
الرسالة التي غيرت حياتي
اسمي سالم، وكنت أعتقد أن حياتي عادية مثل حياة أي شاب آخر.
أعمل مصورًا وأقضي معظم وقتي في البحث عن الأماكن القديمة والمهجورة لالتقاط صور نادرة. لم أكن أؤمن بالقصص التي يتحدث عنها الناس حول الجن والعوالم الخفية، وكنت دائمًا أعتبرها حكايات مبالغًا فيها.
لكن كل شيء تغير في ليلة واحدة.
كنت أجلس أمام حاسوبي أراجع بعض الصور عندما وصلتني رسالة من حساب مجهول.
لم يكن هناك اسم.
ولا صورة.
ولا أي معلومات.
فقط جملة واحدة:
“إذا أردت معرفة الحقيقة وراء اختفاء والدك، اذهب إلى المنزل المهجور عند أطراف الوادي قبل منتصف الليل.”
تجمدت يدي فوق لوحة المفاتيح.
والدي.
ذلك الاسم وحده كان كافيًا لإعادة سنوات من الأسئلة التي لم أجد لها إجابة.
اختفى والدي عندما كنت في العاشرة من عمري.
خرج ذات مساء ولم يعد أبدًا.
بحثت عنه الشرطة لأسابيع طويلة.
لكنهم لم يجدوا أي أثر.
وكأن الأرض ابتلعته.
لم تستطع أمي تجاوز تلك الحادثة أبدًا، أما أنا فقد كبرت وأنا أحمل فراغًا لا أعرف كيف أملؤه.
حدقت في الرسالة طويلًا.
ثم اتخذت القرار الذي غيّر حياتي.
ذهبت.
المنزل المهجور
وصلت إلى أطراف الوادي قبل منتصف الليل بدقائق.
كان المنزل يقف وحيدًا وسط الصحراء، كهيكل عظمي نسيه الزمن.
الجدران متشققة.
والنوافذ مكسورة.
والرياح تعبر من خلاله مطلقة أصواتًا تشبه الأنين.
أوقفت سيارتي على مسافة قريبة.
وأخذت مصباحًا يدويًا.
ثم دخلت.
في البداية لم يكن هناك شيء غريب.
فقط الغبار والصمت.
لكن كلما تقدمت إلى الداخل، ازداد شعوري بأنني لست وحدي.
وصلت إلى قاعة كبيرة في وسط المنزل.
وهناك رأيت شيئًا لم أستطع تفسيره.
كانت الجدران مغطاة برموز غريبة.
دوائر.
خطوط متشابكة.
وأشكال لم أرَ مثلها في حياتي.
اقتربت لالتقاط صورة.
وفجأة بدأت الرموز تتوهج بلون أحمر قاتم.
تراجعت خطوة إلى الخلف.
وشعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
ثم سمعت صوتًا.
لم يكن صوت إنسان.
كان عميقًا وثقيلًا.
قال:
“لقد عاد وريث البوابة.”
تجمدت في مكاني.
التفت حولي بسرعة.
لم يكن هناك أحد.
لكنني كنت متأكدًا أن الصوت حقيقي.
الخاتم الأسود
بينما كنت أبحث عن مصدر الصوت اصطدمت قدمي بشيء معدني.
انحنيت والتقطته.
كان خاتمًا أسود اللون.
غريب الشكل.
وفي وسطه حجر أحمر يشبه الجمر المشتعل.
بمجرد أن لامست أصابعي الخاتم شعرت بحرارة شديدة.
ثم حدث أمر مستحيل.
اختفى المنزل من حولي.
واستبدل بمشهد آخر.
رأيت صحراء واسعة تغطيها النيران.
ومخلوقات ضخمة تتقاتل في كل مكان.
سيوف تشتعل بضوء أزرق.
وأجنحة سوداء تحجب السماء.
وصراخ يهز الأرض.
استمر المشهد ثوانٍ معدودة.
ثم عاد كل شيء إلى طبيعته.
سقطت على ركبتي وأنا ألهث.
لم أفهم ما حدث.
لكنني كنت أعلم أن حياتي بدأت تنزلق نحو شيء مرعب.
المرأة ذات الثوب الأسود
خرجت من المنزل بأسرع ما يمكن.
كنت أريد الابتعاد عن ذلك المكان.
الهواء البارد في الخارج ساعدني قليلًا على استعادة هدوئي.
لكن عندما وصلت إلى سيارتي شعرت بشخص يراقبني.
رفعت رأسي نحو التل القريب.
وهناك رأيتها.
امرأة تقف فوق الصخور.
ترتدي ثوبًا أسود طويلًا.
وشعرها الداكن يتحرك مع الرياح.
كانت جميلة بشكل غير طبيعي.
كأنها خرجت من حلم.
أو من كابوس.
لكن أكثر ما أثار خوفي كان عيناها.
كانتا تلمعان بلون فضي غريب.
نظرت إليّ لثوانٍ.
ثم اختفت.
ببساطة اختفت.
وكأنها لم تكن موجودة أصلًا.
دفتر أبي السري
في صباح اليوم التالي لم أستطع التفكير في شيء آخر.
عدت إلى منزل والدتي.
وبدأت أبحث بين أغراض والدي القديمة.
بعد ساعات طويلة من التفتيش اكتشفت صندوقًا خشبيًا مخبأ خلف جدار قديم.
فتحته ببطء.
وجدت داخله دفترًا جلديًا مهترئًا.
وعلى الصفحة الأولى كانت هناك جملة بخط والدي:
“إذا كنت تقرأ هذه الكلمات يا سالم، فهذا يعني أن الوقت قد حان لمعرفة الحقيقة.”
شعرت بأنفاسي تتسارع.
بدأت أقرأ.
وكانت كل صفحة أكثر صدمة من سابقتها.
كشف والدي أنه لم يكن شخصًا عاديًا.
بل كان واحدًا من حراس البوابات.
مجموعة سرية مهمتها حماية العالم البشري من مخلوقات تعيش خلف حجاب غير مرئي.
مخلوقات أطلق عليها اسم:
الجن.
لكن ليس الجن الذين نعرفهم في القصص.
بل حضارة كاملة.
مدن.
جيوش.
ملوك.
وحروب.
الهجوم الأول
في تلك الليلة عدت إلى منزلي وأنا أحمل الدفتر والخاتم.
كنت أحاول استيعاب ما قرأته.
لكن لم يكن لدي وقت للتفكير.
عند منتصف الليل انطفأت الأنوار فجأة.
ساد الظلام.
ثم بدأت أسمع خطوات ثقيلة داخل المنزل.
خطوة.
ثم أخرى.
ثم أخرى.
أشعلت ضوء الهاتف.
ونظرت نحو الممر.
وهناك رأيته.
كان أطول من أي إنسان.
جلده أسود كالرماد.
وعيناه حمراوان كالجمر.
بدأ يقترب ببطء.
شعرت بالرعب يشل حركتي.
أردت الهرب.
لكن قدمي رفضتا الاستجابة.
رفع المخلوق ذراعه الطويلة.
واستعد للهجوم.
وفجأة تحطم زجاج النافذة.
ودخلت المرأة التي رأيتها عند المنزل المهجور.
رفعت يدها.
فانطلقت دوائر من الضوء الفضي.
اصطدمت بالمخلوق.
فأطلق صرخة هائلة قبل أن يتحول إلى دخان أسود.
ساد الصمت.
ثم التفتت نحوي.
وقالت:
“يبدو أننا وصلنا في الوقت المناسب.”
ليان
حدقت فيها غير مصدق.
كانت هي نفسها.
الثوب الأسود.
العينان الفضيتان.
والجمال الغريب الذي يجعل من الصعب النظر بعيدًا.
سألتها:
“من أنتِ؟”
أجابت بهدوء:
“اسمي ليان.”
ثم أضافت:
“وأنت في خطر كبير يا سالم.”
طالبتها بالتفسير.
فتنهدت.
وقالت:
“هناك حرب قديمة تقترب من نهايتها.”
“وحين تنتهي ستبدأ حرب أكبر.”
سألتها:
“أي حرب؟”
أجابت:
“حرب الجن.”
السر الذي أخفته عني
جلست ليان أمامي لساعات تشرح ما يحدث.
أخبرتني أن هناك قبائل متعددة من الجن.
بعضها يريد الحفاظ على التوازن بين العالمين.
وبعضها يريد السيطرة على عالم البشر.
وأخبرتني أن الخاتم الذي وجدته ليس مجرد قطعة معدنية.
بل مفتاح قديم.
ومفتاح خطير.
سألتها:
“لماذا أنا؟”
نظرت إليّ للحظة.
ثم قالت:
“لأن والدك كان آخر حراس البوابة.”
“وأنت وريثه.”
شعرت وكأن الأرض اهتزت تحت قدمي.
كنت طوال حياتي أبحث عن سر اختفاء أبي.
والآن أكتشف أنني أسير على خطاه.
المدينة المنسية
في الليلة التالية أخذتني ليان إلى عمق الصحراء.
سافرنا لساعات طويلة.
حتى وصلنا إلى منطقة لا تظهر على أي خريطة.
وقفت أمام دائرة حجرية ضخمة.
وضعت يدها على أحد الأحجار.
فبدأت الرمال تتحرك.
وانكشفت درجات عملاقة تقود إلى الأسفل.
نزلنا.
وكل خطوة كانت تقودني إلى عالم جديد.
حتى وصلت إلى مدينة كاملة مخفية تحت الرمال.
أبراج شاهقة.
قصور مضيئة.
ومخلوقات مختلفة تسير في الشوارع.
بعضها يشبه البشر.
وبعضها لا يشبه أي شيء رأيته من قبل.
وقفت مذهولًا.
وأدركت أن العالم أكبر بكثير مما كنت أتصور.
بداية الحرب
بينما كنت أتأمل المدينة شعرت فجأة باهتزاز قوي.
ثم دوى انفجار هائل.
رفعت رأسي.
فرأيت السماء فوق المدينة تنشق.
ظهرت بوابة سوداء ضخمة.
خرج منها جيش كامل من المخلوقات المظلمة.
وفي مقدمتهم رجل يرتدي درعًا أسود.
كانت عيناه تتوهجان بلون النار.
نظر نحوي مباشرة.
رغم المسافة الهائلة.
وكأنه يعرفني.
ثم رفع سيفه نحو السماء.
وقال بصوت هز المدينة كلها:
“وجدنا وريث البوابة.”
تجمد الدم في عروقي.
أما ليان فبدت مذعورة للمرة الأولى.
همست:
“لقد وصل قبل الموعد.”
ثم أمسكت بذراعي بقوة.
وأضافت:
“استعد يا سالم…”
“لقد بدأت حرب الجن.”
المدينة التي لا يعرفها البشر
لم أستوعب ما كنت أراه أمامي.
جيش كامل خرج من بوابة سوداء عملاقة فوق المدينة المنسية.
المخلوقات المظلمة تتدفق كالطوفان.
وصوت الأبواق الحربية يهز الجبال المدفونة تحت الرمال.
أما الرجل الذي يقودهم فقد بدا مختلفًا عن الجميع.
كان طويل القامة بشكل مخيف.
يرتدي درعًا أسود تتراقص فوقه خطوط حمراء كأنها نار حية.
وعيناه…
لم أرَ في حياتي نظرة تحمل كل ذلك الحقد.
نظر إلي مباشرة.
كأنه كان يبحث عني منذ سنوات.
شعرت بقبضة ليان تشتد على ذراعي.
قالت بصوت مضطرب:
“علينا الرحيل الآن.”
سألتها:
“من هذا؟”
بدت مترددة للحظة.
ثم قالت:
“إنه قاهر.”
“ملك الظلال.”
الهروب من جيش الظلام
لم يكن لدينا وقت للأسئلة.
بدأت صفارات الإنذار تدوي في أنحاء المدينة.
وانطلقت قوات الحراس نحو الأسوار.
رأيت مئات المقاتلين يحملون أسلحة غريبة تتوهج باللون الأزرق.
في المقابل كانت جيوش الظلال تقترب بسرعة.
اندلع أول اشتباك.
واهتزت الأرض تحت أقدامنا.
ألسنة من النار السوداء ارتفعت في السماء.
وسمعت صرخات لم أسمع مثلها من قبل.
سحبتني ليان نحو أحد الأزقة.
ركضنا بين المباني الحجرية القديمة.
وكلما ابتعدنا عن ساحة القتال ازداد شعوري بأن شيئًا ما لا تخبرني به.
وأخيرًا توقفت.
استدرت إليها.
وقلت:
“كفى أسرارًا.”
“من أنتِ حقًا؟”
السر الذي أخفته ليان
ساد الصمت.
كانت عيناها مثبتتين على الأرض.
ثم رفعت رأسها ببطء.
وقالت:
“لن يعجبك ما سأقوله.”
شعرت بانقباض في صدري.
تابعت:
“أنا لست من قبيلة النور.”
تجمدت في مكاني.
كانت تلك القبيلة هي التي تحمي البشر.
والتي تقاتل جيش الظلال.
إذا لم تكن منهم…
فماذا تكون؟
قالت بصوت خافت:
“أنا ابنة قاهر.”
شعرت وكأن أحدهم وجه لي ضربة قوية.
ملك الظلال.
أكثر مخلوق مخيف رأيته في حياتي.
هو والدها.
تراجعت خطوة للخلف.
لم أعرف ماذا أقول.
لكنها أكملت بسرعة:
“لم أختر أن أولد هناك.”
“ولم أوافق على ما يفعله.”
“لهذا هربت.”
نظرت في عيني مباشرة.
وأضافت:
“ولهذا أحاول حمايتك.”
رسالة من الماضي
قبل أن أتمكن من الرد ظهر أمامنا رجل عجوز يرتدي عباءة بيضاء.
كان أحد حراس المدينة.
اقترب بسرعة.
ثم ناولني لفافة قديمة.
وقال:
“هذا تركه والدك قبل اختفائه.”
شعرت بأنفاسي تتسارع.
فتحت اللفافة بيد مرتجفة.
وكانت تحتوي على خريطة قديمة ورسالة قصيرة.
بخط والدي.
“إذا وصلت هذه الرسالة إلى سالم، فهذا يعني أن الحرب بدأت.”
“ولا بد أن يجد المفتاح الثاني قبل قاهر.”
توقفت عند هذه الجملة.
المفتاح الثاني؟
كنت أعتقد أن الخاتم هو المفتاح الوحيد.
لكن يبدو أن الحقيقة أكثر تعقيدًا.
مقبرة الحراس
أخبرنا الرجل العجوز أن المفتاح الثاني مخبأ داخل مكان يدعى مقبرة الحراس.
مكان قديم يعود إلى آلاف السنين.
ولم يدخله أحد منذ اختفاء والدي.
انطلقنا في نفس الليلة.
غادرنا المدينة عبر أنفاق سرية.
وسرنا لساعات طويلة تحت الصحراء.
حتى وصلنا إلى بوابة حجرية ضخمة.
كانت مغطاة بالرموز نفسها التي رأيتها داخل المنزل المهجور.
شعرت بحرارة الخاتم في إصبعي.
وفجأة بدأت البوابة تتحرك.
وانفتحت ببطء.
خرج منها هواء بارد يحمل رائحة الموت.
الأشباح الحارسة
دخلنا بحذر.
كان المكان مظلمًا وصامتًا.
لكنني شعرت بأن هناك عيونًا تراقبنا.
بعد دقائق بدأ الضوء الأزرق يظهر حولنا.
في البداية ظننته انعكاسًا غريبًا.
ثم أدركت الحقيقة.
كانت أرواحًا.
عشرات الأرواح.
رجال ونساء يرتدون دروعًا قديمة.
يحملون سيوفًا شفافة.
قالت ليان:
“هؤلاء الحراس الأوائل.”
“إنهم يحمون أسرار البوابة حتى بعد موتهم.”
تابعنا السير.
وفجأة ظهرت روح ضخمة أمامنا.
أكبر من الجميع.
وأكثر إشراقًا.
ثم نظرت إلي مباشرة.
وقالت:
“ابن الحارس الأخير.”
“لقد تأخرت.”
الحقيقة الصادمة عن والدي
اقتربت الروح مني.
ثم مدت يدها الشفافة.
ووضعتها على جبيني.
في لحظة واحدة انفجرت الصور داخل رأسي.
رأيت والدي.
لكن ليس كما أتذكره.
كان يرتدي درعًا فضيًا.
ويقود جيشًا كاملًا.
كان يقاتل إلى جانب قبائل النور.
ثم رأيته يدخل بوابة هائلة من الظلام.
ويختفي داخلها.
شاهدت المعركة الأخيرة.
ورأيت سبب اختفائه.
لم يمت.
ولم يختطف.
بل ضحى بنفسه.
أغلق إحدى البوابات من الداخل.
وسجن نفسه في عالم الظلال.
فتحت عيني وأنا ألهث.
كانت الدموع تنزل دون أن أشعر.
والدي ما زال حيًا.
لكن في مكان أسوأ من الموت.
المفتاح الثاني
قادنا الحارس الروحي إلى قاعة قديمة.
وفي وسطها كانت هناك منصة حجرية.
فوقها سيف قصير بلون الفضة.
لكن السيف لم يكن مجرد سلاح.
كانت على قبضته نفس الرموز الموجودة على خاتمي.
قال الحارس:
“هذا هو المفتاح الثاني.”
“لا يمكن فتح البوابة أو إغلاقها دون اتحاد المفتاحين.”
اقتربت منه.
وبمجرد أن لمسته اشتعلت الرموز على السيف والخاتم معًا.
ثم ظهر ضوء قوي غمر القاعة بأكملها.
في تلك اللحظة أدركت لماذا كان قاهر يبحث عني.
لم يكن يريد قتلي.
كان يحتاجني.
الخيانة
قبل أن نتمكن من مغادرة المقبرة سمعنا صوت تصفيق بطيء.
التفتنا بسرعة.
وتجمد الدم في عروقي.
كان الرجل العجوز الذي أعطاني الرسالة.
يقف عند المدخل.
وخلفه عشرات الجن المظلمين.
ابتسم بسخرية.
وقال:
“شكرًا لإحضار المفتاح الثاني.”
شعرت بالغضب.
صرخت:
“كنت تعمل معنا!”
ضحك.
ثم أجاب:
“بل كنت أعمل مع قاهر منذ البداية.”
أدركت أننا وقعنا في فخ.
سقوط المقبرة
بدأت المعركة فورًا.
اندفعت مخلوقات الظلام نحو القاعة.
ورفعت الأرواح الحارسة أسلحتها.
امتلأ المكان بالضوء والنار والصراخ.
أما أنا فكنت أحمل السيف لأول مرة.
ولم أكن أعرف كيف أقاتل.
لكن شيئًا غريبًا حدث.
بمجرد أن اقترب مني أحد المهاجمين تحرك السيف وحده.
كأنه يتذكر معارك قديمة.
أطاح بالمهاجم في لحظة.
ثم بآخر.
ثم ثالث.
شعرت بقوة غريبة تسري في جسدي.
وكأن دماء الحراس القدامى استيقظت داخلي.
لكن المعركة كانت خاسرة.
كان عدد الأعداء أكبر بكثير.
وبدأت المقبرة تنهار.
ظهور قاهر
اهتزت الأرض بعنف.
وانشقت الجدران الحجرية.
ثم ظهر هو.
قاهر.
ملك الظلال.
دخل القاعة بخطوات هادئة.
وكأن الحرب كلها لا تعنيه.
نظر إلى السيف في يدي.
ثم ابتسم.
وقال:
“أخيرًا.”
“اجتمع المفتاحان.”
شعرت لأول مرة بخوف حقيقي.
لم يكن مجرد ملك.
كان شيئًا أقدم وأقوى بكثير.
اقترب خطوة أخرى.
ثم قال جملة جعلت الدم يتجمد في عروقي:
“أخبرني يا سالم…”
“كيف حال والدك؟”
اتسعت عيناي من الصدمة.
ابتسم قاهر ابتسامة مظلمة.
وأضاف:
“لأنني أراه كل يوم.”
ثم رفع يده.
وانفجرت القاعة بالظلام.
داخل عالم الظلال
عندما رفع قاهر يده وانفجرت القاعة بالظلام، شعرت وكأن الأرض اختفت من تحتي.
لم أعد أرى ليان.
ولا الجنود.
ولا المقبرة.
كل شيء تحول إلى فراغ أسود بلا نهاية.
ثم بدأت أسمع أصواتًا بعيدة.
همسات.
صرخات.
وأصوات معارك قديمة.
حاولت الوقوف.
لكنني شعرت بثقل هائل فوق جسدي.
وفجأة ظهر نور خافت أمامي.
ومع اقترابي منه بدأت الملامح تتضح.
رجل يرتدي درعًا فضيًا.
شعره أسود.
وعيناه تشبهان عيني.
توقفت أنفاسي.
كان والدي.
اللقاء الذي انتظرته سنوات
لم أصدق ما أراه.
بقيت أحدق فيه لعدة ثوانٍ.
ثم ركضت نحوه.
احتضنته بقوة.
ولأول مرة منذ خمسة عشر عامًا شعرت أن ذلك الفراغ القديم داخل قلبي بدأ يختفي.
لكن الفرحة لم تدم طويلًا.
لأن ملامحه لم تكن مطمئنة.
نظر إلي وقال:
“لم يكن يجب أن تأتي إلى هنا يا سالم.”
سألته بسرعة:
“لماذا فعلت هذا؟”
“لماذا تركتنا؟”
تنهد بحزن.
ثم قال:
“لأنني لم أكن أملك خيارًا.”
وأشار إلى الأفق المظلم.
“كنت أحاول منع شيء أسوأ من الحرب.”
الحقيقة التي أخفاها الجميع
أخذني والدي إلى قمة مرتفعة داخل عالم الظلال.
ومن هناك رأيت شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقي.
في قلب العالم كانت هناك كتلة هائلة من الظلام.
أكبر من مدينة كاملة.
تتحرك ببطء.
وكأنها مخلوق نائم.
قال والدي:
“هذا هو السبب الحقيقي للحرب.”
سألته:
“ما هذا الشيء؟”
أجاب:
“إنه الكيان الأول.”
“المخلوق الذي وُجد قبل البشر والجن.”
شعرت بالقشعريرة.
تابع كلامه:
“قبل آلاف السنين اتحدت قبائل الجن وحراس البوابات لحبسه.”
“لكن سجنه بدأ يضعف.”
“والآن يحاول العودة.”
تذكرت كل ما حدث.
المعارك.
البوابات.
المفاتيح.
ثم سألت:
“وقاهر؟”
أجاب والدي:
“ليس الشرير الذي تعتقده.”
سر قاهر
لأول مرة بدأت أفهم الصورة كاملة.
أخبرني والدي أن قاهر كان أحد الأبطال الذين شاركوا في حبس الكيان الأول منذ قرون.
لكن السنوات الطويلة والحروب المتكررة جعلت الجميع ينسون الحقيقة.
بدأت القبائل تتقاتل.
وتحول الحلفاء إلى أعداء.
أما قاهر فكان يحاول فتح البوابة الأخيرة.
ليس لغزو البشر.
بل للوصول إلى قلب السجن وتقويته قبل فوات الأوان.
لكن أحدًا لم يعد يصدقه.
حتى ابنته ليان.
العودة إلى ساحة المعركة
قبل أن أتمكن من استيعاب كل شيء اهتز عالم الظلال بعنف.
بدأت الأرض تتشقق.
والسماء السوداء تمتلئ بالشقوق الحمراء.
نظر والدي نحو الأعلى.
ثم قال:
“لقد بدأ.”
“الكيان يستيقظ.”
في اللحظة التالية عاد الضوء ليحيط بنا.
وشعرت بأن جسدي يُسحب بقوة هائلة.
ثم وجدت نفسي مجددًا داخل المقبرة المنهارة.
كانت المعركة ما تزال مشتعلة.
لكن الجميع توقف عندما ظهرت الشقوق السوداء في السماء.
حتى قاهر نفسه رفع رأسه بقلق.
كان يعلم ما يعنيه ذلك.
سقوط الأقنعة
ركضت نحو ليان.
كانت مصابة لكنها ما زالت تقاتل.
صرخت:
“قاهر لا يكذب!”
توقفت ونظرت إلي بدهشة.
أما الجنود من الجانبين فبدوا مرتبكين.
رفعت السيف عاليًا.
وأخبرتهم بالحقيقة كاملة.
عن الكيان الأول.
وعن السجن.
وعن والدي.
ساد الصمت.
لكن لم يدم طويلًا.
لأن الأرض انفجرت فجأة.
وخرج شيء من الأعماق.
شيء لم يكن جنيًا.
ولا بشريًا.
ولا أي مخلوق عرفه التاريخ.
ظهور الكيان الأول
ارتفع المخلوق فوق المدينة المنسية.
كان أكبر من القصور.
وأضخم من الأبراج.
جسده مكوّن من الظلال والدخان والنيران.
وفي داخله آلاف العيون الحمراء.
كل عين تحمل كراهية عمرها آلاف السنين.
شعرت بالعجز.
حتى قاهر بدا صغيرًا أمامه.
أطلق الكيان صرخة واحدة.
فانهارت المباني.
وسقط المئات أرضًا.
ثم بدأ يتقدم نحو البوابة الكبرى.
لو وصل إليها…
سينتهي كل شيء.
التحالف الأخير
لأول مرة منذ قرون توحدت القبائل.
جن النور.
جن الظلال.
وحراس البوابات.
وقفوا جنبًا إلى جنب.
رأيت قاهر يقف بجوار ليان.
ورغم الخلاف بينهما لم يكن هناك وقت للعتاب.
قال قاهر:
“لن نستطيع هزيمته بالقوة.”
نظر نحوي.
ثم أشار إلى الخاتم والسيف.
وأضاف:
“المفاتيح خُلقت لشيء واحد.”
“إغلاق السجن.”
أدركت ما يقصده.
لكنني لم أرد تصديقه.
سألت:
“وما الثمن؟”
أجاب والدي الذي ظهر من عالم الظلال:
“حياة الحارس.”
القرار الأصعب
فهمت الحقيقة فورًا.
كان لا بد من وجود شخص داخل السجن ليغلق البوابة نهائيًا.
كما فعل والدي من قبل.
لكن هذه المرة لن يتمكن أحد من العودة.
نظرت إلى أمي في مخيلتي.
إلى حياتي القديمة.
إلى كل شيء كنت أريد تحقيقه.
ثم نظرت إلى العالم من حولي.
إذا لم أفعل ذلك فلن يبقى شيء أصلًا.
اقتربت مني ليان.
كانت الدموع في عينيها.
وقالت:
“لا تفعل.”
لأول مرة رأيتها خائفة.
حقًا خائفة.
ابتسمت لها.
وقلت:
“يبدو أن هذه وظيفة العائلة.”
إغلاق البوابة
تقدمت نحو الكيان الأول.
بينما كانت الجيوش تقاتله لإبطائه.
رفعت السيف.
وأمسكت بالخاتم.
بدأ الضوء يتصاعد منهما.
أبيض.
ثم أزرق.
ثم ذهبي.
شعرت بطاقة هائلة تجتاح جسدي.
وانفتحت البوابة الأخيرة.
بدأ الكيان يصرخ.
حاول المقاومة.
لكن الضوء كان أقوى.
تقدمت خطوة بعد خطوة.
حتى وصلت إلى قلب العاصفة.
وهناك غرست السيف في مركز البوابة.
وضغطت الخاتم فوقه.
انفجر الضوء.
واختفى كل شيء.
النهاية
عندما فتحت عيني وجدت نفسي واقفًا في مكان أبيض هادئ.
لا حرب.
ولا ظلام.
فقط سكون.
ظهر والدي أمامي.
هذه المرة كان يبتسم.
قال:
“لقد أنقذتهم.”
ثم بدأ يتلاشى ببطء.
وأدركت أن مهمته انتهت.
أما أنا…
فكنت أعتقد أن مهمتي انتهت أيضًا.
لكن قبل أن يختفي الضوء بالكامل سمعت صوتًا أعرفه جيدًا.
صوت ليان.
كانت تناديني.
بعيدة جدًا.
لكنها كانت موجودة.
ثم رأيت شرخًا صغيرًا من النور يظهر في الفراغ.
ابتسمت.
لأنني فهمت شيئًا واحدًا.
حتى بعد انتهاء حرب الجن…
لم تنتهِ قصتي بعد.
النهاية
- فندق العودة: الفندق الغامض الذي يعيد الشباب | ملفات ما وراء الطبيعة
- قصص ما وراء الطبيعة: الرجل الذي يختفي من الصور
- قصص ما وراء الطبيعة: الرجل الذي لا يعرف الهزيمة وقوة خارقة تخفي سرًا مرعبًا
- عالم الأحلام | البوابة السوداء التي فتحت طريقًا إلى عقول البشر
- وريث الإمبراطورية المنسية: الهاتف الذي فتح بوابة عالم آخر الفصل 2
