القتال شرسًا.
وسقط الكثير من الرجال من الجانبين.
وفي خضم الفوضى تمكن قائد الظلال من الوصول إلى قلب الجدار.
رفع سيفه محاولًا تحطيمه.
لكنني اندفعت نحوه بكل ما أملك من قوة.
واشتبكت معه للمرة الأولى.
استمرت المواجهة دقائق بدت كأنها ساعات.
ثم تمكنت أخيرًا من إسقاط سيفه.
وفي اللحظة نفسها أطلقت الكرة الزرقاء موجة هائلة من الضوء.
اجتاحت المدينة كلها.
وأجبرت جيش الظلال على التراجع.
نهاية الرحلة وبداية الأسطورة
بعد انتهاء المعركة عاد السلام إلى الأراضي خلف الجدار.
وتمكنت مملكة الشمس من النجاة.
أما أنا فقد وقفت على قمة أحد الجبال أنظر نحو الجنوب.
نحو العالم الذي جئت منه.
عرض علي الملك أوريان البقاء.
بل منحني مكانة كبيرة بين شعبه.
لكنني كنت أعلم أن مهمتي لم تنتهِ.
كان عليّ العودة إلى بغداد.
كان عليّ أن أكتب كل ما رأيته.
وأن أسجل حقيقة العالم المخفي خلف الجدار الجليدي.
لكنني كنت أعلم أيضًا أن كثيرين لن يصدقوني.
سيقولون إنها أسطورة.
أو خيال رحالة عجوز.
وربما كانوا محقين.
فبعض الأسرار أعظم من أن يصدقها الناس.
عدت بعد سنوات طويلة إلى بغداد.
ومعي خرائط ومخطوطات وذكريات لا تقدر بثمن.
أما الطريق إلى ما وراء الجدار الجليدي فقد أخفيته بعناية.
ليس خوفًا على نفسي.
بل خوفًا على ذلك العالم الجميل من جشع البشر.
وحتى اليوم، كلما نظرت إلى السماء ليلًا، أتذكر الأنهار اللامعة والمدن الذهبية والحضارات المجهولة التي اكتشفتها خلف الجدار العظيم.
وأتساءل…
هل سيأتي يوم يعبر فيه شخص آخر ذلك الطريق؟
نهاية الرواية
- فندق العودة: الفندق الغامض الذي يعيد الشباب | ملفات ما وراء الطبيعة
- قصص ما وراء الطبيعة: الرجل الذي يختفي من الصور
- قصص ما وراء الطبيعة: الرجل الذي لا يعرف الهزيمة وقوة خارقة تخفي سرًا مرعبًا
- عالم الأحلام | البوابة السوداء التي فتحت طريقًا إلى عقول البشر
- وريث الإمبراطورية المنسية: الهاتف الذي فتح بوابة عالم آخر الفصل 2
